قبل بدء تحرير المقال الأسبوعي أمضي يومين أو أكثر في متابعة أخبار المشهد العالمي، الأحداث التي تتصدر عناوين الصحف والأخبار والتقارير المتعلقة بالتغييرات الهيكلية والإستراتيجية. وفي أغلب الأخبار نجد الرئيس ترامب متصدرا المشهد.
يعود هذا وفقا لبعض المحللين إلى أن الرئيس يعشق الدراما والأزمات والصدام الذي يشبه مباريات المصارعة الحرة، ولا يحب العمل السياسي العادي، دراسات متأنية ورسم سياسة وتطبيقها لتأتي بثمارها تدريجيا، تأسيس لآليات وأطر تسمح بعمل يومي هادئ بعيدا عن الصخب الإعلامي.
ويرى أغلب المراقبين أنه لا يحب الاستماع إلى الرأي الآخر، لا سيما إن جاء ممن يعتبرهم “موظفين” أي أناس تخصصهم قتل الأفكار الجديدة والتمسك بمقولات بيروقراطية تخالف الفطرة وتفضل السلامة، أو من “أكاديميين وجامعيين” أي من فرق محسوبة في تصوراته على الوسط واليسار وأقصى اليسار.
أظن أن جموعا كبيرة من المواطنين الأمريكيين يشاركون الرئيس في شكوكه تجاه هذه الفئات، التي تعيش – وفقا للتصور الجماعي- في أبراج عاجية بعيدا عن المواطنين وأسرهم والاحتياجات اليومية العملية، وتتكلم كلاما لا يفهمه أحد، وفي المقابل الرئيس رجل أعمال وتحديدا مقاول، أي أن عمله يقتضي – في خيال الناس – الاحتكاك بالمواطنين وفهم “السوق” وكيف تعمل وما هو المطلوب لإيجاد بيئة تسمح للجميع بالتربح، كما أن عمله ـ في خيال الناس أيضا- يتطلب مهارات مؤكدة في فنون التفاوض، وعدم أسر الذات في قوالب أيديولوجية، وإعطاء الأولوية المطلقة لإيجاد الحلول.
يمكن طبعا لأكاديمي أو لموظف أو كادر بيان مخاطر الاستغناء عنه هو وعن رصيده المعرفي، لا سيما إن كان المقاولون ورجال الأعمال الذين يحلون محله من الجهلاء الذين لا يعلمون أي شيء عن التاريخ والجغرافيا، ويمكن ذكر مثال لتأكيد هذا، وهو أداء السادة ويتكوف وكوشنر في المفاوضات مع الروس لإيجاد حل يوقف الحرب على أوكرانيا، واقتراحهم المجنون بقيام أوكرانيا بتسليم الدونباس لروسيا، التي تحاول الاستيلاء عليه منذ 2014 دون أي نجاح. كان واضحا أن ويتكوف لم يكن يعرف أسماء المحافظات والأقاليم التي تريد روسيا ضمها بالقوة، ولم يكن يدرك الأهمية الإستراتيجية للمواقع التي يريدون تسليمها لنظام موسكو.
هل من الممكن إيجاد صلة ما بين الخلفية المهنية للرئيس وسياساته؟ أتصور هذا، يبدو لي أن الرئيس يركز أساسا على بضعة أرقام… حجم الإنفاق العسكري وعجز الميزان التجاري مع عدد من الدول، وماذا يرى؟ يرى دولا غنية تحقق فائضا كبيرا في تجارتها مع الولايات المتحدة، أي تصدر لها أكثر مما تستورد، وهي أيضا دول تعتمد اعتمادا كبيرا على الحماية الأمريكية ولا تنفق إلا أقل القليل للدفاع عن نفسها، باختصار يرى أن هذه الدول طفيليات تعتمد على غباء أسلافه لتعظيم مكاسبها، وأن الحل يفرض نفسه، إجبار هذه الدول على زيادة إنفاقها الدفاعي، وعلى دفع إتاوة لضمان استمرار الحماية الأمريكية، وفرض رسوم جمركية على صادرات هذه الدول لإعادة نوع من التوازن.
أظن أن هذا الشرح –وهو للدكتور ويس ميتشل- لمنطق الرئيس وجيه، ولكن هذا المنطق ما زال قابلا للنقد في حد ذاته، وإضافة إلى هذا يبقى أن الرئيس يتهور ويتخذ قرارات هوجاء لا يبررها منطقه هذا. من المؤكد أن تقصير دول مثل ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة وفرنسا في ملفات الأمن والدفاع كان مريعا ويتطلب وقفة حازمة. ولكن الرئيس يخطئ إن تصور أن القواعد الأمريكية في أوروبا ومنطقة المحيطين لا تخدم إلا أمن دول غنية طفيلية، هذه القواعد ضرورة لأمن الولايات المتحدة ومصالحها ولقدرتها على بسط نفوذها وعلى إرسال قوات في أي منطقة من مناطق العالم. ويخطئ الرئيس بالإكثار من التصريحات والأفعال التي تنم عن عدم فهمه لأمر بسيط.. في مواجهة الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران واشنطن في حاجة إلى حلفاء أقوياء اقتصاديا وليس فقط عسكريا.
اقرأ أيضا: الواقعة من أبريل.. ملابسات فيديو اقتحام شخص منزل سيدة وتهديدها بالغربية – الأسبوع
* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية
