القسطنطينية في مواجهة العثمانيين.. فرنسا وبيزنطة في زمن شارل السادس

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

ليس التاريخ مجموعة من العصور المنفصلة التي يبدأ أحدها حيث ينتهي الآخر، ولا أحداثًا يمكن فهمها دائمًا من داخل الحدود السياسية للدول التي وقعت فيها.

اقرأ أيضا: 26 أغسطس.. استئناف هديل الهادي طبيبة التجميل المزيفة على حكم حبسها 3 سنوات

موضوعات مقترحة

كشف أثري فريد فى طريق حورس الحربي.. ما القصة؟| صور

القسطنطينية في مواجهة العثمانيين.. فرنسا وبيزنطة في زمن شارل السادس

ففي بعض اللحظات التاريخية تتقاطع مسارات دول وإمبراطوريات ومجتمعات مختلفة، فيتحول الحدث المحلي إلى جزء من حركة سياسية وحضارية أوسع تتجاوز حدوده الجغرافية والزمنية.

ولعل العلاقات بين فرنسا وبيزنطة والدولة العثمانية في أواخر القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر تمثل واحدة من أكثر هذه اللحظات دلالة؛ إذ كانت القسطنطينية، رغم ما أصاب الإمبراطورية البيزنطية من ضعف وانكماش، لا تزال تحتفظ بمكانة سياسية ودينية واستراتيجية جعلتها حاضرة في الحسابات الأوروبية، في الوقت الذي كانت فيه الدولة العثمانية تتحول تدريجيًا إلى قوة كبرى تعيد تشكيل خريطة البلقان وشرق المتوسط.

ومن هذه الزاوية تكتسب رسالة الماجستير التي أعدتها الباحثة غادة محمود سامي محمود، بعنوان «موقف شارل السادس ملك فرنسا من الفتوحات العثمانية في الإمبراطورية البيزنطية (٧٨٢–٨٢٥هـ/١٣٨٠–١٤٢٢م)»، أهمية خاصة؛ فالرسالة، وإن كانت تنتمي من حيث إطارها الزمني إلى تاريخ العصور الوسطى، لا تنغلق في حدود تاريخ دولة واحدة أو علاقة ثنائية بين قوتين، وإنما تفتح المجال أمام دراسة شبكة واسعة من العلاقات الفرنسية والبيزنطية والعثمانية والأوروبية، وما ارتبط بها من تحالفات وحملات عسكرية واتصالات دبلوماسية ومواقف دينية وسياسية.

صورة تعبيرية

ولعل ما يعكس أهمية الرسالة وطبيعة موضوعها أن مناقشتها جرت أمام لجنة علمية جمعت بين أساتذة متخصصين في تاريخ العصور الوسطى والتاريخ الحديث والمعاصر.

وقد ترأس لجنة المناقشة والحكم الأستاذ الدكتور أحمد الشربيني السيد البسيوني، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة وعميد الكلية الأسبق، بما يمتلكه من خبرة علمية واسعة في مجال تخصصه، وهو ما أضفى على المناقشة بعدًا نقديًا يضع موضوع الرسالة في سياقه الأوروبي والدولي الأوسع، ولا يحصره في إطاره الزمني المباشر.

وكان للأستاذ الدكتور وديع فتحي عبد الله الشحات، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب جامعة بنها، والمشرف على الرسالة ، دور بارز في اختيار هذا التشكيل العلمي للجنة، انطلاقًا من رؤيته لأهمية الموضوع وضرورة قراءته من منظور أوسع وأشمل. فموضوع الرسالة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأنًا فرنسيًا أو بيزنطيًا أو عثمانيًا منفردًا، وإنما في إطار شبكة متداخلة من العلاقات السياسية والعسكرية والدينية والدبلوماسية التي شكلت المشهد الأوروبي والمتوسطي في أواخر العصور الوسطى. وتكشف هذه الرؤية عن أهمية تجاوز الحدود التقليدية للتخصص حين تفرض طبيعة الموضوع نفسها قراءة متعددة الزوايا.

