
في أعماق الشمس، حيث لا تستطيع العين البشرية الوصول، تبدأ إشارات صغيرة قبل أن يظهر النشاط على سطح النجم هذه المرة، نجح الذكاء الاصطناعي في التقاط تلك الإشارات مبكرا، في اكتشاف علمي قد يغير مستقبل التنبؤ بالطقس الفضائي.
اقرأ أيضا: «أزهرية كفر الشيخ» تستعد لامتحانات الدور الثاني للشهادة الثانوية بغرفة عمليات
تخيل أن الشمس تستعد لإطلاق نشاط جديد، لكن سطحها لا يزال يبدو هادئا لا بقع شمسية واضحة، ولا انفجارات ضخمة، ولا مشهد ينذر بما سيحدث.
لكن في الداخل، تكون العملية قد بدأت بالفعل تغيرات دقيقة تتحرك في المجالات المغناطيسية، واهتزازات صوتية خافتة تحمل آثارا لنشاط يتشكل في الأعماق، قبل أن يظهر على سطح الشمس بوقت طويل.
الذكاء الاصطناعي يدخل على الخط
ففي دراسة حديثة، تمكن نموذج يحمل اسم EarlyDetect من رصد إشارات مرتبطة بمناطق شمسية نشطة قبل ظهورها على سطح الشمس بمتوسط بلغ 9.24 ساعات، في نتيجة قد تمهد الطريق أمام أنظمة أكثر تطورًا للإنذار المبكر بمخاطر الطقس الفضائي.
إشارة صغيرة تختبئ داخل «ضوضاء» الشمس
لم تتشكل الفكرة من مراقبة البقع الشمسية بعد ظهورها، بل من محاولة اكتشاف ما يحدث قبل ذلك.
فالمناطق الشمسية النشطة لا تظهر فجأة على سطح النجم، وإنما تبدأ في طبقات أعمق، عندما تصعد هياكل مغناطيسية تدريجيًا نحو السطح.
وخلال هذه الرحلة، تترك تلك الهياكل آثارًا بالغة الدقة في البيئة الشمسية المشكلة أن الشمس ليست مكانا هادئا؛ فهي في حالة حركة واضطراب مستمرين، ما يجعل الإشارات المبكرة ضعيفة للغاية مقارنة بالنشاط الطبيعي المحيط بها.
وكان التحدي أمام العلماء أشبه بمحاولة سماع نغمة واحدة وسط أوركسترا ضخمة تعزف بأعلى صوت.
من أين حصل الذكاء الاصطناعي على المعلومات؟
اعتمد الباحثون من معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا على بيانات جمعها مرصد ديناميكيات الشمس التابع لوكالة ناسا (SDO).
وشملت البيانات قياسات للمجالات المغناطيسية، إلى جانب معلومات مرتبطة بالموجات الصوتية الناتجة عن اهتزازات الشمس.
ثم جرى تدريب نموذج EarlyDetect على تحليل هذه البيانات والبحث عن أنماط صغيرة ومتكررة يمكن أن تشير إلى بداية تشكل مناطق نشطة قبل أن تصبح مرئية بوضوح.
وهنا ظهر الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي ليس في «رؤية» ما لا يراه البشر فحسب، وإنما في البحث داخل كميات هائلة من البيانات عن علاقات دقيقة قد يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.
المفاجأة التي قلبت التجربة
لكن أثناء تطوير النموذج، واجه الباحثون مفاجأة غير متوقعة في البداية، لجأ الفريق إلى تقنية لمعالجة البيانات تهدف إلى التخلص من الضوضاء وتحسين جودة المعلومات التي يتعامل معها النموذج.
المنطق كان بسيطًا إذا تخلصنا من التشويش، سيصبح اكتشاف الإشارة المهمة أسهل لكن ما حدث كان العكس تمامًا فعندما جرى «تنظيف» البيانات، اختفت معها بعض التغيرات الدقيقة التي كان النموذج يحتاج إليها للتنبؤ.
وبعبارة أخرى، ما اعتبره الباحثون في البداية مجرد ضوضاء، اتضح أنه قد يحمل معلومات مهمة عن النشاط الشمسي القادم.
الضوضاء هي الرسالة
كشفت التجربة عن درس مهم يتجاوز هذه الدراسة وحدها ليس كل ما يبدو تشويشًا في البيانات عديم الفائدة ففي بعض أنظمة التنبؤ المعقدة، قد تختبئ المعلومات المهمة داخل تغيرات تبدو عشوائية أو غير ضرورية.
