تكتسب زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم إلى الصين أهمية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، فهي تمثل فرصة لتوسيع خيارات الأردن الاقتصادية والاستثمارية، وتعزيز الشراكة مع واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، إلى جانب بحث الملفات السياسية ذات الاهتمام المشترك، وفتح آفاق أوسع للتعاون بين البلدين.
اقرأ أيضا: الراب الفلسطيني يشعل الساحة العالمية.. مواجهة فنية بين “شاب جديد” و”سانت ليفانت”
وتحمل الزيارة وزنًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا من خلال لقاء جلالة الملك بالرئيس الصيني، إلى جانب لقاءات مع رئيس الوزراء الصيني ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني ، فضلًا عن اجتماعات مع قيادات وممثلي عدد من الشركات الصينية الكبرى، بما يفتح المجال أمام بحث ملفات الاستثمار، والتجارة، والتكنولوجيا، والطاقة، والنقل، والسياحة، وتحويل العلاقات السياسية المتقدمة إلى شراكات اقتصادية أكثر عمقًا.
أهمية الزيارة لا تقف عند حدود اللقاءات والاتفاقيات، بل في القدرة على تحويل نتائجها إلى استثمارات، وبرامج تنفيذية، وربط جوي، وحركة سياحية مستدامة. فتنويع الشراكات الاقتصادية يعزز مناعة الاقتصاد الوطني، والصين تمثل فرصة مهمة في التكنولوجيا، والطاقة، والصناعة، والنقل، والاستثمار، والسياحة.
سياحيًا، نحن أمام سوق ضخمة ذات قدرة إنفاق مرتفعة، والأردن يمتلك منتجًا متنوعًا يشمل البترا، ووادي رم، والبحر الميت، والعقبة، وجرش، وعمان، إلى جانب السياحة الدينية، والعلاجية، والثقافية، وسياحة المغامرات والطبيعة.
ولهذا يجب أن نكون جاهزين فعليًا لهذا السوق، ليس بالترويج فقط، بل بتهيئة المنتج السياحي وفهم احتياجات السائح الصيني وثقافته وتوقعاته.
ومن أهم ملفات ما بعد الزيارة، العمل على الربط الجوي المباشر أو المنتظم بين الأردن والمدن الصينية الكبرى، سواء عبر ناقل وطني أو شركات طيران صينية، فالطيران المباشر لا يخدم السياحة وحدها، بل يعزز الاستثمار، والتجارة، والمؤتمرات، وحركة رجال الأعمال، ويختصر المسافة الاقتصادية بين البلدين.
وبالتوازي، يجب توفير قوائم طعام، ولوحات إرشادية، وخرائط، وبروشورات، ومواقع إلكترونية، ومحتوى رقمي باللغة الصينية، إلى جانب زيادة أعداد الأدلاء الناطقين بالصينية، وتأهيل العاملين في الفنادق، والمطارات، والمواقع السياحية للتعامل مع خصوصية هذا السوق.
كما يجب تطوير برامج متخصصة تتجاوز المنتج التقليدي، وتشمل السياحة الدينية، خصوصًا للمجتمعات المسلمة في الصين من خلال مقامات الصحابة والمواقع الإسلامية، إضافة إلى السياحة العلاجية والاستشفائية، والمؤتمرات، والمغامرات، والسياحة الفاخرة.
والأردن يمتلك ميزة تنافسية مهمة، تتمثل في تنوع المنتج السياحي ضمن مساحة جغرافية محدودة، بما يسمح للسائح بخوض تجارب متعددة خلال فترة قصيرة، لكن المطلوب تحويل هذه الميزة إلى منتج مصمم خصيصًا للسوق الصينية، وليس مجرد ترجمة للبرامج الحالية.
اقرأ أيضا: حين تتحول رائحة الزهور إلى صداع!
كما يجب الانتقال من التسويق العام إلى التسويق المبني على البيانات، من خلال تحديد المدن الصينية المستهدفة، وخصائص السائح، ومستوى إنفاقه، ومدة إقامته، واهتماماته، وبناء الحملات والبرامج وفق هذه المؤشرات.
ونحتاج بعد الزيارة إلى خطة وطنية واضحة، محددة بزمن ومؤشرات أداء، تتضمن الأسواق والمدن ذات الأولوية، ومسارات الربط الجوي، والبرامج السياحية، وآليات الترويج، والموازنات، والأعداد السياحية المستهدفة، وحجم الاستثمارات والشراكات المطلوب تحويلها إلى نتائج فعلية.
كما يجب استثمار الزخم السياسي للزيارة لجذب الشركات الصينية إلى المشاريع السياحية، والبنية التحتية، والنقل الذكي، والتكنولوجيا السياحية، لأن المنتج السياحي الحديث لم يعد يعتمد على الموقع والفندق فقط، بل على سهولة الوصول، واللغة، والتكنولوجيا، والمعلومات، والخدمة، والتجربة المتكاملة.
زيارة جلالة الملك تفتح الباب على أعلى مستوى، لكن ما بعد الزيارة هو الاختبار الحقيقي، من خلال تحويل العلاقات إلى استثمارات، والاتفاقيات إلى مشاريع، واللقاءات إلى شراكات، والاهتمام السياسي إلى حركة طيران، وسياحة، وتجارة، وفرص عمل.
فالفرصة ليست فقط في الوصول إلى السوق الصينية، بل في صناعة سوق جديد ومستدام للأردن، ووضع الصين ضمن خريطة الأولويات الاقتصادية والسياحية الوطنية للسنوات المقبلة.
اقرأ أيضا: مسؤولة يمنية: الحوثيون اختطفوا 163 عاملا وموظفا في بعثات وهيئات ومنظمات دولية
