الكاتب الصحفي عزت إبراهيم يواصل الكتابة عن الكتاب الأكثر جدلا هذا العام «لوبي إسرائيل»

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


الكاتب الصحفي عزت إبراهيم يواصل الكتابة عن الكتاب الأكثر جدلا هذا العام «لوبي إسرائيل»

اقرأ أيضا: لقيا مصرعهما غرقًا.. انتشال جثماني زوجين من مصرف منية سنتا بالشرقية – الأسبوع

استعرض الكاتب الصحفي عزت إبراهيم رئيس تحرير صحيفة الأهرام ويكلي، عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي الفصل الثاني من كتاب «لوبي إسرائيل»، بعنوان: «كيف تحولت العلاقة الخاصة من مكسب يمكن احتماله إلى عبء استراتيجي متزايد».

وقال عزت إبراهيم: «وقفي عام 2005، جلس جيفري جولدبرج مع ستيفن روزن، المسؤول السابق البارز في AIPAC، وسأله عما إذا كانت الفضائح التي أحاطت بالمنظمة قد أضعفت قدرتها في واشنطن. دفع روزن منديل المائدة باتجاهه وقال، في العبارة التي أصبحت من أشهر التعبيرات عن قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل: يمكننا خلال أربع وعشرين ساعة أن نحصل على توقيعات 70 عضوا في مجلس الشيوخ على هذا المنديل. يفتتح إيلي كليفتون وإيان لوستيك الفصل الثاني الذي يحمل عنوان إسرائيل وأمريكا في عالم فوضوي من كتاب Israel’s Lobby: America in the Grip of a Foreign Power بهذه الواقعة، لأنهما يريدان الانتقال من السؤال الذي ناقشاه في الفصل الأول ـ كيف أصبح اللوبي بهذه القوة؟ ـ إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا فعلت هذه القوة بالسياسة الخارجية الأمريكية؟».

أضاف: «تقوم أطروحتهما على مفارقة تاريخية. استطاعت الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة تحمل أخطاء كثيرة في الشرق الأوسط لأنها كانت تمتلك فائضا هائلا من القوة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، ولأن المواجهة مع الاتحاد السوفيتي فرضت في اللحظات الحرجة قيودا واضحة على الجميع. كان الرؤساء يستطيعون أن يقولوا للحكومة الإسرائيلية ولحلفائها داخل واشنطن إن خطا معينا لا يمكن تجاوزه لأن البديل قد يقود إلى مواجهة بين قوتين نوويتين. اختفى هذا الكابح بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفي العالم الأكثر سيولة الذي ظهر بعد 1991، أصبحت الولايات المتحدة أكثر استعدادا لاستخدام القوة العسكرية، بينما أصبح الارتباط غير المشروط بإسرائيل أكثر كلفة، لا أقل».

وأوضح: «يعود المؤلفان إلى البداية، إلى هاري ترومان وعام 1948، لإثبات أن الصراع بين الحساب الاستراتيجي والضغط الداخلي لم يظهر بعد عقود من تأسيس إسرائيل، وإنما رافق ولادتها نفسها. كان الرجل الأقوى داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية آنذاك هو جورج مارشال، رئيس أركان الجيش خلال الحرب العالمية الثانية ثم وزير الخارجية. قاد مارشال عملية توسع الجيش الأمريكي من قوة أصغر عددا من الجيش البرتغالي عام 1939 إلى جيش يقترب من سبعة ملايين جندي خلال الحرب، ثم أصبح مهندس مشروع إعادة بناء أوروبا الذي حمل اسمه وحصل بسببه على نوبل للسلام».

