
اقرأ أيضا: الخلايلة: حريصون على خدمة المصابين العسكريين | محليات
يحتاج الفعل الثقافي إلى توفير بيئة تدعم الابتكار، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية الصارمة، وإلى بناء جسور التواصل والتشبيك بين المبدعين، المؤسسات، والمتلقين لضمان استدامة الفعل الثقافي، ويحتاج أكثر ما يحتاج إلى القدرة على إدارته من خلال من لهم إطلاع كافٍ على المشهد الثقافي، يتيح لهم رؤيته رؤية بانورامية شاملة، ومعالجة مواطن الضعف والخلل، فالثقافة في زمنٍ متسارع لم تعد ترفًا أو فائض حاجة، خاصةً في ظل توافر المعرفة اللحظية بعد هيمنة أدوات الذكاء الاصطناعي.
إنّ الحاجة إلى إدارة الفعل الثقافي بأيادٍ متخصصة، يحقق ما يتجاوز حدود القاعات والمهرجانات؛ فلم تعد الثقافة مجرد أمسياتٍ وندوات بجمهور محدود، ولا المساهمة في طباعة كتب لا يقرأها إلّا عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا مجرد فكرةٍ يتم الترويج لها بمبالغ ماليةٍ عالية دون أن تتوفر لهذه الفكرة (وإن كانت نبيلة) مقوّمات وجودها، وأدوات نشرها، ووسائل قبولها.
تحويل الثقافة إلى رافد من روافد التنمية المستدامة والاقتصاد المعرفي ضرورة وطنية يقع على الحكومة والمؤسسات الرسمية والأهلية مسؤولية حملها، لتعزيز الموارد البشرية، وصقلها بالأهداف والقيم المجتمعية التي تحفظ تماسكه، وتقلل من نسب ارتفاع الجريمة، ومن السلوكيات التي صار على القانون أن يتصدّى لها بعد أن كانت قيمًا وأعرافًا يتصدّى لها المجتمع نفسه، ويعاقب عليها جماعيًا بعقوباتٍ أشدّ واقسى من العقوبات القانونية الفردية، فالثقافة المجتمعية هي القوة الناعمة القادرة على التأثير والتغيير بصورة أسرع وأقوى من التأثير القانوني الذي يحتاج إلى إجراءات تشريعية تحتاج وقتًا أطول لسريانها.
اقرأ أيضا: 30 ألف دولار مكافأة لأي إيراني يأسر أو يقتل عسكريا أميركيا…
ولذلك تظهر الأزمة الثقافية عندما تُسند إدارة الفعل الثقافي إلى من يفتقر للفهم العميق لخصائص هذا الفعل، ممن يقيس الإبداع بمسطرة البيروقراطية، أو يخضعه لقواعد العمل الإداري الروتينية، ذلك أنّ إدارة الفعل الثقافي تحتاج إلى إبداعٍ وتفكيرٍ خلّاق ينهض بالثقافة باعتبارها رافعةً وضرورة وطنية، أكثر من مجرد اعتبارها وظيفة إدارية ومسائل يومية تنتهي بانتهاء يوم العمل، مما يؤدي إلى تشميع الإبداع وتحنيطه في ممارسات شكلية تفتقر للعمق والرسالة، عدا عن هدر الموارد على مشاريع هشة لا تترك أثرًا حقيقيًا.
الإدارة الثقافية ليست سلطة تنظيمية قدر كونها إدارة إبداعية، تُسهم في حماية الذاكرة الوطنية، وتساعد في صياغة القواعد المجتمعية، وترفع من كفاءة الموارد البشرية، وكل ذلك يحتاج إلى إدارة واعية لدورها، محيطة بمشهدها، عارفةً لمسؤولياتها، وقادرة على أداء مهامها بما تملكه من خبرة ومعرفة.
اقرأ أيضا: حديقة في سوف تخليدا لروح الشيخ العلامة يوسف منديل العتوم
