دخلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز مرحلة جديدة فرضتها الحرب، بعدما تحولت أهم ممرات الطاقة في العالم من طريق بحري مفتوح أمام حركة السفن إلى شبكة معقدة من المسارات المتنافسة، وسط مخاطر عسكرية وارتفاع قياسي في تكاليف التأمين وفرض رسوم عبور، ما يهدد بإعادة تشكيل اقتصاد تجارة النفط والغاز العالمية.
اقرأ أيضا: الإعدام لـ4 متهمين بإنهاء حياة محامية وإلقاء جثمانها من شرفة منزلها بالدقهلية
وبحسب تقرير لشبكة «سي إن إن»، فإن نحو 3,371 سفينة عبرت المضيق خلال 167 يومًا منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير وحتى 13 أغسطس 2026، وهو ما يعادل نحو 20% فقط من مستوى الحركة المعتاد قبل الحرب. وتشير البيانات إلى أن نحو 20% من تجارة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميًا كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الصراع.
80% من حركة السفن اختفت
كان مضيق هرمز يشهد قبل الحرب مرور نحو 100 سفينة يوميًا، لكن إعلان إيران إغلاق الممر عقب بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على أراضيها أدى إلى انهيار حركة الملاحة.
وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» أن غالبية السفن التي تمكنت من العبور منذ بداية الحرب استخدمت مسارات غير تقليدية، إذ عبرت 1,514 سفينة عبر مسارات مظلمة أو غير معروفة، بينما استخدمت 1,338 سفينة المسار الذي تفرضه إيران، و232 سفينة المسار العماني، مقابل 287 سفينة فقط استخدمت المسار التقليدي السابق للحرب.
وتعني هذه الأرقام أن التجارة عبر المضيق لم تتوقف تمامًا، لكنها انتقلت إلى نموذج ملاحي أكثر تكلفة ومخاطرة.
تكمن الأهمية الاقتصادية للمضيق في دوره المحوري في تجارة الطاقة العالمية، إذ كانت تمر عبره قبل الحرب نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن متوسط تدفقات النفط عبر المضيق تراوح بين نحو 19 و22 مليون برميل يوميًا خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة مصدر تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية.
ولهذا السبب، تسببت المخاوف بشأن إغلاق المضيق في ارتفاع أسعار النفط مع بداية الحرب، بينما أصبحت قدرة شركات النفط والناقلات على استخدام الممر بأمان عاملًا رئيسيًا في تحديد تكلفة الشحن والطاقة.
التأمين يقفز إلى مستويات قياسية
وارتفعت تكلفة تأمين مخاطر الحرب للسفن التي تعبر المضيق إلى ما يتراوح بين 7.5% و10% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 0.25% فقط قبل الحرب.
وبالنسبة لناقلة نفط عملاقة تبلغ قيمتها نحو 138 مليون دولار، ارتفعت تكلفة التأمين من حوالي 345 ألف دولار قبل الحرب إلى ما بين 10.3 و13.8 مليون دولار حاليًا.
وتعني هذه الزيادة أن جزءًا كبيرًا من تكلفة نقل النفط لم يعد مرتبطًا بالوقود أو أجور الطواقم أو أجور الموانئ، وإنما أصبح مرتبطًا مباشرة بالمخاطر الجيوسياسية.
إيران تفرض مسارًا ورسوم عبور
أصبحت طهران تطالب السفن باستخدام مسار يقع بمحاذاة ساحلها الجنوبي، وأنشأت هيئة مضيق الخليج الفارسي لإدارة حركة الملاحة وتحصيل رسوم من السفن العابرة.
وتقول التقارير إن إيران فرضت على بعض ناقلات النفط رسوم عبور وصلت إلى مليوني دولار للسفينة، بما يعادل نحو دولار واحد لكل برميل من النفط المحمول.
لكن هذا المسار يواجه تعقيدات قانونية ومالية، بعدما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الهيئة الإيرانية، ما يعني أن الشركات التي تدفع رسومًا لطهران قد تواجه مخاطر عقوبات أمريكية مستقبلية.
المسار العماني يواجه الرفض الإيراني
في المقابل، تستخدم بعض السفن مسارًا بحريًا بمحاذاة الساحل العماني، وهو مسار معترف به ضمن نظام فصل حركة الملاحة التابع للمنظمة البحرية الدولية.
وتؤكد سلطنة عمان أن المرور عبر هذا المسار مضمون بموجب القانون الدولي، لكن إيران ترفضه وتطالب السفن باستخدام المسار الذي تحدده.
ويضع ذلك شركات الشحن أمام معادلة معقدة: المسار الإيراني يحمل مخاطر العقوبات، والمسار العماني يحمل مخاطر الاستهداف، بينما المسارات المظلمة ترفع مخاطر الحوادث وتعرض التغطية التأمينية للخطر.
اقرأ أيضا: كشف ملابسات فيديو مشاجرة بين سيدتين وزوجيهما بالسويس وضبط أطراف الواقعة
«الملاحة المظلمة» تزيد المخاطر
اختارت مئات السفن إيقاف أجهزة التتبع الخاصة بها لتجنب كشف مواقعها، في ممارسة تعرف باسم الملاحة المظلمة.
ورغم أن هذا الخيار قد يقلل احتمالات استهداف السفن، فإنه يرفع مخاطر التصادم والحوادث البحرية ويجعل شركات التأمين أمام معلومات أقل عن موقع السفينة ومسارها.
كما أن إيقاف أجهزة التتبع قد يؤدي في بعض الحالات إلى فقدان التغطية التأمينية، ما يحول محاولة تقليل المخاطر العسكرية إلى مصدر جديد للمخاطر التجارية.
تظهر تداعيات الأزمة أن الحرب لم تؤد فقط إلى خفض عدد السفن العابرة، وإنما أعادت توزيع تكلفة التجارة عبر المضيق.
فالناقلات تدفع تأمينًا أعلى، وبعضها يدفع رسوم عبور، فيما تواجه شركات الطاقة احتمالات تأخير أطول ومسارات أكثر تعقيدًا، بينما قد تنتقل هذه التكاليف في النهاية إلى أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين.
ويشير ذلك إلى أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية في سوق الطاقة العالمية.
كان مضيق هرمز قبل الحرب ممرًا بحريًا تتداخل فيه المصالح الدولية دون سيطرة منفردة على حركة التجارة، لكن الحرب أدخلت المنطقة في واقع مختلف تتنافس فيه إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة على قواعد المرور.
ومع استمرار التفاوض بين إيران وعمان بشأن آلية جديدة للملاحة، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان المضيق مفتوحًا أو مغلقًا، بل أي مسار يمكن للسفن استخدامه، وبأي تكلفة، وتحت أي ضمانات أمنية وقانونية.
وبالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، فإن هذا التحول يعني أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر جغرافي لنقل النفط، بل أصبح أصلًا استراتيجيًا يعاد تسعير مخاطره يوميًا، وهو ما قد يجعل تكلفة الطاقة العالمية أكثر حساسية للتطورات العسكرية والسياسية في الخليج خلال الفترة المقبلة.