وتابع: «عارض مارشال ومعه معظم كبار مسؤولي الأمن القومي إنشاء دولة يهودية بدعم أمريكي في فلسطين. لم ينطلق اعتراضهم، كما يعرضه الفصل، من عداء لليهود، وإنما من حسابات القوة. خافوا من خسارة النفوذ الأمريكي في العالم العربي، وتهديد إمدادات النفط، وإتاحة فرص أكبر للاتحاد السوفيتي، واحتمال اضطرار الولايات المتحدة إلى إرسال قوات إلى فلسطين إذا انفجرت الحرب. شاركه الموقف وكيل وزارة الخارجية روبرت لوفيت، ووزير الدفاع جيمس فورستال، وجورج كينان، أحد أهم مهندسي استراتيجية احتواء الاتحاد السوفيتي.
كان ترومان نفسه أكثر تعقيدا. تعاطف مع اليهود بعد الهولوكوست، وتأثر بالمرجعية التوراتية لفكرة العودة إلى فلسطين، وفي الوقت نفسه شعر بالغضب من الضغوط السياسية المستمرة عليه. وفي أكتوبر 1947 قال إنه تلقى نحو 35 ألف رسالة ومادة دعائية حول فلسطين وإنه جمعها في كومة وأشعل فيها النار. كانت الانتخابات الرئاسية لعام 1948 تقترب، وكان ترومان يحتاج إلى دعم الناخبين والمانحين اليهود في معركة صعبة ضد الجمهوري توماس ديوي، حاكم نيويورك».

وواصل: «بلغ الصدام ذروته في 12 مايو 1948، قبل يومين من إعلان قيام إسرائيل. جمع ترومان كبار مستشاريه. جلس مستشاراه السياسيان كلارك كليفورد وديفيد نايلز في جانب، وجلس مارشال ولوفيت ومسؤولو الخارجية في الجانب الآخر. طالب كليفورد بالاعتراف السريع بالدولة اليهودية، وربط حجته صراحة بالحاجة إلى الاحتفاظ بأصوات اليهود في الانتخابات. أثار ذلك غضب مارشال، الذي اعتبر إدخال الحساب الانتخابي إلى قرار بهذا الحجم إهانة لمنصب الرئاسة. وصل رفضه إلى حد إبلاغ ترومان بأنه إذا اتبع نصيحة كليفورد فسوف يصوت ضده في انتخابات نوفمبر».

واستكمل: «قال ترومان في نهاية الاجتماع إنه يميل إلى موقف مارشال. ثم اتخذ القرار المعاكس. اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل بعد إعلان قيامها مباشرة. يستخدم المؤلفان الواقعة كنموذج مبكر يتكرر في الفصل: رئيس يميل استراتيجيا إلى اتجاه، وأجهزة الخارجية والدفاع تتحرك في الاتجاه نفسه، ثم تدخل الحسابات السياسية الداخلية فتدفع القرار إلى مكان آخر».

وأكد: «ظهر النموذج مرة أخرى بصورة أكثر وضوحا مع جيرالد فورد وهنري كيسنجر عام 1975. كانت حرب أكتوبر 1973 قد انتهت قبل عامين فقط، ووصلت خلالها المواجهة الأمريكية السوفيتية إلى واحدة من أخطر لحظاتها منذ أزمة الصواريخ الكوبية. وعندما واصلت القوات الإسرائيلية تقدمها ضد الجيش الثالث المصري رغم قرار وقف إطلاق النار، هدد السوفيت بالتدخل، فرفعت الولايات المتحدة حالة تأهب قواتها النووية الاستراتيجية إلى DEFCON 3. كانت تلك واحدة من حالات نادرة للغاية في التاريخ الأمريكي. فرض ريتشارد نيكسون وكيسنجر بعد ذلك على إسرائيل وقف التقدم والقبول بالتفاوض».

كما أضاف: «أدرك فورد وكيسنجر أن تكرار الأزمة يحمل مخاطر هائلة. وبحلول مارس 1975 أصبح الرجلان غاضبين من المماطلة الإسرائيلية في مفاوضات فك الاشتباك. كتب فورد إلى رئيس الوزراء إسحق رابين معلنا «إعادة تقييم» شاملة للسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط والعلاقة مع إسرائيل».

وتابع: «لم تكن اللجنة التي استعان بها كيسنجر مجموعة من الدبلوماسيين الهامشيين. ضمت روبرت ماكنمارا، ودين راسك، وماكجورج باندي، وأفيريل هاريمان، وجون ماكلوي، وجورج بول ودوغلاس ديلون، أي جزءا كبيرا من الطبقة التي أدارت السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية».

