فى منطقة الورديان غرب الإسكندرية يقف مسجد أسعد باشا باسيلى شامخًا منذ عشرات السنين، ليس باعتباره أحد دور العبادة فقط، بل كواحد من أهم الشواهد التاريخية التى تجسد قيم التسامح والتعايش بين أبناء الوطن، فالمسجد يحمل اسم رجل أعمال سورى الأصل ورغم أنه مسيحى قرر أن يبنى مسجدًا فى قصة إنسانية لا تزال تُروى حتى اليوم باعتبارها نموذجًا فريدًا للمحبة واحترام الآخر.
اقرأ أيضا: د. زينب حشيش : أميرات الفراعنة كُنَّ مُحاربات l حوار

يُعد المسجد من أبرز المعالم الدينية والتراثية فى غرب الإسكندرية، إذ يجمع بين القيمة التاريخية والطراز المعمارى المميز، فضلًا عن الرسالة الإنسانية التى ارتبطت بإنشائه، التى جعلته يحظى بمكانة خاصة فى قلوب أهالى المنطقة، الذين لا يزالون يطلقون عليه اسم “جامع باسيلى”، رغم أن اسمه الرسمى أصبح “مسجد الورديان” بعد ضمه إلى وزارة الأوقاف.
ويقول محمد رزق الباحث فى منطقة الإسكندرية للآثار: جاءت فكرة إنشاء المسجد ليكون قريبًا من مصنع الأخشاب الذى بناه، ليستطيع العمال وأهالى المنطقة أداء الصلوات بسهولة، ولم يتعامل باسيلى مع الأمر باعتباره مجرد مبنى، بل أراد أن يترك أثرًا يبقى لسنوات طويلة، فاختار قطعة أرض مناسبة، وكلف أحد كبار المهندسين فى ذلك الوقت بوضع تصميم يجمع بين جمال العمارة الإسلامية وجودة التنفيذ.

ويتابع رزق: بدأت أعمال البناء وفق أعلى المعايير المعمارية السائدة آنذاك، إلا أن القدر لم يمهل أسعد باشا باسيلى ليرى مشروعه مكتملًا، إذ تُوفى قبل الانتهاء من تشييد المسجد، لكن أبناءه أوفوا بوصيته، واستكملوا أعمال البناء حتى افتُتح المسجد واستقبل المصلين، ليظل يحمل اسمه تخليدًا لذكراه وتقديرًا لموقفه الإنسانى النبيل.
ويوضح: يتميز المسجد بتصميم معمارى فريد يعكس روعة الفن الإسلامى فى النصف الأول من القرن العشرين، حيث تتزين واجهاته بالبساطة والأناقة، بينما يكشف الداخل عن ثراء كبير فى التفاصيل المعمارية. فقد استُخدمت أجود أنواع الرخام فى الأرضيات والجدران، وزُينت القاعات بالزخارف الإسلامية والنقوش الهندسية والنباتية التى أضفت على المكان طابعًا روحانيًا مميزًا.
كما يتميز المحراب بتصميمه الدقيق وزخارفه المتقنة، بينما صُنِع المنبر من أخشاب عالية الجودة نُقشت يدويًا بزخارف إسلامية بديعة، ويعلوه سقف خشبى مزخرف يعكس براعة الصناع الذين شاركوا فى تنفيذ المسجد، وتزين قاعة الصلاة ثريات كبيرة صُنعت خصيصًا للمسجد، إلى جانب نوافذ تسمح بدخول الضوء الطبيعى، فتمنح المكان هدوءًا وسكينة يشعر بهما كل من يدخله.

