بعد عام من قمة ألاسكا.. ماذا بقي من “انتصار” بوتين؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

قبل عام، بدا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكأنه يمسك بأوراق القوة كلها. فقد نجح، بعد سنوات من الحرب في أوكرانيا والعزلة السياسية عن واشنطن، في الجلوس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في قمة ألاسكا، في مشهد حمل بالنسبة إلى موسكو قيمة سياسية ورمزية كبيرة. لكنْ بعد مرور عام، تبدو الصورة أكثر تعقيدا؛ فبوتين لم يخسر الحرب، لكنه لم يتمكن أيضا من تحويل تلك اللحظة إلى انتصار حاسم.

وتشير مجلة نيوزويك الأميركية، في تحليل لتوم أوكونور نائب محرر قسم الأمن القومي والسياسة الخارجية في المجلة، إلى أن قمة ألاسكا بدت في حينها انتصارا واضحا للكرملين. فقد حصل بوتين على لقاء مباشر مع رئيس أمريكي -كان متشككا في جبهة الغرب الموحدة لدعم أوكرانيا- كما وجد في ترمب شريكا أكثر استعدادا لإعادة النظر في العلاقات مع أوروبا وكييف.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

وقال جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في إدارة ترمب، عقب القمة: إن بوتين خرج منها منتصرا بوضوح، وحقق معظم ما كان يريده من دون تقديم التزامات ملموسة.

FILE - National security adviser John Bolton talks to reporters about Venezuela, outside the White House, May 1, 2019, in Washington. (AP Photo/Evan Vucci File)
بولتون بعد عام من قوله إن بوتين خرج من قمة ألاسكا منتصرا، أصبح أكثر تحفظا في وصف النتيجة (أسوشيتد برس)

نصر وتحفظ

لكن بولتون نفسه، بعد عام، أصبح أكثر تحفظا في وصف النتيجة. فهو يرى أن القمة كانت مهمة لروسيا، لكنها لم تجعل بوتين منتصرا، بل منحته فرصة لمواصلة المعركة السياسية مع ترمب. والأهم أن التطورات اللاحقة في ساحة القتال أضعفت الاعتقاد بأن الانتصار الروسي أصبح أمرا محتوما.

ويوضح أوكونور أن بوتين استغل قمة ألاسكا لإعادة روسيا إلى قلب الدبلوماسية الدولية، ولإعادة تشكيل علاقته بترمب. وكان ذلك مهمًا في ظل تدهور علاقة الرئيس الأمريكي بالحلفاء الأوروبيين، وظهور خطاب أمريكي أكثر تشكيكا في قيمة الالتزامات التقليدية تجاه أوروبا وأوكرانيا. ومن وجهة نظر روسية، كان مجرد استئناف الحوار مع واشنطن بعد سنوات من القطيعة إنجازا في حد ذاته.

ونقل الكاتب عن الباحث كير غايلز من تشاتام هاوس أن موسكو اعتبرت القمة مؤشرا إلى تصور مشترك لطريقة إدارة العالم، يقوم على تقليص الوجود الأمريكي العالمي والتركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية، بما يترك لروسيا مساحة أوسع للتحرك في أوروبا ومحيطها. وكان هذا التصور يتوافق مع فكرة روسية قديمة تقوم على تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ.

President Donald Trump greets Ukraine's President Volodymyr Zelenskyy at his Mar-a-Lago club, Sunday, Dec. 28, 2025, in Palm Beach, Fla. (AP Photo/Alex Brandon)
ترمب (يمين) متجهم عند لقائه زيلينسكي في مارالاغو بفلوريدا 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 (أسوشيتد برس)

مواجهة علنية

في المقابل، كانت علاقة ترمب بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في أسوأ مراحلها. وجاءت المواجهة العلنية بين الرجلين في واشنطن، ثم الحديث عن خطة أمريكية من 28 نقطة -تتضمن تجميد خطوط القتال وتنازل أوكرانيا عن أراض تسيطر عليها روسيا وتقليص حجم قواتها والتخلي عن طموح الانضمام إلى حلف الناتو– لتعزز الاعتقاد بأن واشنطن قد تدفع كييف إلى قبول تسوية بشروط موسكو.