واستكمل: «درست اللجنة ثلاثة خيارات، وانتهت بالإجماع إلى التوصية بالعودة إلى مؤتمر جنيف والضغط على إسرائيل من أجل انسحاب واسع مقابل تسوية شاملة مع الدول العربية، بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي. عندها تحرك اللوبي. بعد شهرين وصلت إلى فورد رسالة تحمل توقيع 76 من أعضاء مجلس الشيوخ المئة وتطالبه بأن يجعل الدعم الأمريكي لإسرائيل أساس إعادة تقييمه للسياسة. كان ذلك رقما يصعب على أي رئيس تجاهله، خصوصا وهو يستعد لانتخابات 1976. تراجع فورد. بدلا من التسوية الشاملة عاد إلى الدبلوماسية التدريجية التي كان قد ضاق بها. والنتيجة كانت اتفاق سيناء الثاني في سبتمبر 1975، الذي أعادت إسرائيل بموجبه جزءا محدودا من سيناء إلى مصر مقابل مجموعة ضخمة من الالتزامات الأمريكية».

وأكد: «يقدم الفصل واحدة من أهم قوائم الوقائع في الكتاب. تعهدت واشنطن بتزويد إسرائيل بأسلحة متطورة، بينها مقاتلات F-16، والنظر في تزويدها بصواريخ بيرشينج. تعهدت كذلك بتأمين احتياجاتها النفطية في حالات الطوارئ، والمساهمة في إنشاء مخزون استراتيجي من النفط داخل إسرائيل، والتشاور معها إذا تعرضت لتهديد من قوة عالمية، والتنسيق معها بشأن توقيت وشكل مؤتمر جنيف، وعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية أو التفاوض معها ما لم تعترف بإسرائيل وتقبل قراري مجلس الأمن 242 و338.
الأهم أن الولايات المتحدة تعهدت عمليا بعدم اتخاذ سلسلة من المبادرات المتعلقة بالتسوية من دون تنسيق مسبق مع إسرائيل. وصف أحد مساعدي كيسنجر حزمة الالتزامات بأنها مذهلة، واختار الصحفي إدوارد شيهان عنوانا معبرا للفصل الذي روى فيه هذه المفاوضات: Cornucopia، أي «قرن الوفرة».

يذهب كليفتون ولوستيك إلى أن ما بدأ باعتباره محاولة من الرئيس للضغط على إسرائيل انتهى بتوسيع شبكة الالتزامات الأمريكية تجاهها. كان فورد غاضبا من النتيجة. كتب في مذكراته لاحقا أن رسالة أعضاء مجلس الشيوخ «أزعجته بشدة» وأنه لم يشك في أنها جاءت بإلهام من إسرائيل. وأبلغ أنور السادات بصورة خاصة أنه لا يستطيع الذهاب أبعد في عام الانتخابات، واعدا إياه بأنه إذا أعيد انتخابه فسوف يعود إلى التسوية الشاملة.

خسر فورد الانتخابات وجاء جيمي كارتر معتقدا أنه يستطيع فعل ما عجز عنه سلفه

كان كارتر في بداية رئاسته في موقع سياسي قوي، وحصل في انتخابات 1976 على نحو 71 في المئة من أصوات اليهود الأمريكيين. أراد إعادة مؤتمر جنيف والتوصل إلى اتفاق شامل يعالج القضية الفلسطينية، وتحدث علنا في مارس 1977 عن ضرورة إيجاد «وطن للفلسطينيين». كان يعتقد أن التسوية الدائمة تتطلب معالجة القضية الفلسطينية نفسها، بدلا من الاكتفاء باتفاقات منفصلة بين إسرائيل والدول العربية.

اصطدم سريعا بالواقع السياسي الداخلي

أعد مستشاره هاملتون جوردان في يونيو 1977 مذكرة من نحو 50 صفحة تشرح الثمن الانتخابي المحتمل لهذه السياسة. ذكر أن اليهود يشكلون أقل من 3 في المئة من السكان الأمريكيين، لكن ارتفاع نسبة مشاركتهم يعني أنهم يمثلون نحو 5 في المئة من إجمالي الأصوات. وفي نيويورك، حيث كانوا يشكلون نحو 12 في المئة من السكان، قدر جوردان أنهم يمثلون قرابة 28 في المئة من المصوتين في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية على مستوى الولاية وأشار أيضا إلى الوزن الكبير لتبرعاتهم السياسية مقارنة بحجمهم السكاني.
لم يتراجع كارتر على الفور. تحرك وزير خارجيته سايروس فانس لإحياء التسوية الشاملة، وفي أكتوبر 1977 أصدرت واشنطن وموسكو بيانا مشتركا يدعو إلى تسوية «عادلة ودائمة» تشمل «الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني».

