ياسر وهبة.. لماذا عالج «العمليات النفسية» لحروب الجيل الرابع؟ – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مقر معهد البحوث والدراسات العربية، كان المشهد معبرًا، اللواء ياسر وهبة يدخل القاعة ومعه سنوات من الخبرة المهنية، التي حرص على تعميقها بالبحث والدراسة الأكاديمية على مائدة لجنة المناقشة نسخ من رسالته للدكتوراه، عشرات الصفحات يعلوها عنوان مهم: «العمليات النفسية وعلاقتها بحروب الجيل الرابع، وتأثيرها على الأمن القومي»، خلف العنوان سنوات من القراءة، التفكير، والمراجعة، لكن لجنة المناقشة، التي تقدر الخبرة المهنية، حرصت على الاقتناع بأن كل فكرة يطرحها الباحث يجب أن تقف على قدميها.

اقرأ أيضا: “البحوث الإسلاميَّة” يُصدر عدد ربيع الأوَّل من مَجَلَّة الأزهر بملفٍّ خاصٍّ عن المولد النبوي

قد يطرح بعض القراء أسئلة من قبيل: ما علاقتي كمواطن بالأمن القومي؟ وآخر: لماذا نهتم بالعمليات النفسية وحروب الجيل الرابع؟ إلى أي مدى تتقاطع مع حياتنا اليومية؟ قد يسأل ثالث: هل كل شائعة تصبح عملية نفسية؟ هل كل خبر منتشر يتحول إلى جزء من حرب؟ رابع: هل يمكن فعلًا أن تؤثر العمليات الموجَّهة في مجتمع بسهولة؟ خامس: كيف نعرف أن هناك محاولات منظمة للتأثير؟ سادس: إذا كانت وسائل التواصل جزءًا من التحدي، فهل الحل تقييدها؟ وقد يسأل سابع: ماذا عن النقد؟ هل يصبح كل رأي مخالف للدولة جزءًا من استهدافها؟

أطروحة اللواء ياسر وهبة للدكتوراه لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة الأساسية: كيف تصل الرسالة؟ كيف تؤثر؟ ومتى تتحول المعلومة إلى وسيلة لتشكيل موقف؟ لكنها تضع إطارًا أوسع من خلال البحث المعمق، والخبرة العملية، التي تمنح صاحبها القدرة على رؤية أشياء لا تظهر في الكتب، وإن كانت عمليات البحث والتقصي والمنهجية تدفعه إلى مراجعة التفاصيل. إلى السؤال عن الأدلة. إلى البحث عن الإجابات الأكثر واقعية.

موضوع الرسالة نفسه ينتمي إلى ملعب شديد الصعوبة والخطورة. المعارك التي تتكون منها الحروب الجديدة، خلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، أصبح محورها الرئيسي الناس. أقصد الرأي العام. تبدأ برسالة على الهاتف. تتسع بسبب صورة. تتغير نظرة مجموعة كاملة من البشر إلى حدث بسبب رواية كاذبة تكررها جهة معادية، عبر الإيحاء بأنها «حقيقة».

التأثير في الرأي العام أصبح لا يحتاج، غالبًا، إلى مشهد درامي كبير. يكفي أحيانًا أن يتغير ما يعتقده الناس. نعيش ذلك يوميًا في المشهد العام. خبر يُجرى ترويجه دون معرفة مصدره. فيديو ينتشر قبل معرفة وقت وملابسات تصويره. تعليق غاضب يجد طريقه إلى آلاف الشاشات. ثم يبدأ النقاش حول شيء مجهول المصدر، لم يبادر المنفعلون، وهم يشمرون عن سواعدهم، إلى التحقق من أصله. المشكلة ليست في التكنولوجيا فقط، بل في المسافة التي تختفي بين وصول المعلومة وتكوين الموقف، حتى وإن لم يكن هناك ما يبرر التفاعل معه.

لهذا يصبح الحديث عن العمليات النفسية مهمًا ومفهومًا عندما يخرج من عباءته المتخصصة ويدخل إلى حياتنا اليومية. التأثير في الناس قديم. لكن أدواته تغيرت. الرسائل أصبحت أسرع. الوصول إلى الرأي العام في النطاقات المستهدفة بالتآمر أصبح أوسع. إمكانية تكرار الرسائل دون توقف أصبحت متاحة تكنولوجيًا. هذه المعطيات تجعل دراسة التأثير التي عالجها د.ياسر وهبة شديدة الأهمية، خاصة عندما ترتبط التداعيات بمصالح دولة أو أمن مجتمع.

