
لم
تكن البوسنة والهرسك بالنسبة إليّ بلداً أزوره، بل كانت كتاباً أمشي بين صفحاته.
هناك، حيث تتعانق الجبال مع الغابات، وتجري الأنهار في هدوء العارفين، وتختلط
رائحة المطر بعبق التاريخ. شعرت أن الطبيعة لا تُرى بالعين وحدها، بل تُقرأ
بالقلب. وفي تلك الأرض التي كتبت ملحمة الإنسان في الصبر بعد الحرب، والعمل بعد
الدمار، تعلمت درساً صغيراً، لكنه فتح أمامي أفقاً واسعاً من التأمل.
اقرأ أيضا: إيران تتهم قطر بتعطيل تحقيق في مصير طيارين إيرانيين والدوحة تنفي احتجازهم
وبعدما
مررت بتجربة روحية جديدة، كان من بعض أنوارها الجميلة أنني قررت ألا أقطف زهرة
تعجبني؛ إذ أصبحت أرى أن الزهرة خُلقت لتظل في مكانها، تزين الأرض كما أرادها
الله. فإذا استوقفتني زهرة جميلة، اكتفيت بأن أنحني إليها، وأشم عبيرها، ثم أمضي،
تاركاً لها حقها في الحياة، وفي إمتاع الآخرين من خلق الله.
وفي
ذلك الصباح المشرق اقتربت من زهرة ببطء، وانحنيت لأستنشق عبيرها.. لكنني لم أكن
وحدي. فجأة خرجت نحلة، وأخذت تدور حول الزهرة بطنين مرتفع، حتى بدا لي أنها تريد
أن تمنعني من الاقتراب. وكلما دنوت، ازدادت حركةً وإصراراً، وكأنها تقول:
“هذه الزهرة لي الآن”.
ابتسمت،
وشعرت لوهلة أن بيني وبين تلك النحلة منافسة لطيفة؛ فأنا أريد أن أشم الزهرة، وهي
تريد أن تأخذ رحيقها. ثم توقفت فجأة، وتركت لها المكان.
وفي
اللحظة نفسها انفتحت في ذهني آيات من سورة النحل، كأنها تُتلى عليّ لأول مرة:
“وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً
وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ
فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً ۚ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ
مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ”.
وقفت
أتأمل.. لقد جئت أبحث عن متعة عابرة؛ لحظةٍ أستنشق فيها عبير زهرة ثم أمضي. أما
هذه النحلة، فقد جاءت تؤدي رسالة. إنها تجمع الرحيق، ثم تحوله بأمر الله إلى عسل،
فيه غذاء وشفاء وسعادة للناس.
الاستخلاف
والكمال غير المكتمل
كنت
أقف أمام درس من دروس القرآن في معنى الاستخلاف، فالنحلة لا تعمل لنفسها وحدها،
والشجرة لا تثمر لنفسها، والسحاب لا يحمل الماء لنفسه؛ بل إن كل شيء في هذا الكون
يؤدي وظيفةً تتجاوز ذاته. وهنا تجلت أمامي آية أخرى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا
بَنِي آدَمَ”، ثم تذكرت قوله تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ”. وتوقفت طويلاً عند كلمة
“سخّر”. فالقرآن لا يقدم الإنسان باعتباره مجرد كائن يعيش فوق الأرض، بل
باعتباره الكائن الذي أودع الله فيه العقل، والحرية، والأمانة، ثم سخر له هذا
الكون ليقرأه، ويعمره، ويهتدي به إلى ربه.
ولعل
هذا المعنى هو ما حاول فيلسوف النهضة الإيطالي جيوفاني بيكو ديلا ميراندولا أن
يعبر عنه في رسالته الخالدة “في كرامة الإنسان”. فقد رأى أن جميع
المخلوقات خرجت إلى الدنيا وقد اكتملت أدواتها؛ فالطائر بجناحيه، والأسد بأنيابه،
والغزال بسرعته، والنحلة بغريزتها المحكمة. أما الإنسان، فقد خرج ضعيف الجسد، مجرداً
من وسائل البقاء الظاهرة، لكنه خرج مزوداً بأعظم هبة: العقل والحرية. وبالعقل
يستطيع أن يصنع أدواته، ويعيد تشكيل العالم، ويبني الحضارة، ويرتقي بنفسه؛ ولذلك
كانت كرامته في أنه لم يُخلق مكتملاً، بل خُلق قادراً على أن يصنع كماله الأخلاقي
والمعرفي.
