الترميم والبناء المنهار – الوطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

حكم كافور الإخشيدي مصر حكماً مستقلاً لمدة سنتين ونصف على وجه التقريب، أنفق فيها مالاً كثيراً على نفسه وعلى علاج عُقد نقصه، وإحساسه المترسخ بالدونية كونه عبداً حبشياً، بذل للشعراء والمداحين العطايا والهدايا والنفحات، ومنح كل من أسهم في دعم آلة نفاقه الكثير، وقد عانت مصر في عصره الكثير، خصوصاً لما ضربها زلزال عنيف أدى إلى تهدم البيوت، وارتباك أحوال الناس، وانتشار حالة عميقة من الخوف والذعر بينهم، ولجوئهم إلى المبيت في العراء؛ خوفاً من تهدم البيوت فوق رؤوسهم، والمضحك أن آلة نفاق كافور الإخشيدي لم تستثنِ هذا الحدث واستثمرته هو الآخر لبناء الدعاية الرخيصة له، وذلك في بيت الشعر الذي بلغ قمة الهزل في التملق السياسي، ذلك الذي وصف الزلزال بالقول: «ما زُلزلتْ مصرُ من سوءٍ يُرادُ بها.. لكنَّها رقصتْ من عدلِهِ فرحاً».

اقرأ أيضا: الزمالك يتقدم على مودرن سبورت بهدف الونش في الشوط الأول – الأسبوع

مات «كافور» سنة 356 هجرية، وقبل دفنه اجتمع أعيان البلاد وتعاهدوا على عقد البيعة لأحمد بن علي الإخشيدي «أبي الفوارس»، وكان عمره إذ ذاك 11 سنة، ودُعي له على المنابر في مصر والشام وبلاد الحرمين. بعدها تم نقل جثمان «كافور» إلى القدس ودُفن هناك. كان أعيان مصر في ذلك الوقت يدركون حجم المخاطر التي تحيط بمصر؛ خطر النوبة من الجنوب، وخطر القرامطة من الشمال، والخطر الأكبر القادم من الغرب، والمتمثل في الفاطميين المصممين على غزو مصر والسيطرة عليها.

حاول أعيان مصر مع أبي الفوارس أحمد بن علي الإخشيدي ترميم الأوضاع بالبلاد، حتى تقنع الشعب بالاصطفاف في مواجهة المخاطر، لكن المحاولة جاءت بعد فوات الأوان. بادر «أبو الفوارس» إلى اتخاذ عدة قرارات برفع المؤن والكلف عن الناس، فأوقف التكاليف الإدارية والجبايات التي كانت تُفرض على الشعب، وأغلق المواخير (الخمارات وبيوت الدعارة) ومنع نشاطها، وأمر شرطته بمراقبة الأسواق، ومنع أي محاولات للاحتكار أو إخفاء السلع، أو تلاعب بالأسعار، بالإضافة إلى التأكد من الالتزام بالأخلاقيات والآداب العامة.

اقرأ أيضا: كيف تتصرف عند ارتفاع حرارة الباور بانك؟.. خطوات مهمة لحمايتك – الأسبوع

لم تؤثر هذه الخطوات في الواقع شيئاً، فتواصل الغلاء وتعالت ألسنة الناس بالشكوى، وأنّى لمحاولات الترميم أن تجدي في البناء المنهار؟ فقد جاءت بعد أن تمزقت الدولة، وفقدت السلطة السيطرة على البلاد، وليس أدل على ذلك مما فعله الحسن بن عبيد الله بن طغج، الذي استولى على مدينة الرملة (مدينة بين يافا والقدس)، وأعلن الخروج على «أبي الفوراس» وأخذ البيعة لنفسه، واستولى على أموال كافور الإخشيدي، وبذلك تقطعت أوصال الدولة بين الفسطاط والشام، وكان من الطبيعي أن ينتهي هذا المشهد بدخول الفاطميين إلى مصر بسهولة ويسر، ودون مقاومة حقيقية، فدخل القائد «جوهر» الفسطاط في شعبان سنة 358 هجرية. يقول «ابن تغري بردي»: «وخُطب للمعز يوم الجمعة على المنابر بمصر، وجلس جوهر للمظالم، وأحسن السيرة، وجاء المعز من المغرب إلى الديار المصرية فدخلها يوم الثلاثاء 6 رمضان سنة 362هـ».

هكذا انتهى المشهد المرتبك الذي عاشته مصر بعد زمان أحمد بن طولون وولده خمارويه، ودخلت من بعده إلى زمان قهر الشعب واستغلاله وتقطيع أوصاله، ما جعله يزهد في المستعمر المملوكي القديم ويرحب بالمستعمر الفاطمي الجديد.

‫0 تعليق