أُدرك أن التعامل مع هذا الملف الشائك يحتاج إلى عقل هادئ، فليس كل خبر كاذب جزءًا من عملية منظمة. ليس كل اختلاف علامة على استهداف. من هنا كان الحرص على البحث الجيد الذي يبدأ من الوقائع، ثم يفسر العلاقة بينها، من أجل الوصول إلى فهم يخدم الأمن القومي. نعم، الدولة تحتاج إلى قوات مسلحة قوية. هذا أمر مفروغ منه ولا يحتاج إلى شرح مطول، في ظل ما يجري العمل عليه طوال الـ13 عامًا الماضية باهتمام كبير من القيادتين السياسية والعسكرية. لكن الدولة تحتاج أيضًا إلى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع المعلومات وقت الأزمات.

تحتاج إلى أن تعزز المؤسسات التواصل بوضوح. تحتاج أيضًا إلى مواطن لا يسمح للخبر الأول، تحريضيًا أو عدائيًا، بأن يقوده إلى الاحتقان والغضب. لا يسمح للرواية الأعلى صوتًا بأن تصبح حقيقة. هذا الجانب يمس حياة الناس مباشرة. حين تنتشر معلومة خاطئة، تنتقل من التليفون إلى المشهد العام. قد تؤثر في قرار شخص. قد تثير خوف أسرة. قد تشعل خلافًا بين مجموعة من الناس. قد تتراكم الأخطاء الصغيرة حتى يصبح التعامل مع الأزمة أصعب.

وعليه، لا يمكن فصل أمن المجتمع عن الطريقة التي يتلقى بها المعلومات. في هذه النقطة تحديدًا تبدو الخلفية العسكرية للباحث، د.ياسر وهبة، مهمة. هو لا يدرس الموضوع من مكتب مكيف. يختلط بالقادمين من كل المحافظات. يعرف طبيعة المسئولية. يعرف قيمة المعلومة، وأهمية التعامل معها في الوقت المناسب. يعرف أن تقدير الموقف لا يحتمل كثيرًا من التخمين. اختار أن يضع هذه المعرفة في إطار أكاديمي. وكما أعرف، ويعرف غيري بالطبع، يتطلب ذلك الصبر على البحث.

الرسالة الأكاديمية محاولة لبناء معرفة يمكن مناقشتها. هذا ما يجعل المناقشة نفسها مهمة. الباحث لا يقدم ما كتبه كأمر واجب القبول. يقدم طرحه لكي تسأله اللجنة. لكي تناقشه. لكي تشير إلى مواضع القوة وتبدي ملاحظاتها، حتى يخرج البحث من يد صاحبه إلى المجال العلمي، ثم العملي. اللواء ياسر وهبة لا يكتفي بما صنعته سنوات الخدمة في شخصيته المهنية. أراد أن ينجز شيئًا يمكن الرجوع إليه. فكرة مكتوبة. تحليلًا يمكن مناقشته. مادة قد يجد فيها باحث آخر نقطة يبدأ منها بحثًا جديدًا. هكذا تتحول الخبرة إلى معرفة قابلة للتداول العام.

وصوله إلى قاعة معهد البحوث والدراسات العربية لم يكن نزهة. ولا رغبة في تعزيز الـ«C.V» الشخصي، أو حتى بحثًا عن شهرة، فهو زاهد فيها. المؤسسة العسكرية تصبغ أبناءها بصبغة واحدة في الروح. روح فريق العمل المتكاتف، الذي يعمل في صمت، ويحسم بقوة. الموضوع الذي اختاره وعمل عليه طوال الفترة الماضية، مدعومًا بسجل وظيفي حافل بالمحطات، يوضح أنه يبحث في شيء يسهم في خدمة الدولة والمجتمع، حتى يصبح لدى الرأي العام مناعة، ولا يتحول إلى مساحة للصراع فيما يراه، ما يصدقه، وما يرفضه. وفي اللحظة التي يصبح فيها تشكيل الموقف هدفًا.

