بين المزارع وقصرة…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

 د. ميخائيل ميلشتاين  16/8/2026

اقرأ أيضا: الكراتيه.. سجل حافل بالإنجازات الآسيوية للشباب والناشئين وتحت …

لا شيء يُثير الدهشة تقريبا في الأحداث الصعبة التي استمرت نحو أسبوع في قرية قصرة في السامرة: لا العنف الوحشي للمستوطنين ضد الفلسطينيين، ولا عجز قوات الأمن، ومشاركة الجنود في “حصار” منازل القرية، ولا الصمت المريب من صناع القرار، ولا حتى الإدانة الأميركية القاسية التي تُظهر أن إسرائيل تُرسّخ تدريجيا صورة دولة مضطربة.اضافة اعلان
المفاجأة الوحيدة هي دهشة، بل وتمرد، الكثيرين في معسكر اليمين، وخاصة أولئك الذين يروّجون لتوسيع الاستيطان في المناطق، إزاء ما يُوصف بأنه أعمال شائنة تضر بالمشروع برمته. إنه لأمر غريب أن يحاول المرء الجمع بين الطرفين: فمن جهة، يدعم إنشاء المزارع، التي لا يستند معظمها إلى أي أساس قانوني، ويصاحب وجودها احتكاكات عنيفة مع الفلسطينيين، ويدعو في الوقت نفسه إلى تطبيق السيادة في المناطق، ويدعم “ثورة سموتريتش” الرامية إلى إقامة دولة واحدة، من دون أي نقاش حقيقي حول مصير ثلاثة ملايين فلسطيني في المناطق؛ ومن جهة أخرى، يُبدي دهشته من تحركات أخرى تُوصف بأنها غير قانونية وغير أخلاقية. لا بد من مواجهة الحقائق: إن أحداث قصرة ليست “حادثا تاريخيا عابرا”، بل هي تطور مرتبط ارتباطا وثيقا بـ”الثورة” في المناطق وتداعياتها.
إن الأحداث التي شهدتها قصرة، كتلك التي وقعت في قرية تل، والتي بدأت بـ”رحلة” وانتهت بمقتل مستوطن وضابط في الجيش الإسرائيلي، تُظهر للرأي العام تشكّل كيان “خارج عن القانون” ذي قوانين وقيم فريدة، حيث لا يقتصر ما يحدث هناك على “جبال الظلام”، بل يؤثر على البلاد بأسرها. لقد آن الأوان لتوضيح الأمور: ما يجري في يهودا والسامرة تحت غطاء عاصفة سياسية غير مسبوقة هو مشروع قطاعي قائم على الإيمان والأيديولوجيا، فُرض على عامة الشعب، الذين لا يفهم معظمهم أو لا يعلمون ما يجري في المناطق، ولا يزورون المنطقة، ولا يتبنون رؤية “الثورة”، ويشكّون في رغبتهم في العيش في بلد تشمل “أهدافه الاستراتيجية” في القرن الحادي والعشرين تشجيع بناء الهيكل وتطبيق الشريعة.
يعود تعقيد الوضع إلى حد كبير إلى أن معظم الناس ما زالوا يعانون من صدمة أحداث السابع من أكتوبر. فقد رسّخت المجزرة المروعة التي ارتُكبت بحق الإسرائيليين في الوعي الجمعي نفورا من رؤية العرب وسماع اللغة العربية، وانعدام ثقة تاما بالعرب، بما في ذلك الأحزاب العربية في إسرائيل، وتطبيع مصطلحات مثل “الترحيل” (“الهجرة الطوعية”) و”لا يوجد محايدون”، وإيمانا بضرورة الاعتماد على الذات فقط (“إسبرطة الجديدة”)، ودعما لاستمرار استخدام القوة، وبالطبع رفضا للتسوية السياسية، لا سيما مع الفلسطينيين. إن العيش في ظل هذه الصدمة المستمرة دون معالجة، والمتجسدة في تحقيق رسمي، يحول دون فهم شامل للواقع. وبالتالي، لا يتعمق الإسرائيليون في التفكير في المعنى المستمد من النهج “الواعي”، ويجدون صعوبة بالغة في تخيل شكل دولة واحدة يعيش فيها شعبان متعاديان جنبا إلى جنب من دون فواصل، وهو ما يضمن واقعا بلقانيا.
لقد حدد دعاة “الثورة” نقطة الضعف ويسعون إلى استغلالها، مقدمين أنفسهم كحل واعٍ لما فعله عماليق بنا، بينما يصورون رؤيتهم القطاعية كمشروع وطني يُسهم في مصلحتنا جميعا ويحظى بتوافق جماعي. كل ذلك مع إخفاء الأساس الديني الذي تقوم عليه “الثورة” من خلال تبريرات تبدو استراتيجية ويسهل على العامة استيعابها: فالمزارع تجسد دروس أحداث 7 أكتوبر، وهو فشل وقع في ظل حكومة ينتمي إليها دعاة “الثورة”؛ والاستيلاء على المزيد من الأراضي يُمكّن من تحقيق الأمن والنصر والردع؛ وبالطبع، يُعد الاستيطان في كل مكان مكسبا وطنيا ورادعا للإرهاب. الرؤية مشروعة بلا شك، لكنها تتطلب توضيحا بأن دوافعها دينية في جوهرها، وشرحا للعواقب الوخيمة لتطبيقها على الطابع الديمقراطي لإسرائيل وشرعيتها الدولية.
في هذا السياق، من المهم الإشارة إلى تزايد نفاد صبر ترامب تجاه إسرائيل. أُعجب بأدائها العملياتي، لكنه اكتشف تدريجيا أنها خارجة عن التوازن الاستراتيجي، وتروّج لأوهام تُورّط واشنطن في مشكلات، خاصة مع إيران، وفوق كل ذلك، مُدمنة على استخدام القوة ومتعطشة إلى الأراضي. ونتيجة لذلك، يلجأ ترامب إلى الضغط الخارجي وفرض العقوبات، كما تجسّد ذلك في لبنان وغزة، وقد يؤدي ذلك إلى استنتاج، بروح التدويل، مفاده أن من الأفضل للأميركيين فرض النظام في المناطق. وهكذا، في قصرة، تجلّى مرة أخرى فشل فكرة أن ترامب دائما معنا وأننا نحن من نتخذ القرارات.
*رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب

‫0 تعليق