ويصف رزق: المسجد تعلوه مئذنة ذات طراز معمارى مميز، أصبحت علامة بارزة فى منطقة الورديان، ويمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، بينما يضم المسجد ساحة واسعة تستوعب أعدادًا كبيرة من المصلين خاصة خلال شهر رمضان المبارك وصلاة العيدين، حيث يشهد إقبالًا كبيرًا من أبناء المنطقة، ويشير إلى أنه على مدار السنوات، لم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل تحول إلى مركز اجتماعى ودعوى، تُقام فيه الدروس الدينية وتحفيظ القرآن الكريم والأنشطة الاجتماعية، ليؤدى دورًا مهمًا فى خدمة المجتمع المحيط به، تمامًا كما أراد مؤسسه عندما قرر أن يكون المسجد مفتوحًا أمام الجميع، وبمرور الوقت تم ضُم المسجد لوزارة الأوقاف، وأصبح اسمه الرسمى “مسجد الورديان”، إلا أن أهالى الإسكندرية ظلوا متمسكين باسمه القديم، ليبقى “جامع باسيلى” حاضرًا فى الذاكرة الشعبية، فى تأكيد على أن الأعمال الإنسانية الصادقة لا تمحوها السنوات، ولا تنفصل قصة المسجد عن تاريخ مدينة الإسكندرية نفسها، التى اشتُهرت عبر العصور بأنها مدينة للتنوع والانفتاح، عاش فيها المصريون إلى جانب جاليات عربية وأوروبية ويونانية وإيطالية وأرمنية وشامية، وأسهم الجميع فى بناء نهضتها الاقتصادية والعمرانية والثقافية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يخرج من هذه المدينة نموذج إنسانى مثل أسعد باشا باسيلى، الذى رأى أن اختلاف العقيدة لا يمنع من خدمة الإنسان.

فيما يقول أحمد عبدالهادى أستاذ التاريخ الإسلامى المعاصر: وُلد أسعد باشا باسيلى فى سوريا، وانتقل إلى مصر فى أواخر القرن التاسع عشر، ليستقر بمدينة الإسكندرية التى كانت آنذاك مركزًا تجاريًا عالميًا يضم مختلف الجنسيات والثقافات، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يحقق نجاحًا كبيرًا فى مجال تجارة الأخشاب، حتى أصبح من كبار رجال الاقتصاد فى المدينة، كما شارك فى تأسيس الغرفة التجارية بالإسكندرية، وكان من الشخصيات المعروفة بنشاطها الاقتصادى والخيرى.
اقرأ أيضا: مدرب بادالونا يشيد بقوة الأهلي بعد الخسارة بثلاثية
ويضيف عبدالهادي: عُرف باسيلى بحرصه على توفير بيئة عمل مناسبة للعاملين لديه، إذ كان يمتلك مصنعًا كبيرًا للأخشاب بمنطقة الورديان، ولاحظ أن العمال المسلمين يضطرون إلى مغادرة العمل والسير لمسافات طويلة لأداء الصلوات لعدم وجود مسجد قريب، وهو ما كان يمثل مشقة كبيرة لهم، خاصة مع طبيعة العمل الشاقة.
ويضيف أستاذ التاريخ الإسلامى: لم تقتصر إنجازات باسيلى على إنشاء المسجد، فقد امتلك أيضًا قصرًا تاريخيًا بشارع فؤاد، تحول لاحقًا إلى متحف الإسكندرية القومى، أحد أبرز الصروح الثقافية بالمحافظة، الذى يضم آلاف القطع الأثرية التى توثق تاريخ المدينة منذ العصر الفرعونى وحتى العصر الحديث، ليظل اسم باسيلى مرتبطًا بمعلمين بارزين يجمعان بين التراث والإنسانية.
ويؤكد أن مسجد أسعد باشا باسيلى يمثل قيمة تتجاوز كونه مبنى أثريًا أو مسجدًا عريقًا، فهو رسالة حية تؤكد أن التعايش والتسامح كانا جزءًا أصيلًا من شخصية المدينة، وأن المبادرات الإنسانية الصادقة تظل باقية فى ذاكرة الشعوب مهما تعاقبت الأجيال.
ويبقى مسجد أسعد باشا باسيلى حتى اليوم مقصدًا للمصلين ومحبى التراث، وشاهدًا على قصة إنسان آمن بأن الخير لا يعرف دينًا أو لونًا أو جنسية، فترك للإسكندرية أثرًا خالدًا أصبح واحدًا من أجمل رموزها التاريخية والإنسانية، ورسالة متجددة تؤكد أن المحبة والعمل الصالح هما الإرث الحقيقى الذى يبقى عبر الزمن.
اقرأ أيضا: من قصر “زرفوداكي” إلى العالمية.. رحلة انطلاق جامعة الإسكندرية
اقرأ أيضا: مصر تقود معركة إنقاذ السلام بغزة