المعنيون بالرسالة ليسوا العسكريين ولا الأمنيين ولا المؤسسات الرسمية فقط، بل كل شخص لديه تليفون محمول، ويتلقى الأخبار ويكوّن منها رأيًا. من هنا، أنظر إلى مناقشة رسالته للدكتوراه بصورة مختلفة، كونها اختبارًا لما وصل إليه صاحبها. شهور من القراءة والكتابة كانت تنتظر وقت الأسئلة المباشرة من اللجنة الرصينة: لواء د.سمير فرج، لواء د.محمد الغباري، أ. د.محمد كمال، وأ. د.رنا عبد العال: لماذا اخترت هذا المدخل؟ كيف أثبت هذه النتيجة؟ ما حدودها؟ ماذا يمكن أن يُبنى عليها في المستقبل؟

أسئلة تبدو بسيطة في شكلها، لكنها تكشف مقدار ما تتضمنه صفحات الرسالة من معالجات. وفي المقابل، يدافع اللواء ياسر عن أفكاره بعدما مرت بما يكفي من الفحص لتستحق النقاش. لحظات يلتقي فيها العمل العسكري بالبحث العلمي. لكل منهما قواعده. ولكل منهما حسابه. هناك قناعة مفادها أن رسالة دكتوراه واحدة لن تغير العالم. هذه حقيقة يدركها الباحث وفريق المناقشة. لا تنتقص من قيمة العمل. لكنها توضح أن البحث الجيد لا يدعي حل كل شيء. فقط، يضيف معرفة. يضع المشكلة في إطار أوضح. يفتح بابًا لأسئلة أخرى. وربما يمهد الطريق لمن يريد أن يقرأها ويناقشها ويضيف إليها.

لم تتغير الحرب فقط لأن السلاح أصبح أكثر تطورًا. تغيرت لأن الإنسان نفسه أصبح جزءًا من ميدانها بطريقة مختلفة ومؤثرة. قبل عقود، كان الخطر يصل إلى الناس غالبًا عبر التحركات العسكرية. حاليًا، يصل أسهل وأسرع في صورة معلومة، شائعة، أو رواية تسبق الحدث نفسه. اتسعت المساحة التي تتحرك فيها الصراعات. مسارح العمليات التقليدية تغيرت نسبيًا. لم تعد الميادين: برية، بحرية، وجوية. القوة الناعمة، وفي القلب منها وسائل الإعلام الجديدة وشبكات التواصل، تتسرب إلى البيوت في نعومة عبر التليفونات المحمولة وغيرها. وسائلها قرّبت العالم كله من بعضه البعض. مدت الجسور بين الشعوب، حتى لو كان الحدث على بُعد آلاف الكيلومترات.

المستجدات التي أشير إليها، وظل يفكر فيها د.ياسر وهبة طوال إعداد الرسالة، لا تعني أن الحروب التقليدية اختفت. الجيوش لا تزال موجودة. الأسلحة ما زالت تحسم معارك كثيرة، لكن استخدامها لم يعد كافيًا وحده لفهم الصورة. يمكن أن تبدأ الضغوط قبل استخدام القوة العسكرية، وقد تستمر بعد توقفها. بين البداية والنهاية هناك مساحة كبيرة يمكن أن تتغير فيها مواقف الرأي العام المستهدف وتصوراته. في الماضي، كان وصول الخبر إلى الرأي العام يحتاج إلى صحيفة، أو إذاعة، أو نشرة تلفزيونية. كان أمام المؤسسات الإعلامية التقليدية وقت للتحقق والمراجعة وطريقة تقديم المحتوى.

الآن، قد تنتشر الرواية الأولى خلال ثوانٍ أو دقائق. قد تصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن تظهر الرواية الرسمية. عندما تصل الحقيقة، تكون القناعة الأولى، بغض النظر عن مصداقيتها، قد أخذت مكانها بالفعل. هذه السرعة غيّرت شيئًا أساسيًا في طريقة إدارة الصراع. لم تعد السيطرة على المعلومة مرتبطة بمن يملكها فقط. أصبحت مرتبطة أيضًا بمن يستطيع نشرها، من يستطيع تكرارها، ومن يجد طريقًا إلى الجمهور المناسب. قد تكون الرواية الكاذبة الأكثر انتشارًا. قد تكون الرواية الأسهل فهمًا والأكثر إثارة، والأسرع وصولًا.

هنا تظهر أهمية الصورة. صورة واحدة يمكن أن تختصر قصة كاملة في ثوانٍ. لكنها قد تكون قديمة. أو مأخوذة من مكان آخر. أو مقطوعة من سياقها. مع ذلك، قد تؤدي وظيفتها قبل أن يسأل أحد عن مصدرها. الإنسان بطبيعته يميل إلى ما يراه، لذا أصبحت الصورة أحيانًا أقوى. الأمر نفسه ينطبق على الفيديو. مقطع قصير قد يمنح المشاهد انطباعًا كاملًا عن حدث معقد.لكنه لا يخبره بالضرورة بما سبقه أو بما حدث بعده. الخطر أن يصبح الجزء بديلًا عن الصورة الكاملة، وأن يبني الإنسان موقفه على ثوانٍ قليلة، ثم يدافع عنه وكأنه شاهد الحكاية كلها.

