
شهد العالم
تحوّل البحار إلى منظوماتٍ تصنع السلطة وتعيد توزيعها، وتحولت المضائق إلى عُقدٍ تتحكم
في تدفقات الطاقة والتجارة، وتستطيع استشعار المخاطر وإدارتها، وتحويلها إلى موارد
للتدفقات الاقتصادية، ومعايير تفاوضية، فتحالفات جيواقتصادية وسياسية وعسكرية.
اقرأ أيضا: اليونان… اتهام 4 أعمارهم بين 14 و17 عاما بتهريب مهاجرين من أفريقيا إلى كريت
وهنا تتبلور
“السيادة المنظومية”، صعودا فوق السيادة الوطنية التقليدية؛ لتجيب على سؤال
استراتيجي يضع محددات من يملك القرار، وتنتقل بالقوة من حيازة الجغرافيا إلى إدارة
وظائفها، ومن امتلاك الممر إلى امتلاك المعرفة، والمعيار والقيمة، والقدرة على تنظيم
الحركة فيه.
وقد تجاوز
العالم في 2026 مجرد “التعددية القطبية” التي وصفها تقرير ميونخ للأمن العام
الماضي؛ إلى توصيف النظام الدولي بأنه أصبح “تحت الهدم”، فيما وضع تقرير
المخاطر العالمية “المواجهة الجيواقتصادية” في صدارة المخاطر المباشرة وقصيرة
الأجل؛ وهذا يعني أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأراضي والقواعد العسكرية، بل حول
التجارة والعقوبات والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمعايير وطرق العبور نفسها.
معادلة الردع..
تغير معادلة الردع في عصر المخاطر المنظومية، نحو زيادة كلفة الهجوم على الخصم، وتقليل العائد الذي يستطيع تحقيقه من إحداث الاضطراب، فإذا امتلكت الدولة مسارات بديلة، ومخزوناً استراتيجياً، ومعلومات لحظية، وتأميناً وتمويلاً مرناً، وآليات استجابة سريعة، فإنها تحرم الخطر من قدرته على الابتزاز
إن تغير معادلة
الردع في عصر المخاطر المنظومية، نحو زيادة كلفة الهجوم على الخصم، وتقليل العائد الذي
يستطيع تحقيقه من إحداث الاضطراب، فإذا امتلكت الدولة مسارات بديلة، ومخزوناً استراتيجياً،
ومعلومات لحظية، وتأميناً وتمويلاً مرناً، وآليات استجابة سريعة، فإنها تحرم الخطر
من قدرته على الابتزاز، وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته “الردع بالمرونة”: أن
تصبح المنظومة عصية على الشلل، مع منع أزمات من التحول إلى انهيار.
وتكتمل النظرية
حين تتحول إلى عملياتية؛ فالسيادة المنظومية تحتاج إلى سلسلة قرارات مترابطة، تبدأ
باستشعار الخطر، ثم دمج البيانات والمعلومات وتحويلها إلى صورة تشغيلية مشتركة، فتقدير
الأثر الاقتصادي والأمني والإنساني، لاتخاذ القرار وتمويل الاستجابة وتأمينها، حيث
يكون استعادة التدفق وقياس أثر التدخل، لذا فالبيانات بلا قرار مراقبةٌ عاجزة، والقرار
بلا تمويل إرادةٌ معطلة، والتمويل بلا قدرة تنفيذية رأسمالٌ ينتظر الأزمة.
اضطرابات واختبارات..
وقد أكدت أحداث
عام 2026 بوقائعها وتداعياتها، أن الأمر يتجاوز الفرضية النظرية إلى اختبارٍ عملي مباشر؛
ففي خضم اضطرابات مضيق هرمز، توقفت ثم انخفضت حركة السفن، وفقاً لتقرير مؤتمر الأمم
المتحدة للتجارة والتنمية، بنحو 95 في المئة عند ذروة الأزمة، بالتوازي مع ارتفاع أجور
الناقلات، وتكاليف وقود السفن، وأقساط التأمين ضد أخطار الحرب؛ فتحولت أزمة أمنية محلية
إلى موجة عالمية امتدت آثارها إلى الأسعار والنقل والتمويل. ثم دعت المنظمة البحرية
الدولية في آذار/مارس 2026 إلى إطار دولي منسق للمرور الآمن، ونبّهت صراحة إلى أخطار
التشويش والخداع على أنظمة الملاحة بالأقمار الاصطناعية؛ أي أن حماية الممر أصبحت معادلة
معلومات واتصالات وقواعد تنسيق، بالإضافة إلى كونها سفن وقوة عسكرية.
والأمر نفسه
يتجلى في البحر الأحمر؛ فالهجمات لم تنتهِ بوصفها عارضاً مؤقتاً، بل استمرت حتى الهجوم
القاتل على السفينة تيهاما قبالة اليمن في 12 آب/أغسطس 2026، وهو ما أعاد تأكيد هشاشة
الممرات أمام تفاعل الأمن المحلي مع التجارة العالمية، وأصبح الممر البحري نظاماً حيوياً،
اختلاله ينتقل من السفينة إلى شركة التأمين، ومنها إلى سعر الشحن، ثم إلى المصنع والمتجر
والمستهلك.
الحوكمة..
دولة
تتجاوز “الحوكمة
الاستراتيجية” نموذج الدولة البيروقراطية التقليدية، القائم على اللجان، إلى نموذجٍ
مؤسسي تكون قوته في اختصار الزمن بين رصد الإشارة واتخاذ القرار، ورفع القدرة على الاكتشاف
المبكر لمؤشرات الخطر، وتحويل البيانات إلى معلومات، ثم إلى خيارات وقرارات؛ وهي حوكمة
تقاس بقدرتها على بناء دورة متكاملة بما يتيح احتواء الاضطرابات قبل اتساع آثارها،
وتسريع استعادة التدفقات، مع توظيف الأدوات الاقتصادية بوصفها أدواتٍ للتأثير في المسارات
السياسية، وتعزيز القدرة التفاوضية للدولة، مع قياس حجم القيمة الاقتصادية التي يُعاد
توطينها داخل الإقليم، بدلاً من انتقال الجزء الأكبر منها إلى مراكز خارجية تتحكم في
اقتصاد المخاطر المرتبط بالممرات الحيوية.
بل إن بعض
ملامح “البيئة البينية” التي طرحت في العديد من الدراسات بدأت تتحول إلى
ممارسة تشغيلية: ففي تموز/يوليو 2026 دعمت المنظمة البحرية الدولية خارطة طريق لمركز
يمني وطني لتبادل المعلومات البحرية، يقوم على دمج بيانات عدة جهات في صورة بحرية مشتركة،
وربط القرار الوطني بشبكة إقليمية، يتبعها وضع إجراءات تشغيل موحدة وتنسيق متعدد المؤسسات،
بما يمثل النقلة النوعية من تعاون دبلوماسي موسمي إلى بنية تشغيل مشتركة.
تحويل العبء
إلى أصل..
يتطلب تحويل
الجغرافيا من عبءٍ إلى أصلٍ استراتيجي، منظومة مالية للدولة التي تتحمل كلفة الجغرافيا،
وتدفع ثمن المخاطر الأمنية والبيئية والتجارية، بينما يجري خارج إقليمها قياس هذه المخاطر
وتسعيرها وتأمينها وإعادة تأمينها، فهي لا تملك سوى المكان دون اقتصاداته؛ فاقتصاد
المكان هو ما يشكله من توليد المعرفة والقيمة، والقدرة والقوة التفاوضية، وما يخدم
مركزه المالي الداخلي والخارجي على حد السواء.
وعليه، فإن
معادلة التغيير الجذري تبدأ بحماية الممر وتأمينه، فرصد اقتصاداته ومخاطره، ثم بناء
اقتصاد متكامل؛ حيث إدارة المخاطر المتقدمة للخطر لا بوصفه عبئاً مفروضاً، بل مورداً
اقتصادياً ومعرفياً واستراتيجياً، يتطلب إنشاء منصات إقليمية لتجميع البيانات وتحليلها،
وبناء قدرات اكتوارية محلية قادرة على إنتاج المعرفة اللازمة لتسعير المخاطر، وتأسيس
صناديق إقليمية للضمان والاستجابة، إلى جانب تطوير شراكات حقيقية في أسواق التأمين
وإعادة التأمين.
اقرأ أيضا: أنور قرقاش: دور رائد لمشروع «كلمة» في إثراء المكتبة العربية
معادلة التغيير الجذري تبدأ بحماية الممر وتأمينه، فرصد اقتصاداته ومخاطره، ثم بناء اقتصاد متكامل؛ حيث إدارة المخاطر المتقدمة للخطر لا بوصفه عبئاً مفروضاً، بل مورداً اقتصادياً ومعرفياً واستراتيجياً
عندها فقط
تتغير مكانة الدول المتشاطئة: من مجرد حاملة للخطر إلى شريك في إنتاج المعرفة عنه،
وقياسه، وتسعيره، وتأمينه، وإعادة تأمينه وتمويله. ويتعدى الأمر ذلك في الحرب، حيث
المشاركة في صناعة الخطر بوصفة مورداً من الموارد الإستراتيجية، وهو ما يجعل السيطرة
على الممر خطوة نحو تشكيل قوة استراتيجية تمتلك الأدوات المالية والمعرفية التي تحدد
قيمة المخاطر التي يولدها هذا الممر، ومن ثم القدرة على تحويل الجغرافيا من كلفة تتحملها
الدولة إلى قيمة اقتصادية تعود إليها.
وهذا يتسق
مع التحول الأوسع في الاقتصاد العالمي؛ فصندوق النقد في تحديث تموز/يوليو 2026 لم يعد
يتحدث عن الكفاءة التجارية وحدها، بل شدد على مرونة سلاسل الإمداد، والبنية الرقمية،
وحوكمة البيانات والأمن السيبراني، وعلى قيمة الترتيبات الإقليمية متعددة الأطراف في
إدارة الصدمات العابرة للحدود.
الحماية..
قوة وقدرة
وهكذا ينتقل
مفهوم الأمن من حماية الأصل إلى حماية الوظيفة؛ ومن حماية السفينة إلى استمرار التدفق؛
ومن منع الهجوم إلى منع أثره من الانتشار؛ ومن امتلاك القوة إلى امتلاك القدرة على
تحويل الخطر من صدمة مفتوحة إلى حدث محدود ومحكوم، بتقنية وشرعية؛ فإذا انفصلت الأولى
عن الثانية، أنتجت استبداداً أكثر ذكاءً، والمعيار إذا انفصل عن العدالة صنع هيمنةً
بلا مدافع، لذلك تبقى السيادة أمانةً بقدر ما هي قدرة، والحوكمة شرعيةً بقدر ما هي
كفاءة سيادية.
السيادة يا
سادة تحولت بعد عصر المعلومات إلى عصر المنظومات، التي تضع القواعد، بخرائط ترسم، ومخاطر
تحكم، وتدفقات تنعم؛ فالجغرافيا تمنح المكان، والحوكمة تمنح المكانة؛ والقوة تحرس الطريق،
أمّا السيادة الحقّة فتضع خارطة الطريق، وتبقى الاستراتيجية هي قواعد المستقبل.. والأيام
دول.. وللشعوب قرار.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: القبض على 177 شخصا في 117 قضية كريستال خلال أسبوع