ومن
هنا بدا لي أن النحلة والإنسان يشتركان في رحلة واحدة، لكن لكلٍ منهما طريقته؛
فالنحلة تهتدي بالوحي الغريزي، أما الإنسان فيهتدي بوحي السماء، ثم بعقله الذي
وهبه الله.
مسؤولية المعرفة
وتذكرت
هنا فكرة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر حين ميّز بين علاقة الحيوان بالعالم،
وعلاقة الإنسان به. فالحيوان لا يرى في الأشياء إلا ما يشبع غريزته؛ فلو وضعت أمام
أسد قلماً، فلن يعني له شيئاً، ولو وضعت أمامه قطعة لحم لانقض عليها. أما الإنسان،
فإنه يرى في القلم علماً، ورسالة، وتاريخاً، ومستقبلاً. ليست قيمة القلم في مادته،
بل في المعنى الذي يستطيع الإنسان أن يخلقه من خلاله. وهنا يكمن سر التكريم.
إن
الإنسان ليس أكرم لأنه أقوى من الكائنات، ولا لأنه أسرع أو أشد بأساً، بل لأنه
الوحيد الذي يستطيع أن يحول الأشياء إلى معانٍ، والمعاني إلى حضارة، والحضارة إلى
رحمة.
اقرأ أيضا: لجنة المرأة في نادي عبين عبلين تنظم ندوة “المرأة العجلونية السردية الأردنية”
لقد
سخَّرت النحلة عمرها كله لتنتج قطرة عسل، وأدَّت رسالتها على أكمل وجه. أما أنا،
فماذا صنعتُ بما وهبني الله من عقل؟ ولأي غاية سخر لي الأرض، والسماء، والبحار،
والأنهار؟ فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يستمتع بالكون فحسب، بل أن يتحمل
مسؤوليته تجاهه. فالذي سُخرت له الأرض مأمور بعمارتها، والذي سُخرت له الكائنات
مأمور بالرفق بها، والذي سُخرت له النعم مأمور بشكرها.
ولهذا
فإن الإنسان، في الرؤية القرآنية، ليس مالكاً للكون، وإنما هو مستخلف فيه، وأمين
عليه؛ مستخلفٌ لا متسلط، وراعٍ لا مستبد، يبني ولا يفسد، ويزرع ولا يقتلع، ويرحم
ولا يقسو.
ولعل
النحلة، وهي تدافع عن زهرتها الصغيرة، كانت تعلمني درساً لم أكن أبحث عنه. كانت
تقول لي بصمتها البليغ: لا يكفي أن تستمتع بالجمال.. بل حوّل ما تراه إلى خير. ولا
يكفي أن تعجب بالزهرة.. بل اسأل نفسك: ماذا ستقدم للناس، كما تقدم النحلة عسلها؟
فكل مخلوق في هذا الكون يؤدي رسالته في تسبيح الله وخدمة الحياة: “وَإِنْ
مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ
تَسْبِيحَهُمْ”، فما رسالتي أنا؟ وهل سأقدم ترياقاً يداوي القلوب، كما يداوي
العسل الأجساد؟ عندما غادرت ذلك البستان، لم أعد أتذكر لون الزهرة بقدر ما أتذكر
ذلك السؤال الذي زرعته النحلة في داخلي. لقد ربحت هي الرحيق، وربحت أنا تجديداً
لمعنى الكرامة الإنسانية.
ومنذ
ذلك اليوم، كلما رأيت نحلةً تحوم حول زهرة، لم أعد أراها حشرةً صغيرة تبحث عن
غذائها، بل مخلوقاً يؤدي رسالته بإتقان، ويذكرني بأن قيمتنا لا تُقاس بما نستهلك
من نعم الله، وإنما بما نحوّل تلك النعم إلى رحمة، وخير، وعمران.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: 8 ميداليات لأخضر المبارزة في بطولة السعودية الكبرى بالدمام