صورة تعبيرية

وشاركت في اللجنة كذلك الأستاذة الدكتورة نجلاء محمد عبد الجواد، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة بنها، أ.م.د/ ممدوح محمد مغازي، أستاذ تاريخ العصور الوسطى المساعد بكلية الآداب جامعة بنها، أ.م.د/ أميرة محمد شحاتة أحمد أبو زيد، أستاذ تاريخ العصور الوسطى المساعد بكلية الآداب جامعة بورسعيد. وهكذا جاءت المناقشة في إطار علمي متنوع أتاح للرسالة أن تُقرأ من أكثر من زاوية، وأن تخضع لنقاش يجمع بين تخصصات تاريخية متجاورة ومتكاملة.

وتنبع أهمية الفترة التي اختارتها الباحثة، الممتدة من ٧٨٢ إلى ٨٢٥هـ/١٣٨٠ إلى ١٤٢٢م، من كونها مرحلة حاسمة في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب. فقد شهدت هذه العقود تصاعد القوة العثمانية في البلقان، وتراجع الإمبراطورية البيزنطية، وتزايد اعتماد القسطنطينية على الدعم الأوروبي، في الوقت الذي كانت فيه فرنسا نفسها تعيش ظروفًا سياسية وعسكرية معقدة. ومن ثم فإن دراسة موقف شارل السادس لا تتعلق بموقف ملك فرنسي من قضية بعيدة عن بلاده، وإنما تكشف عن كيفية تفاعل السياسة الفرنسية مع التحولات الكبرى التي كانت تعيد تشكيل المجال الأوروبي والبيزنطي والعثماني.

ففي عام ١٣٨٩م وقعت معركة كوسوفو الأولى، التي أسهمت في تعزيز الوجود العثماني في البلقان، ثم تولى بايزيد الأول الحكم، لتدخل الدولة العثمانية مرحلة جديدة من التوسع والقوة. وفي المقابل، تولى مانويل الثاني العرش البيزنطي سنة ١٣٩١م في وقت كانت الإمبراطورية تعاني فيه انكماشًا متزايدًا، وأصبحت القسطنطينية أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي في مواجهة الخطر العثماني.

وفي هذا السياق جاءت الحملة الصليبية على نيقوبوليس سنة ١٣٩٦م، التي شاركت فيها قوى أوروبية متعددة، وكان للفرنسيين حضور بارز فيها. وقد مثلت الحملة إحدى أكبر المحاولات الأوروبية لوقف التوسع العثماني، لكنها انتهت بهزيمة التحالف الأوروبي، لتكشف أن المشكلة لم تكن عسكرية فحسب؛ فقد كانت أوروبا نفسها تعاني تباينًا في المصالح، ولم تتمكن القوى الأوروبية من تحويل الخطر العثماني المشترك إلى استراتيجية موحدة ومستدامة.

ثم ظهر التدخل الفرنسي بصورة أكثر مباشرة مع وصول المارشال بوسيكو إلى القسطنطينية سنة ١٣٩٩م، في محاولة لدعم الإمبراطور مانويل الثاني وتعزيز قدرة العاصمة البيزنطية على مواجهة العثمانيين. وتكشف هذه الخطوة أن الموقف الفرنسي لم يكن مجرد تعاطف سياسي أو ديني، بل ارتبط، في بعض مراحله، بتدخل عسكري مباشر، وإن ظل محدودًا في قدرته على إحداث تحول جوهري في ميزان القوى.

جانب من المناقشة

وتبرز في الرسالة كذلك رحلة الإمبراطور مانويل الثاني إلى الغرب الأوروبي، وهي من أكثر الأحداث دلالة على طبيعة الأزمة التي كانت تعيشها بيزنطة. فقد اضطر الإمبراطور إلى مغادرة عاصمته والتنقل بين البلاطات الأوروبية طلبًا للدعم، محاولًا إقناع الملوك والأمراء بأن الدفاع عن القسطنطينية ليس شأنًا بيزنطيًا خالصًا، وإنما قضية تتصل بأمن أوروبا ومصالحها الدينية والسياسية. وقد حظي مانويل الثاني باستقبال مهم في الغرب، إلا أن هذا الاهتمام الدبلوماسي لم يتحول إلى مشروع عسكري أوروبي مستمر قادر على تغيير مسار الأحداث.