انفجرت المعارضة

غضبت الحكومة الإسرائيلية، وتحرك اللوبي في واشنطن، وهاجم السيناتور هنري جاكسون المبادرة. جاء وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان إلى نيويورك، فطلب كارتر لقاءه. استمر الاجتماع ست ساعات ونصف الساعة، من السابعة مساء حتى الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وشارك فيه فانس ومستشار الأمن القومي زبجنيو بريجنسكي.

كان النقاش قاسيا

هاجم كارتر الاستيطان الإسرائيلي، وقال لديان إن إسرائيل تضع عقبات أمام السلام أكثر من العرب. وتروي مذكرات بريجنسكي أن ديان لوح بإمكان اللجوء مباشرة إلى اليهود الأمريكيين إذا لم يحصل على ضمانات بشأن الضفة الغربية والمساعدات.
في صباح اليوم التالي تغير الموقف الأمريكي.

صدرت ورقة عمل أمريكية إسرائيلية أعادت التأكيد على التفاهمات السابقة بشأن مؤتمر جنيف ومنظمة التحرير، واختفى منها الكلام عن «الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني» الذي ظهر في البيان الأمريكي السوفيتي. وصف المؤرخ والدبلوماسي وليام كوانت ما حدث بأنه تراجع لكارتر أمام الضغوط الإسرائيلية والداخلية.

انتهى مشروع جنيف

ذهب أنور السادات بعد أسابيع إلى القدس، وبدأ المسار الذي قاد إلى كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. حقق كارتر إنجازا تاريخيا بإنهاء الحرب بين مصر وإسرائيل، غير أن المؤلفين يركزان على الجانب الآخر من النتيجة: تحول الهدف الأمريكي من تسوية عربية إسرائيلية شاملة تتناول الفلسطينيين إلى سلام ثنائي بسبب ملابسات عديدة.

تجمع الحالات الثلاث ـ ترومان في 1948، وفورد في 1975، وكارتر في 1977 ـ العمود الفقري للفصل. في كل حالة كان الرئيس يعرف ما يريده مستشاروه للأمن القومي والسياسة الخارجية. وفي كل حالة كانت هناك فجوة بين هذه التوصيات وبين القرار النهائي. ويستخدم كليفتون ولوستيك حجم هذه الفجوة مقياسا لنفوذ السياسة الداخلية المؤيدة لإسرائيل.

ومع ذلك كان هناك خلال الحرب الباردة سقف لا يمكن تجاوزه بسهولة: الاتحاد السوفيتي.

أثبت دوايت أيزنهاور ذلك في أزمة السويس عام 1956. عندما غزت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا مصر، رفض الرئيس الأمريكي العملية وضغط على إسرائيل للانسحاب من سيناء. لم يكن يستطيع السماح بأن تتحول الحرب إلى مواجهة أوسع مع موسكو في اللحظة نفسها التي كانت القوات السوفيتية تسحق الانتفاضة المجرية.

وتكرر الكابح في 1973 عندما هددت موسكو بالتدخل لإنقاذ الجيش الثالث المصري. عندها أصبح خطر المواجهة النووية أقوى من أي ضغط سياسي داخلي، واستطاعت واشنطن إجبار إسرائيل على وقف العمليات.

اختفى هذا النظام بين 1990 و1991 وبدل أن يجعل غياب الاتحاد السوفيتي الشرق الأوسط أقل خطورة على الولايات المتحدة، يرى المؤلفان أنه أزال أحد أهم القيود على التورط الأمريكي.

تظهر الأرقام التحول بصورة حادة. خلال 44 عاما من الحرب الباردة، أحصى Congressional Research Service 49 استخداما للقوة العسكرية الأمريكية في الخارج ضمن التصنيف الذي يستخدمه. وفي 32 عاما فقط بين 1991 و2023، قفز الرقم إلى 263 عملية. لا ينسب الكتاب هذه القفزة إلى إسرائيل وحدها، لكنه يستخدمها لإظهار عالم جديد أصبحت فيه واشنطن أكثر ميلا إلى التدخل لأنها لم تعد تخشى مواجهة قوة عظمى مقابلة عند كل أزمة.

كان جورج بوش الأب من آخر الرؤساء الذين حاولوا استخدام تفوق ما بعد الحرب الباردة بحذر. وفي سبتمبر 1991 واجه AIPAC بشأن ضمانات قروض لإسرائيل بينما كانت حكومة إسحق شامير توسع الاستيطان. وقف بوش أمام الصحفيين وقال إنه يواجه نحو ألف من جماعات الضغط والناشطين على الكابيتول هيل بينما يقف هو «كرجل صغير وحيد» في البيت الأبيض.

كان ذلك تعبيرا نادرا من رئيس أمريكي عن عدم توازن الضغط في قضية إسرائيل لكن حرب الخليج نفسها أوضحت مفارقة العلاقة الاستراتيجية. عندما احتل صدام حسين الكويت عام 1990، بنت واشنطن تحالفا بلغ في النهاية 39 دولة. احتاجت بشدة إلى مشاركة الدول العربية. وتحولت إسرائيل من «أصل استراتيجي» يفترض أن يساعد أمريكا إلى مشكلة ينبغي إبقاؤها خارج الحرب.

حاول صدام ضرب هذا التحالف بإطلاق صواريخ سكود على إسرائيل، آملا أن ترد فتنسحب الحكومات العربية. اضطر بوش إلى الضغط على إسحق شامير حتى لا يرد، وحولت الولايات المتحدة موارد عسكرية كبيرة إلى البحث عن منصات الصواريخ العراقية وحماية إسرائيل. ويقتبس الفصل مسؤولا في البيت الأبيض قال إن منع إسرائيل من دخول الحرب كان من أكثر الأمور التي أقلقت الرئيس وكبار مساعديه.

انتهت الحرب بتحرير الكويت، وانسحبت القوات الأمريكية بسرعة، ورفض بوش إسقاط نظام صدام حسين. اعتبر كثير من المحافظين الجدد هذا القرار خطأ تاريخيا.

بعد عقد عادوا لإكمال المهمة

ينتقل الفصل إلى 11 سبتمبر وحرب العراق، وهي المرحلة التي يرى فيها المؤلفان أن التقاء رؤيتين ـ الهيمنة الأمريكية واليمين الإسرائيلي ـ أنتج نتائج أكثر خطورة من أي مرحلة سابقة.

يشير الكتاب إلى أن الولايات المتحدة دفعت بعد حرب الخليج ثمنا لم يكن ظاهرا في البداية. بقيت قوات أمريكية كبيرة في السعودية، وهي قضية استخدمها أسامة بن لادن لتعبئة أنصاره. ولم يكن وجود القوات الأمريكية السبب الوحيد في خطاب القاعدة. احتلت فلسطين والدعم الأمريكي لإسرائيل مكانا ثابتا في الدعاية الجهادية. ففي تفجيرات السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، التي قتلت 224 شخصا، تحدثت القاعدة عن الوجود الأمريكي في الجزيرة العربية ودعم إسرائيل. وبعد 11 سبتمبر عاد بن لادن إلى القضية الفلسطينية في رسالته إلى الأمريكيين.

حسب تصورات المؤلفين لا يعني ذلك أن دعم إسرائيل «سبب» هجمات 11 سبتمبر، ولا يدعي الفصل أن تفسير الإرهاب يمكن اختزاله في هذه المسألة. حجته أضيق: أصبحت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية جزءا من البيئة السياسية التي استخدمتها الحركات الجهادية في تجنيد الأنصار وإضفاء الشرعية على هجماتها.

جاء الرد الأمريكي على 11 سبتمبر ليغير العالم. ارتفع تأييد جورج بوش الابن من 51 إلى 86 في المئة بعد الهجمات. وتحول الرئيس قليل الخبرة بالسياسة الدولية إلى زعيم حرب، وسيطر على إدارته تيار رأى أن التفوق العسكري الأمريكي يسمح بإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

واجه داخل الإدارة تياران. مثّل كولن باول والمؤسسة العسكرية والاستخباراتية الاتجاه الأكثر حذرا. وعلى الجانب الآخر وقف ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وشبكة المحافظين الجدد الذين اعتقدوا أن الولايات المتحدة تستطيع إسقاط الأنظمة المعادية وبناء نظام إقليمي جديد بالقوة.

اقرأ أيضا: الصحة تحسم موقف الدواء المستورد.. متى تتحمل الدولة تكلفة العلاج؟

كانت إسرائيل جزءا مهما من رؤية عدد من هؤلاء قبل دخولهم الإدارة بسنوات.

