جنوب لبنان- للمرة الثالثة، تحمل سحر البسام ما استطاعت من أشيائها وتغادر المنصوري. ليست المرة الأولى التي تنزح فيها من بلدتها، لكنْ هذه المرة تحمل خوفا مختلفا؛ ألا يكون الخروج مؤقتا كما في السابق، وأن يتحول الطريق الذي اعتادت أن تسلكه عائدة إلى بيتها إلى طريق باتجاه واحد.
اقرأ أيضا: نادي سباقات الخيل يعيّن فيصل العطاوي متحدثًا رسميًّا
وتقع المنصوري في قضاء صور، على بعد بضعة كيلومترات من الساحل، وتُعد من البلدات الجنوبية القريبة من الحدود اللبنانية مع إسرائيل، موقعها يجعلها جزءا من الحزام الحدودي الذي ظل طوال سنوات في قلب التوترات العسكرية، لكنه في الوقت نفسه جعلها متصلة بحياة زراعية وتجارية ارتبط بها سكانها جيلا بعد جيل.
بعد دخول وقف إطلاق النار الأحدث بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ، عادت سحر إلى المنصوري رغم الدمار، رممت ما استطاعت من منزلها، واستأنفت حياتها، وظلت تدخل البلدة يوميا، حتى بعدما لم يعد لها فيها منزل كامل.

لم تكن تستطيع، كما تقول للجزيرة نت، أن تبقى بعيدا عنها “لا أستطيع أن أجلس في مكان النزوح، أحب أن أدخل إلى بلدتي، لأنني أشعر أنني أتنفس فيها”.
لكنْ في 5 أغسطس/آب 2026، صدر إنذار إسرائيلي بإخلاء المنصوري، أعقبه قصف، فعادت البلدة إلى مشهد النزوح، وعادت سحر إلى الطريق الذي ظنت أنها تجاوزته.
من مكان بعيد، تراقب بلدتها وهي تُقصف. تراقب ما بقي من المكان الذي حاولت أن تعيد إليه الحياة؛ منزلا فقدته في حرب سابقة، ومتجرا ومصدر رزق خسرته في الحرب الأخيرة.
لهذا، لا تبدو قصة المنصوري مجرد موجة نزوح جديدة بل صورة مصغرة لسؤال أكبر يواجه بلدات الجنوب: ماذا يحدث حين تصبح العودة نفسها موضع تهديد؟
جغرافيا تتغير
تأتي المنصوري ضمن منطقة حدودية عرفت خلال السنوات الماضية تحولات متسارعة في طبيعة وجود السكان فيها. فكلما اتسع نطاق الدمار والقيود على الوصول، لم تعد المسألة مرتبطة بإعادة إعمار المنازل وحدها، بل بإمكان استعادة الحياة نفسها في هذه القرى.
ويرى الخبير العسكري العميد هشام جابر أن إفراغ عدد من المناطق الحدودية في جنوب لبنان من سكانها ليس نتيجة عابرة للعمليات العسكرية بل جزءا من مسار يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض.
ويقول جابر للجزيرة نت إن نحو 12 قرية وبلدة جنوبية دُمّرت بنسب تتراوح بين 90% و100%، بينها مروحين، وهي تقع في معظمها ضمن ما يُعرف بالمناطق الموازية للحدود.