وبالنسبة للشمس، يبدو أن بعض تلك التفاصيل الصغيرة التي كان يمكن حذفها أثناء معالجة البيانات تحمل بالفعل آثارًا مبكرة للنشاط الذي سيظهر لاحقًا على السطح.
وهنا ساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين على التعامل مع البيانات بطريقة مختلفة، بدل افتراض أن كل التغيرات غير الواضحة يجب التخلص منها.
9.24 ساعات إضافية لكن ليست عاصفة شمسية
بعد تدريب النموذج واختباره على مناطق شمسية لم تكن ضمن بيانات التدريب، تمكنت النسخة الأفضل أداءً من رصد المؤشرات السابقة لظهور المناطق النشطة بمتوسط 9.24 ساعات.
لكن الرقم المثير لا يعني أن العلماء باتوا قادرين على معرفة موعد العاصفة الشمسية المقبلة بدقة.
فهناك فارق جوهري بين رصد منطقة شمسية نشطة وبين التنبؤ بانفجار شمسي أو عاصفة شمسية.
اقرأ أيضا: أماكن محدودة في 3 كليات بجامعة المنصورة الجديدة لطلاب الثانوية العامة 2026.. اعرف طريقة التقديم
ليست كل منطقة نشطة ستتحول إلى مصدر لتوهج شمسي قوي أو قذف كتلي إكليلي، ولذلك فإن النموذج يتنبأ بمرحلة مبكرة من النشاط، وليس بالعواصف الشمسية الخطيرة بصورة مباشرة.
الذكاء الاصطناعي ليس «منجمًا» للعواصف الشمسية
حرص الباحثون على التأكيد على أن EarlyDetect لا يزال نموذجًا بحثيًا، وليس نظام إنذار تشغيليًا يمكن الاعتماد عليه في جميع الظروف.
فالنظام قد يصدر إنذارات خاطئة، كما يمكن أن يفشل أحيانًا في اكتشاف بعض الأحداث قبل وقوعها ولهذا، فإن النتيجة الأهم في الدراسة ليست أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على التنبؤ بالعواصف الشمسية، وإنما أنه استطاع اكتشاف إشارات مبكرة لنشاط شمسي قادم قبل ظهوره على السطح بساعات.
لماذا تهمنا الشمس إلى هذا الحد؟
قد يبدو النشاط الشمسي بعيدًا عن الحياة اليومية على الأرض، لكن العواصف الشمسية القوية يمكن أن تؤثر في مجموعة واسعة من الأنظمة التي يعتمد عليها العالم الحديث.
الأقمار الصناعية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الملاحة، والبنية التحتية للطاقة، كلها قد تتأثر بدرجات مختلفة بالنشاط الشمسي الشديد.
ومن هنا، فإن الحصول على ساعات إضافية من التحذير قد يكون ذا قيمة كبيرة في المستقبل فإذا أمكن دمج رصد المناطق الشمسية النشطة مع نماذج أخرى قادرة على التنبؤ بالتوهجات الشمسية والانبعاثات القوية، فقد يصبح لدى العلماء وقت أطول للاستعداد قبل وصول آثار بعض الأحداث إلى الأرض.
بداية طريق أطول نحو التنبؤ بالطقس الفضائي
النتيجة التي توصل إليها الباحثون لا تعني أننا دخلنا عصر التنبؤ الدقيق بالعواصف الشمسية، لكنها تفتح نافذة جديدة على ما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي عندما يتعامل مع ظواهر طبيعية معقدة.
فبدل انتظار ظهور البقعة الشمسية على السطح، بدأ العلماء يبحثون عن آثارها وهي لا تزال تتشكل في الأعماق.
وقد تكون تلك الساعات التسع مجرد بداية فإذا تمكنت الأبحاث المستقبلية من تحسين دقة النموذج، وتقليل الإنذارات الخاطئة، وربط اكتشاف المناطق النشطة بالتنبؤ بالتوهجات والقذف الكتلي الإكليلي، فقد تتحول هذه الساعات الإضافية إلى عنصر مهم في منظومة عالمية للإنذار المبكر بالطقس الفضائي.
اقرأ أيضا: إقبال على عضوية الأهلي بالمنصورة الجديدة.. والنادي يدرس إغلاق المرحلة الأولى