في 1996 شارك ريتشارد بيرل ودوجلاس فيث وديفيد وورمسر وآخرون في إعداد وثيقة قدمت إلى نتنياهو بعنوان A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm. دعت الوثيقة إلى التخلي عن بعض افتراضات عملية السلام، ومواجهة خصوم إسرائيل إقليميا، ورأت تغيير النظام في العراق جزءا من إعادة ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل.
بعد 11 سبتمبر أصبح أصحاب بعض هذه الأفكار في قلب السلطة الأمريكية.

غزت الولايات المتحدة أفغانستان، ثم نقلت مركز الثقل بسرعة إلى العراق. وفي مارس 2003 بدأت الحرب التي ستصبح واحدة من أكثر المغامرات الأمريكية كلفة في التاريخ الحديث.

لا يقول الفصل إن إسرائيل أو اللوبي كانا السبب الوحيد في غزو العراق. كانت هناك عوامل أخرى ضخمة: صدمة 11 سبتمبر، طموحات تشيني ورامسفيلد، تصور الهيمنة الأمريكية، معلومات الاستخبارات حول أسلحة الدمار الشامل، والسياسة الحزبية الداخلية. لكن المؤلفين يصران على أن الدوائر المؤيدة لليمين الإسرائيلي كانت جزءا مهما من التحالف الفكري والسياسي الذي دفع في اتجاه الحرب، وأن إسقاط صدام حسين كان هدفا يخدم في الوقت نفسه أجندة المحافظين الجدد ومصالح الحكومة الإسرائيلية.

استفادت إسرائيل أيضا من اللغة الجديدة لـ«الحرب العالمية على الإرهاب». في ربيع 2002 أرسل أرييل شارون نحو 30 ألف جندي إلى مدن الضفة الغربية، بينها جنين وطولكرم وبيت لحم وقلقيلية، مستخدما الدبابات والمروحيات في عملية عسكرية واسعة. قتل أكثر من خمسين فلسطينيا في معركة جنين وحدها. وقدمت إسرائيل عملياتها بوصفها جزءا من الحرب الدولية نفسها التي تقودها واشنطن على الإرهاب.

يعيد المؤلفان هنا استدعاء استعارة قالها موشيه ديان لضباطه خلال أزمة السويس عام 1956: عندما يصعد راكب الدراجة طريقا مرتفعا وتمر بجانبه شاحنة، فعليه أن يمسك بها ويستفيد من حركتها حتى تتفرع الطرق. يرى الكتاب أن إسرائيل تعلمت عبر عقود كيف تربط أهدافها الإقليمية بالمشروعات الكبرى للقوة الغربية، سواء كانت حملة بريطانيا وفرنسا ضد عبد الناصر في 1956 أو «الحرب على الإرهاب» الأمريكية بعد 2001.

لكن المشروع الأمريكي نفسه انهار في العراق

اختفى حلم «Pax Americana» التي يدير فيها التفوق العسكري الأمريكي نظاما عالميا أحادي القطبية. وتراجعت مكانة المحافظين الجدد. وتحول الحزب الجمهوري الذي قاد التدخل العسكري العالمي إلى حزب يحتوي لاحقا على تيار واسع يعارض «الحروب الأبدية» والمساعدات الخارجية والتزامات أمريكا الدولية.

بقي عنصر واحد من التحالف القديم أكثر قدرة على الصمود: الدعم السياسي القوي لإسرائيل.

يصل الفصل إلى النقطة التي يريد المؤلفان استخدامها للانتقال إلى بقية الكتاب. كانت الولايات المتحدة تستطيع في خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين أن تتحمل قدرا من الاختلال في سياستها الشرق أوسطية لأنها كانت أقوى نسبيا من معظم العالم، ولأن خطر الاتحاد السوفيتي كان يفرض سقفا على المغامرة. أما عالم القرن الحادي والعشرين فأقل تسامحا بكثير.

تواجه واشنطن اليوم نظاما متعدد القوى، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى المنافسة العسكرية، وتحديات في أوروبا وآسيا، وحاجة إلى توزيع مواردها العسكرية والدبلوماسية على مسارح متعددة. وفي مثل هذا العالم تصبح كل حرب جديدة في الشرق الأوسط أكثر كلفة من مجرد فاتورة الأسلحة. تستهلك اهتمام الرئاسة، والقدرات العسكرية، والمخزون الدفاعي، والعلاقات مع الحلفاء، والمصداقية الدولية.
تكمن المفارقة الأساسية، كما يقدمها الفصل، في أن القوة التي اكتسبها لوبي إسرائيل خلال الحقبة الأمريكية الأكثر هيمنة أصبحت تعمل الآن في بيئة أصبحت فيها الولايات المتحدة أقل قدرة على تحمل سياسات غير منضبطة.