ويعني حجم الدمار، وفق تقديره، أن عودة السكان إلى هذه القرى باتت شديدة الصعوبة، خصوصا مع تدمير المنازل والبنى التحتية، بالتوازي مع استمرار منع السكان والأمم المتحدة من الوصول إلى بعضها.
ولا يقتصر المشهد على هذه القرى، إذ يشير جابر إلى وجود أكثر من 12 قرية وبلدة أخرى تراوحت نسبة الدمار فيها بين 50% و60%، مع استمرار القيود الإسرائيلية على دخول السكان إليها.
وبالنسبة إلى جابر، فإن ما يجري يتجاوز الأضرار المادية إلى تغيير في طبيعة المنطقة نفسها، فاقتلاع البساتين وكروم الزيتون، وإحراق الأراضي الزراعية والبور، ولا سيما باستخدام مواد حارقة، يؤدي إلى تغيير في البيئة والجغرافيا، ويجعل مساحات واسعة أقل قابلية للاستثمار الزراعي والعودة إليها.
ويربط الخبير العسكري ذلك بممحاولة إنشاء منطقة عازلة فعلية، من دون إعلانها بالضرورة بصيغة رسمية، بحيث يصبح وجود السكان فيها محدودا أو متعذرا. ويعتقد أن إسرائيل، التي اختبرت في السابق تجربة الشريط الحدودي، لا تريد تكرار الصيغة نفسها، بل تسعى إلى واقع مختلف يقوم على إبقاء مناطق معينة خالية من السكان.
وفي هذا السياق، يرى جابر أن الخريطة التي نُشرت أخيرا وظهرت فيها أجزاء من الأراضي اللبنانية ضمن خريطة إسرائيل تحمل دلالة سياسية، خصوصا في ظل غياب إجراءات لبنانية رادعة تتجاوز الاعتراض الرسمي.
ويطرح ذلك سؤالا عن الغاية النهائية من إبقاء هذه المناطق خالية من سكانها، فبعضها ملاصق للحدود، ما يمنح إسرائيل، وفق جابر، أهمية عسكرية مباشرة في السيطرة عليه، بينما قد تتحول المناطق الأخرى إلى أوراق تفاوضية تستخدمها إسرائيل في أي تسوية مقبلة.
اقرأ أيضا: الدفاع المدني يشترط التأمين التعاوني لترخيص 8 أنشطة عالية الخطورة

سيناريو معقد
من جهته، يرى المحلل السياسي يوسف دياب أن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تكشف عن تصور إسرائيلي أوسع يقوم على إغلاق الملفات المفتوحة مع الخصوم، من لبنان إلى غزة وسوريا.
ويقول دياب للجزيرة نت إن إسرائيل لن توقف عملياتها البرية والتدمير واستهداف قدرات حزب الله ما لم تحقق أهدافها السياسية والعسكرية، خصوصا في ظل تعثر المفاوضات في الوصول إلى صيغة تلبي مطالبها.
ويرى أن الدولة اللبنانية لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى تسوية نهائية بشأن سلاح حزب الله ودوره العسكري، ولذلك تتجه إسرائيل، بحسب تقديره، إلى الضغط العسكري لفرض واقع جديد.
أما ما يجري في المنصوري، فيضعه دياب في إطار مختلف، معتبرا أنه قد يكون جزءا من إجراءات أمنية تهدف إلى إبقاء الجنوب في حالة قلق وعدم استقرار، بما يؤثر في السكان الموجودين فيه وفي الراغبين في العودة إلى بلداتهم.
ويستدل على ذلك بحركة نزوح عكسية ليلا من الجنوب نحو بيروت، في مؤشر، برأيه، على أن السكان لم يشعروا بعد بوجود بيئة أمنية مستقرة تسمح بعودة طبيعية وآمنة.
لكنّ دياب يستبعد أن يصل الأمر إلى تغيير ديمغرافي كامل في الجنوب، أو إلى تهجير سكانه الشيعة وتحويل المنطقة بصورة دائمة إلى منطقة عازلة، ويقول إن مثل هذا السيناريو يصطدم برفض الدولة اللبنانية، فضلا عن صعوبة فرضه على الأرض.
ويعتقد أن إسرائيل تسعى بالفعل إلى تكريس واقع يخدم مصالحها الأمنية، لكنّ نجاح هذا المسار ليس محسوما.
ويربط دياب في المقابل جزءا أساسيا من مستقبل الجنوب بمصير سلاح حزب الله، معتبرا أن حل هذه المسألة يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة جانب كبير من الإشكاليات الأمنية والسياسية بين لبنان وإسرائيل.
وفي تصوره، لا تتمثل المشكلة في وجود المدنيين في الجنوب أو في انتمائهم الطائفي، وإنما في طبيعة العلاقة بين هؤلاء السكان والدولة من جهة، وحزب الله وسلاحه من جهة أخرى. ومن هنا، فإن معركة الجنوب، وفق قراءته، لا تدور فقط حول السيطرة على تلة أو قرية، بل حول شكل السلطة والسلاح والحدود التي ستحدد مستقبل المنطقة.
اقرأ أيضا: “اليونيفيل”: الأعلام الإسرائيلية على الطرق اللبنانية تنتهك قرارا للأمم المتحدة