كما جاءت قمة ألاسكا في وقت بدا فيه الجيش الروسي أكثر قدرة على التقدم في الجبهة، مستفيدا من نقص القوى البشرية الأوكرانية وتطوير تكتيكات جديدة تتناسب مع حرب الطائرات المسيرة. ولهذا بدا أن موسكو تملك زخما عسكريا وسياسيا يسمح لها بانتظار انهيار الموقف الأوكراني والغربي.

بعد عام من قمة ألاسكا، تمكنت أوكرانيا، بدعم من أوروبا وكندا واليابان، من مقاومة الضغوط السياسية والعسكرية ونقلت الحرب إلى العمق الروسي

مقاومة الضغوط

لكن العام التالي لم يسر تماما وفق الحسابات الروسية. فقد تمكنت أوكرانيا، بدعم من أوروبا وكندا واليابان، من مقاومة الضغوط السياسية الرامية إلى فرض تسوية سريعة. كما استمر الدعم الاستخباراتي الأمريكي لكييف، واستمرت دول أوروبية في شراء أسلحة أمريكية وإرسالها إلى أوكرانيا. وفي قمة حلف الناتو الأخيرة في أنقرة، حصلت كييف على حزمة جديدة من المساعدات العسكرية والمالية بقيمة 81 مليار دولار من الدول الأوروبية وكندا.

وفي الوقت نفسه، نقلت أوكرانيا الحرب إلى العمق الروسي باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى. وأدت هذه الهجمات إلى ضرب منشآت الطاقة ومصافي النفط ومستودعات ومرافق اقتصادية، وتسببت في خسائر مالية واضطرابات في إمدادات الوقود، ما جعل الحرب أكثر حضورا داخل روسيا نفسها.

اقرأ أيضا: بلجيكا تواجه أحد أسوأ الحرائق في تاريخها وتعوّل على دعم جوي أوروبي

ومع ذلك، يحذر أوكونور من المبالغة في تصوير هذه التطورات باعتبارها انقلابا كاملا في ميزان الحرب. فروسيا ما زالت تهاجم ببطء، وتمتلك قدرة على الاستمرار، فيما تواجه أوكرانيا نقصا خطيرا في صواريخ الدفاع الجوي، خصوصا صواريخ باتريوت، إضافة إلى أضرار واسعة في البنية التحتية للطاقة والتدفئة. كما تواجه كييف احتمال وصول صواريخ باليستية كورية شمالية إلى القوات الروسية، فضلا عن احتمال توسيع موسكو عمليات التعبئة العسكرية.

تأثير حرب إيران على أوكرانيا

أما العامل الجديد والأكثر إثارة للقلق فهو الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. فقد أدى انشغال واشنطن بالشرق الأوسط إلى تشتيت اهتمامها عن أوكرانيا، في وقت تحتاج فيه كييف بشدة إلى صواريخ الاعتراض والدعم العسكري.

ويرى بولتون، وفقا لأوكونور، أن نقص الانتباه الأمريكي قد أصبح الآن في مصلحة روسيا أكثر من أوكرانيا، لأن موسكو تستطيع مواصلة حرب استنزاف طويلة بينما تواجه كييف ضغوطا متزايدة على دفاعاتها الجوية.

وهكذا، وبعد عام من قمة ألاسكا، لا تبدو عبارة “بلغ بوتين ذروته” حاسمة تماما. صحيح أن الرئيس الروسي حقق مكاسب سياسية مهمة، وأعاد فتح قناة مباشرة مع واشنطن، واستفاد من التباينات بين ترمب وأوروبا، لكن تلك المكاسب لم تتحول إلى تسوية بشروط روسية أو انتصار عسكري نهائي. وفي المقابل، لا تزال أوكرانيا في وضع بالغ الصعوبة، خصوصا مع نقص الذخائر والدفاعات الجوية.

والخلاصة التي تبرزها نيوزويك هي أن أخطر ما في المرحلة الحالية ليس انتصار أحد الطرفين، بل استمرار الحرب في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي وتعدد الأزمات الدولية.

اقرأ أيضا: حريق غابات يودي بحياة شخصين في جزيرة سالامينا اليونانية

‫0 تعليق