
على مدار الأيام الماضية، تعددت المشاهد عبر الشاشات المختلفة، مشاهد من الحادث وأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، وثقها المواطنون الذين حضروا المشهد «لايف»، وكلها تصور أطفالًا صغارًا في عمر الزهور، ملابسهم ملطخة بالدماء، ما بين مصابين ومتوفين على الطريق، بعد تصادم سيارتي نقل كانتا تقلان عمالًا، إحداهما تنقل عمالًا لقطف ثمار المانجو، والأخرى لقطف الفول السوداني، بإحدى قرى محافظة الإسماعيلية.
اقرأ أيضا: “الين” الياباني يستعيد قوته مع تراجع رهانات رفع الفائدة الأمريكية -جريدة المال
تتشابه القصص والحكايات ويبقى السؤال: كم يتقاضى هذا الصغير مقابل عمله؟ وهل يجوز له العمل في هذه السن؟ وأين الأب والأم من هذا المشهد العبثي المأساوي؟!
في البداية تشدد الدكتورة زينب حسن علي، أستاذ الاجتماع بجامعة حلوان، على أهمية محاربة عمالة الأطفال، قائلة: لقد تابعنا الحادث الأخير، ورأينا أبًا يمسك بصورة ابنته المتوفاة في الحادث، لكن الأب شاب والأم أيضًا في عمر الشباب، فلماذا يدفعون بفلذات أكبادهم إلى العمل؟ هل من أجل 100 جنيه يوميًا؟ أعتقد أن الأب، حتى وإن كان مريضًا كما يقول، فإنه قادر على كسب المئة جنيه، ولو من عمل بسيط، مثل بيع الخضراوات والفاكهة، أو حتى العمل في محل أو غيره من الأعمال البسيطة، بدلًا من تعريض حياة أولادهم للخطر.
وأضافت: عمل الأطفال يسلب الصغير حقه الطبيعي في التعليم واللعب والنمو النفسي والجسدي، وهذا يؤثر عليه بالسلب للأسف، ويجعله مفتقدًا لحالة اللعب وممارسة حياته الطبيعية التي من المفترض أن يعيشها، ناهيك أنه سيظل طيلة حياته يعمل بأجر منخفض، فهو لم يكمل تعليمه، وهذا بالطبع يجعلنا أمام أجيال تعيد إنتاج الفقر لأجيال قادمة.
وتابعت: «هذا يؤدي أيضًا إلى خسارة الناتج المحلي مستقبلًا بسبب تدني مستوى رأس المال البشري، فنحن أمام إنتاجية أفراد غير متعلمين.
من جانبه يرى الدكتور علي محمد عبد الرحمن، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنها الأهلية، أن أصحاب الأعمال يفضلون تشغيل الأطفال لأنهم يمثلون عمالة رخيصة، وأسهل في الانقياد، وأقل قدرة على المطالبة بحقوقهم أو تنظيم أنفسهم في نقابات، وبالطبع هذا يخالف القوانين.
قائلا: بعض الأهالي يرون في تشغيل أولادهم وهم صغار نوعًا من الاستثمار، حتى يحققوا لذويهم حياة معيشية مختلفة، لكن للأسف هذا يضر بالصغار، ويضر أيضًا بالأهل والاقتصاد القومي على المدى البعيد، فكيف لصغير لم يتعلم بعد كيفية العمل تحت ضغط أو العمل في ظروف صعبة أن ينتج؟ لن يستقيم الأمر مثل عامل مدرب وقادر على العمل.
موضحًا أن هناك حرفًا كثيرة بدأت تتوارى وتختفي مع ظهور «التوك توك» واتخاذ البعض له حرفة ومصدرًا للرزق، فأصبحنا لا نجد من يسعى إلى تعلم حرفة بعد اكتفائه بمرحلة تعليمية معينة.
مشيرًا إلى أن عمالة الأطفال تتعارض أيضًا مع توجه الدولة نحو التعليم الحرفي في المدارس الصناعية المختلفة، قائلًا: إن الدولة أحدثت وأنشأت مدارس للحرف، مثل مدارس الذهب والنسيج وغيرها، وكذلك مدارس صناعية مجهزة بورش لتخريج عمالة متعلمة ودارسة ومؤهلة لسوق العمل بالطريقة الطبيعية والصحيحة.
وتقول الدكتورة شيرين عمران، الاستشاري الأسري: إن حادثة الإسماعيلية وغيرها من الحوادث لا بد أن تكون جرس إنذار للأسرة قبل أي أحد.
مشيرة إلى أن من يخرج ابنه أو ابنته من التعليم من أجل جنيهات قليلة، فهو يحرم الصغير ويحرم الأسرة كلها من عنصر قد يكون هو العائل مستقبلا، بعد أن يصبح مؤهلًا ومتعلمًا وقادرًا على العمل. أما اليوم، وفي سنه وظروفه الحالية، فهو يظلمه ويقضي عليه، وينتج قنبلة موقوتة مجهزة ومعدة للانفجار والتمرد على ظروفها في أي وقت.
اقرأ أيضا: محتال ينتحل شخصية كبيرة موظفي ترامب ويخدع رئيس الوزراء البريطاني الجديد| إيه الحكاية
أما صبحي عبد المنعم، المحامي بالنقض، فيرى أن حل وعلاج أزمة عمالة الأطفال لا يكون إلا بتطبيق حازم للقوانين، وتفعيل التفتيش على المصانع والورش والقطاعات غير الرسمية، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، إلى جانب دعم شبكات الحماية الاجتماعية.
مشيرًا إلى أن الدولة بدأت في الآونة الأخيرة في تنفيذ حزمة من قرارات الحماية الاجتماعية والبرامج المناسبة للأسر ودخولها.
ويقول: إن اتفاقيات منظمة العمل الدولية واتفاقيات حقوق الطفل الدولية، ومنها الاتفاقيتان 138 و182، تنظم وتحظر عمالة الأطفال، لكن الأزمة تكمن في غياب آليات الرقابة والتفتيش، خاصة في القطاعات غير الرسمية والزراعة.
مشددًا على ضرورة تغليظ العقوبة على المخالفين، قائلًا: إن مواجهة عمالة الأطفال تحتاج إلى إجراءات حازمة وتضافر جهود جميع الجهات المعنية، حتى يمكن القضاء عليها قبل أن تتحول إلى ظاهرة أكثر انتشارًا وخطورة.
اقرأ أيضاًمصرع مُسن أسفل عجلات قطار أثناء عبوره شريط السكك الحديدية بفرشوط
حدث وأنت نائم| التحقيقات تكشف كواليس حادث الإسماعيلية وتفاصيل جديدة حول «مذبحة التجمع»
اقرأ أيضا: محافظ المنوفية يلتقي رئيس قطاع الكهرباء الجديد لبحث تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين
