بعد قصف موسكو بالمسيّرات.. هل دخلت الحرب الأوكرانية مرحلة كسر العظم؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تعد روسيا وأوكرانيا تخوضان حربا هدفها الوحيد تغيير خطوط التماس، بل يتسع الصراع تدريجيا إلى العمق الاقتصادي والعسكري والنفسي لكل طرف، في محاولة لإضعاف قدرة الآخر على مواصلة القتال. ومع تصاعد ضربات المسيّرات والصواريخ، تبدو الحرب أقرب إلى اختبار طويل للأعصاب والموارد منه إلى معركة تنتظر لحظة حسم.

وتكشف موجة التصعيد الأخيرة، التي طالت منشآت وبنية تحتية في البلدين، عن تحول في طبيعة الاشتباك نفسه؛ فأوكرانيا توسع نطاق استهدافها للداخل الروسي، بينما ترد موسكو بضربات أشد على الموانئ والبنية التحتية الأوكرانية، بما يجعل العمق الاقتصادي جزءا متزايدا من ميدان الحرب.

وفي حلقة برنامج “ما وراء الخبر”، برز هذا التحول باعتباره محاولة أوكرانية للتعامل مع معادلة عسكرية لا تبدو مواتية لها في المواجهة التقليدية، فأستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف الدكتور حسني عبيدي يرى أن كييف أدركت صعوبة استعادة الأراضي المحتلة بالقوة، ولذلك أعادت توجيه ثقلها نحو إيلام روسيا داخل عمقها.

ولا يتعلق الأمر، وفق هذه الرؤية، بإحداث خسائر رمزية في الجانب الروسي بقدر ما يتعلق بضرب ما يسميه عبيدي “اقتصاد الحرب”؛ أي المنشآت النفطية والغازية والموانئ ومرافق أخرى يمكن أن يؤثر تعطيلها في قدرة موسكو على تمويل عملياتها وإدارة الحرب على المدى المتوسط والبعيد.

ومن هنا يصبح توسيع نطاق الضربات وسيلة لتعويض فارق القوة على الأرض، فأوكرانيا التي تواجه جيشا أكبر وقدرة روسية أعلى على التعبئة والاستمرار، تبحث عن ساحة تستطيع فيها استخدام ميزتها النسبية في تصنيع المسيّرات والاستفادة من الخبرات الغربية، بدلا من استنزاف ما تبقى من قدراتها في معارك برية طويلة.

لكن الرهان الأوكراني لا يقتصر على الحساب العسكري المباشر، إذ يحمل الوصول إلى العمق الروسي رسالة سياسية أيضا، فإظهار هشاشة المجال الداخلي لموسكو يهدف، بحسب عبيدي، إلى وقف التقدم الروسي من جهة، وإقناع الولايات المتحدة والدول الغربية بأن استمرار دعم كييف لا يزال ضروريا من جهة أخرى.

ويحمل هذا المسار بعدا نفسيا لا يقل أهمية عن أثره المادي؛ فعندما تصبح موسكو ومدن روسية أخرى عرضة للمسيّرات، لا يعود المواطن الروسي بعيدا عن كلفة الحرب كما كان في مراحلها الأولى، وفي الحساب الأوكراني، يمكن لهذا الضغط الداخلي أن يراكم كلفة سياسية تدفع موسكو إلى إعادة النظر في استمرار التصعيد.

استنزاف بلا حسم

غير أن المشكلة الأساسية في هذه الإستراتيجية أنها لا تغير وحدها ميزان السيطرة على الأرض، فحتى مع اتساع قدرة أوكرانيا على ضرب العمق الروسي، لا تزال استعادة الأراضي والاحتفاظ بها مهمة شديدة الكلفة، وهو ما يجعل الضربات البعيدة بديلا عن الحسم الميداني أكثر منها طريقا مباشرا إليه.

وتأتي موسكو إلى هذه المعادلة من موقع مختلف، فهي لا ترى أن انتقال أوكرانيا إلى العمق الروسي يستوجب تغيير أهدافها الأساسية، بل تتعامل معه بوصفه تطورا في قواعد الاشتباك يستدعي رفع مستوى الرد، ومن هذا المنطلق، تبدو الضربات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية جزءا من معركة استنزاف مقابلة.

ويضع المدير العام للمجلس الروسي للشؤون الدولية الدكتور إيفان تيموفيف هذا التحول في إطار زيادة كبيرة في شدة الضربات الروسية، فموسكو، بحسب قراءته، لم تعد تركز بالدرجة نفسها على الأهداف العسكرية المباشرة، وإنما تتجه بصورة أكبر إلى إحداث ضرر إستراتيجي في البنية التحتية، ردا على الإستراتيجية الأوكرانية الجديدة.

وهنا تتشكل أخطر حلقات الحرب الحالية: كلما اتسعت قدرة كييف على ضرب العمق الروسي، وجدت موسكو مبررا لتوسيع نطاق ردها داخل أوكرانيا، وكلما ازدادت الضربات الروسية، ازدادت حاجة كييف إلى تطوير وسائل هجومية أرخص وأكثر قدرة على الوصول إلى الداخل الروسي.

وبذلك تتحول الحرب تدريجيا إلى معادلة استنزاف متبادلة، لا يستطيع فيها أي طرف إيقاع الضربة القاضية، لكنه يستطيع رفع كلفة الحرب على خصمه، وهذه المعادلة تفسر، في جانب منها، لماذا لم يؤد التصعيد الجوي المتزايد إلى تغيير حاسم في الخريطة العسكرية، رغم الأضرار التي يخلفها في الجانبين.

ولا يعني ذلك أن الإستراتيجية الأوكرانية بلا نتائج، فالدبلوماسي الأوكراني السابق فلوديمير شوماكوف يضع المسيّرات في قلب محاولة بلاده بناء قدرة ردع تتجاوز مشكلة النقص في الدفاعات الجوية، معتبرا أن التكنولوجيا تتيح لكييف تعويض جانب من الفارق الهائل في القدرات التقليدية بين الجيشين.

اقرأ أيضا: الأخضر تحت 20 يواجه فلسطين وديًا في الدوحة ضمن معسكر قطر الإعدادي

لكن الرهان على التكنولوجيا يصطدم بدوره بحدود واضحة، فأوكرانيا لا تزال بحاجة إلى منظومات دفاع جوي غربية لحماية مدنها ومنشآتها، بينما لا يبدو إنتاج بدائل محلية لمنظومات متقدمة مثل باتريوت حلا قريبا، وفق ما عرضه النقاش، وهكذا تجد كييف نفسها مضطرة إلى الهجوم والدفاع في الوقت نفسه، وبموارد محدودة.

حرب تُراهن على الوقت

في المقابل، تراهن موسكو على عامل مختلف وهو القدرة على الاحتمال، فالتقدم الروسي البطيء على الأرض لا يعني، في قراءة تيموفيف، أن القيادة الروسية تقترب من التخلي عن أهدافها، لأن الحرب تُنظر إليها باعتبارها قضية أساسية ووجودية، بما يبرر استمرار تخصيص الموارد لها رغم كلفتها الاقتصادية والعسكرية.

وهذا الفارق في الحسابات يفسر لماذا تبدو الحرب عالقة في منطقة وسطى؛ فأوكرانيا لا تستطيع بسهولة استعادة الأراضي التي خسرتها، لكنها تستطيع إزعاج العمق الروسي وإبطاء قدرة موسكو على التقدم، بينما تستطيع روسيا مواصلة الضغط البري والجوي، لكنها لم تتمكن رغم سنوات الحرب من فرض حسم نهائي.

ومع تراجع احتمالات الحسم العسكري السريع، يصبح العامل الزمني أكثر أهمية، فكل طرف يحاول تحويل الوقت إلى سلاح؛ كييف تراهن على تراكم الأضرار في العمق الروسي وعلى استمرار الدعم الغربي، وموسكو تراهن على تفوقها في الموارد والقدرة على التعبئة وعلى إنهاك الخصم وحلفائه.

غير أن إطالة الحرب لا تعني بالضرورة اقتراب التسوية. فجهود الوساطة، بحسب أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف حسني عبيدي، ما تزال متعثرة، بينما تبدو فرضية الاختراق الدبلوماسي ضعيفة في ظل استمرار التصعيد العسكري وتباعد الحسابات الروسية والأوكرانية.

ويزيد المشهد تعقيدا أن اتساع نطاق المسيّرات والضربات يرفع احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى المجال الأوروبي الأوسع. وقد أشار النقاش إلى وقائع مرتبطة باختراق مسيّرات أجواء دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وهو تطور يضيف إلى الحرب بعدا أمنيا يتجاوز حدود روسيا وأوكرانيا.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: من يربح المعركة؟ بل من يستطيع تحملها أكثر؟ فالتصعيد الحالي لا يقدم مؤشرات على انتصار وشيك لأي طرف، لكنه يكشف انتقالا إلى مرحلة يحاول فيها كل جانب ضرب قدرة الآخر على الاستمرار، أملا في أن يتحول الاستنزاف في النهاية إلى ورقة تفاوض.

ولعل أخطر ما تكشفه هذه المرحلة أن سقف الحرب لم يعد تحدده خطوط الجبهة وحدها، بل قدرة كل طرف على تحويل العمق الاقتصادي والتكنولوجي إلى ساحة ضغط، ومع غياب اختراق سياسي يوقف هذا المسار، قد تصبح الحرب الطويلة هي النتيجة بحد ذاتها، لا مجرد طريق إلى تسوية مؤجلة.

اقرأ أيضا: حاج موسى يوقع أول تمريرة حاسمة له في الدوري الهولندي

‫0 تعليق