تلك هي الفكرة المركزية التي تميز الفصل الثاني عن الأول. لم يعد السؤال: هل اللوبي قوي؟ يفترض المؤلفان أن هذا حسم بالفعل.
السؤال الجديد هو: كم تدفع الولايات المتحدة مقابل هذه القوة؟

ويأتي الجواب من قراءة ثلاثة أرباع قرن من التاريخ الأمريكي: دفع ترومان قرارا خالف معظم جهازه الاستراتيجي؛ تراجع فورد عن خطة تسوية شاملة بعدما وقع 76 سيناتورا رسالة مضادة؛ تخلى كارتر عن مشروع جنيف تحت ضغط سياسي شديد؛ احتاج بوش الأب إلى مواجهة نحو ألف ناشط على الكابيتول هيل حين حاول تقييد ضمانات القروض؛ اضطرت واشنطن إلى حماية إسرائيل ومنعها من دخول حرب الخليج حتى لا ينهار تحالفها العربي؛ ثم دخلت الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر مرحلة توسع عسكري انتهت بحرب العراق، بينما استفادت الحكومات الإسرائيلية من دمج خصومها في مفهوم أمريكي واسع لـ«الحرب على الإرهاب».

لا تعني هذه الوقائع أن كل قرار أمريكي في الشرق الأوسط صنعه اللوبي، ولا أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية لا تتقاطع. بل تكمن حجة الفصل في الفجوة بين التقاطع والتطابق. عندما تتقاطع المصالح، لا توجد مشكلة استراتيجية كبيرة. يبدأ الخطر عندما تفترض واشنطن أن ما تراه الحكومة الإسرائيلية مصلحة إسرائيلية هو تلقائيا مصلحة أمريكية، ثم تصبح الكلفة السياسية لمراجعة هذا الافتراض أعلى من كلفة استمرار السياسة نفسها.

الفصل الثاني، بهذا المنطلق، أكثر تشاؤما من الأول. فقد كان جورج واشنطن يحذر من «التعلق» بدولة أجنبية. وبعد قرنين، يرى كليفتون ولوستيك أن المشكلة تجاوزت التعلق العاطفي إلى بنية مؤسسية راسخة. والأخطر أن هذه البنية تعمل في عالم أصبحت فيه مساحة الخطأ أضيق، وأصبحت الولايات المتحدة تواجه منافسين كبارا في أكثر من مسرح في الوقت نفسه.

في الحرب الباردة، كان خطر الاتحاد السوفيتي يضع حدا في النهاية لما تستطيع واشنطن تقديمه لإسرائيل. بعد انهيار هذا القيد، اتسعت حرية الحركة الأمريكية والإسرائيلية معا. واستخدمت الولايات المتحدة قواتها في الخارج 263 مرة خلال 32 عاما بين 1991 و2023، مقابل 49 مرة خلال 44 عاما من الحرب الباردة وفقا للأرقام التي يستند إليها الفصل.

لم ينتج هذا الانفلات نظاما أمريكيا أكثر استقرارا. أنتج أفغانستان والعراق وسلسلة من التدخلات التي استنزفت جزءا كبيرا من التفوق الذي جعلها ممكنة في الأصل.

في الخاتمة، يقول الفصل أنه كلما أصبح العالم أكثر فوضى وتعددية، أصبحت قدرة الولايات المتحدة على التمييز بين مصالحها ومصالح حليفها أكثر أهمية، لا أقل. وإذا كانت السياسة الداخلية تجعل هذا التمييز صعبا في حالة إسرائيل، فإن العلاقة التي أمكن لواشنطن تحمل تكلفتها عندما كانت القوة المهيمنة بلا منافس قد تتحول، في عالم أكثر تنافسا، إلى أحد مصادر ضعفها الاستراتيجي.

اقرأ أيضا: بوسي: غادة عبد الرازق نجمة في التمثيل.. وحماقي فرفوش بطبعه

‫0 تعليق