ثم جاءت معركة أنقرة سنة ١٤٠٢م لتحدث تحولًا كبيرًا، وإن كان مؤقتًا، في المشهد السياسي؛ فقد هُزم السلطان بايزيد الأول أمام تيمورلنك، ودخلت الدولة العثمانية مرحلة من الصراع الداخلي. واستفادت بيزنطة من هذه الأزمة في تحسين وضعها السياسي واستعادة بعض المكاسب، ثم جاءت المعاهدة البيزنطية العثمانية سنة ١٤٠٣م لتمنحها مساحة من الحركة لم تكن متاحة لها في ظل القوة العثمانية السابقة.

غير أن هذه اللحظة لم تكن انتصارًا أوروبيًا على الدولة العثمانية، وإنما جاءت أساسًا نتيجة الأزمة الداخلية التي أصابت الدولة العثمانية نفسها. وهذه النقطة تكشف جانبًا مهمًا من قيمة الرسالة؛ فهي لا تكتفي برصد التدخلات الأوروبية، وإنما تضعها في إطار ميزان القوى العام، وتفرق بين النتائج التي ترتبت مباشرة على التدخل الأوروبي، وتلك التي فرضتها التحولات الداخلية والإقليمية.

وبعد أن تمكن العثمانيون من إعادة توحيد دولتهم، عادت قوتهم إلى الصعود من جديد، ولا سيما مع تولي مراد الثاني الحكم سنة ١٤٢١م. ولم تمض فترة طويلة حتى تعرضت القسطنطينية للحصار سنة ١٤٢٢م، لتظهر حدود التدخلات الأوروبية بوضوح؛ فقد استطاعت القوى الأوروبية تقديم أشكال مختلفة من الدعم، والحد مؤقتًا من بعض مظاهر الضغط العثماني، لكنها لم تتمكن من بلورة استراتيجية موحدة ومستدامة يمكنها تغيير الاتجاه العام للصراع.

ومن هنا يبدو أن السؤال الأهم الذي تثيره الرسالة يتجاوز حدود موقف شارل السادس نفسه: كيف تعامل الغرب الأوروبي مع صعود قوة جديدة في الشرق؟ ولماذا عجزت القوى الأوروبية، رغم تعدد المبادرات العسكرية والدبلوماسية، عن تحويل دفاعها عن بيزنطة إلى مشروع سياسي وعسكري مستدام؟

وتكشف الدراسة أن الإجابة لا ترتبط بعامل واحد، فقد تداخل صعود الدولة العثمانية مع ضعف الإمبراطورية البيزنطية، وانقسامات القوى الأوروبية وتضارب مصالحها، والحروب والصراعات التي كانت تشغل فرنسا وغيرها من القوى، فضلًا عن اختلاف طبيعة الدعم الأوروبي بين المبادرات العسكرية والتحركات الدبلوماسية والمواقف البابوية.

اقرأ أيضا: جناح الأهلي يدخل حسابات أندية في ليبيا والمغرب

وتبرز أهمية الرسالة كذلك في تنوع مصادرها، التي تمتد إلى المصادر البيزنطية والعثمانية والغربية، وهو أمر تفرضه طبيعة موضوع تتعدد أطرافه وتختلف رواياته. فالمصادر العثمانية لا تقدم بالضرورة الصورة نفسها التي تقدمها المصادر البيزنطية، بينما تحمل المصادر الغربية بدورها تصوراتها الخاصة عن الدولة العثمانية وعن الصراع في شرق المتوسط. ومن ثم فإن المقارنة بين هذه الروايات تمثل ضرورة أساسية لفهم الأحداث في سياقها التاريخي.

واللافت أن الدراسة لا تتعامل مع الأحداث باعتبارها سلسلة من المعارك المنفصلة، وإنما تربط التحولات العسكرية بالتحركات الدبلوماسية والتغيرات التي طرأت على ميزان القوى. ومن هنا تصبح معركة نيقوبوليس، ووصول بوسيكو، ورحلة مانويل الثاني، ومعركة أنقرة، والمعاهدة البيزنطية العثمانية سنة ١٤٠٣م، ثم حصار القسطنطينية سنة ١٤٢٢م، حلقات مترابطة في مسار تاريخي واحد.

وهذه الرؤية الأوسع هي التي تمنح الموضوع قيمته؛ فالقسطنطينية في هذه المرحلة لم تكن قضية بيزنطية فحسب، كما أن الدولة العثمانية لم تعد قوة محلية محدودة، ولم تكن فرنسا بعيدة عن التحولات التي كانت تجري في البلقان وشرق المتوسط. لقد تحركت هذه القوى داخل فضاء سياسي أوروبي ومتوسطي متداخل، وكانت القرارات التي تتخذ في عواصم بعيدة عن القسطنطينية قادرة على التأثير في مصيرها.

ومن ثم فإن أهمية الرسالة لا تقتصر على إعادة قراءة موقف شارل السادس من الفتوحات العثمانية، وإنما تمتد إلى إظهار طبيعة العالم الأوروبي في مرحلة انتقالية من تاريخه؛ عالم كانت فيه الإمبراطورية البيزنطية تقترب من نهايتها، والدولة العثمانية تتجه إلى ترسيخ قوتها، بينما كانت أوروبا الغربية تبحث عن صيغة للتعامل مع هذا التحول دون أن تكون قادرة على تجاوز تناقضاتها الداخلية.

وفي هذا السياق يمكن فهم النتيجة التي انتهت إليها المناقشة العلمية؛ فقد حصلت الباحثة على *درجة الماجستير بتقدير «ممتاز»، مع التوصية بنشر الرسالة وتداولها بين الجامعات*. ولا تمثل هذه النتيجة مجرد تقدير أكاديمي للباحثة، وإنما تعكس، في سياق المناقشة العلمية، ما حظيت به الدراسة من تقدير لقيمتها العلمية وأهمية موضوعها، وما يمكن أن تضيفه إلى الدراسات المتصلة بتاريخ العلاقات الأوروبية والبيزنطية والعثمانية في أواخر العصور الوسطى.

ولا تقف قيمة الرسالة عند موضوعها المباشر، وإنما تكمن كذلك في الطريقة التي تطرح بها إمكان قراءة التاريخ من منظور أوسع؛ فدراسة العلاقات بين فرنسا وبيزنطة والدولة العثمانية في هذه الفترة تكشف أن الأحداث التاريخية لا تتحرك في مسارات منفردة، وأن سقوط قوة وصعود أخرى لا يحدثان بمعزل عن شبكة المصالح والتحالفات والصراعات المحيطة بهما.

وربما كانت القسطنطينية خير مثال على ذلك؛ فقد بدت في سنواتها الأخيرة قضية بيزنطية، لكنها كانت في الحقيقة إحدى القضايا التي كشفت مبكرًا عن إعادة تشكيل ميزان القوى بين الشرق والغرب، وعن صعود الدولة العثمانية بوصفها قوة ستصبح لاحقًا لاعبًا رئيسيًا في تاريخ أوروبا والشرق المتوسطي.

ومن هنا فإن السؤال الذي تتركه هذه الدراسة أمام القارئ لا يقتصر على: ماذا فعل شارل السادس تجاه الفتوحات العثمانية؟ بل يتسع ليصبح: كيف تعامل عالم أوروبي منقسم مع صعود قوة جديدة في الشرق، ولماذا لم تستطع التدخلات المتعددة إنقاذ الإمبراطورية البيزنطية من مصيرها؟. 

إنها أسئلة تجعل من دراسة التاريخ الوسيط مجالًا مفتوحًا لفهم تحولات أوسع، وتؤكد أن قراءة الماضي لا تكتمل حين نعزل الحدث داخل حدود عصر أو دولة أو تخصص واحد، وإنما حين نضعه داخل شبكة العلاقات السياسية والحضارية التي أسهمت في تشكيله.

د. سعيد محمد طه 
دكتوراه التاريخ الوسيط 
عضو اتحاد المؤرخين العرب والجمعية المصرية للدرسات التاريخية

دعوة رسالة الماجستير

د. سعيد محمد طه

اقرأ أيضا: تشييع جنازة صلاح القصب بحضور رموز الفن والثقافة ببغداد | صور

‫0 تعليق