حتى اللغة نفسها أصبحت جزءًا من الصراع. اختيار كلمة واحدة قد يغير طريقة استقبال الجمهور للخبر. «الهجوم» غير «الاشتباك». «الانهيار» غير «التراجع». و«الكارثة» غير «الخسائر». الكلمات لا تكتفي بنقل الحدث بل تمنحه تفسيرًا جاهزًا. من يسبق إلى تسمية الحدث، قد ينجح في تحديد الطريقة التي ينظر بها الناس إليه. هذا يفسر، في تصوري، لماذا أصبح الرأي العام طرفًا حاضرًا في الصراعات الحديثة. ليس لأنه يحمل سلاحًا. بل لأنه يستطيع أن يؤثر في البيئة التي تتحرك داخلها الدولة. المواطن يكوّن موقفًا. الموقف يؤثر في النقاش العام. والنقاش يضغط على المؤسسات.

في الأزمات، قد يصبح التفاعل سريعًا إلى درجة يصعب معها الفصل بين الخبر ورد الفعل عليه، لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية. المواطن لم يعد متلقيًا للمعلومات فقط. أصبح ناشرًا أيضًا. يمكنه تصوير الحدث. التعليق عليه. إعادة نشره بغض النظر عن خبرته من عدمها. من هنا، تنتشر المعلومات الخاطئة بقصد أو بدونه. هذه المشاركة الواسعة جعلت المجال العام أكثر سيولة. جعلته أيضًا أكثر عرضة للفوضى. كل شخص أصبح يملك نافذة، وغالبًا ليس كل ما يخرج منها دقيقًا، لا يجعلنا هذا ننظر إلى التكنولوجيا باعتبارها المشكلة. التكنولوجيا أداة. يمكن استخدامها في المعرفة كما يمكن استخدامها في التضليل.

المشكلة الحقيقية تتعلق بكيفية استخدام هذه التكنولوجيا. من يملك القدرة على إنتاج الرسائل. من يعرف الجمهور الذي يخاطبه. كيف يختار التوقيت. كيف يعيد الرسالة عندما لا تحقق أثرها من المرة الأولى. لهذا لم تعد الحرب إجابة لسؤال: من يملك القوة الأكبر؟، فالسؤال الآخر: من يستطيع التأثير في البيئة التي تجري فيها المواجهة أو المواجهات المفتوحة؟ لا يلغي هذا أهمية القوة العسكرية، لكنه يضيف إليها مستوى آخر. القوة قد تحسم موقعًا جغرافيًا في مسرح عمليات، أما تشكيل الإدراك فقد يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس ما حدث في هذا الموقع.

الأخطر في هذا التحول أن أثره وتداعياته لا تظهر دائمًا وقت حدوثه. قد تنتشر فكرة اليوم، ثم تظهر نتائجها بعد أسابيع أو أشهر وربما أعوام. قد تتراكم روايات صغيرة حتى تصبح صورة ذهنية كاملة. قد يفقد الناس ثقتهم في مصدر ما بسبب سلسلة من الرسائل المتناقضة. عندها لا تكون المشكلة في خبر واحد، بل في تراكم طويل يصعب تفكيكه.

هذه التطورات تعني، في تصوري، أن وظيفة الدولة تتغير أيضًا. لم يعد المطلوب منها أن تعرف ما يحدث على الأرض فقط. أصبحت معنية بمعرفة نظرة الناس له، وكيف يروه. أن تفهم الأسئلة التي تدور بينهم. أن تميز بين القلق الطبيعي وبين حالة يجري دفعها في اتجاه معين. أن تتعامل مع المعلومات بسرعة، لكن دون أن تستبدل السرعة بالدقة. أن تعرف متى تتحدث، ماذا تقول، وكيف تشرح دون أن تزيد من ارتباك الناس. أن تدرك أن ترك مساحة خالية من المعلومات لا يعني أن هذه المساحة ستظل فارغة، فغالبًا ما سيملؤها آخرون برواياتهم وتفسيراتهم.

لا يعني ذلك أن تتحول الدولة إلى طرف في كل نقاش، أو أن تحاول الإجابة عن كل ما يقال. المطلوب أن تكون حاضرة عندما تكون المعلومة مؤثرة، وأن تقدم ما يكفي من الحقائق التي تساعد الناس على تكوين موقفهم بأنفسهم. الثقة ليست بكثرة البيانات، بل بصدقها، واتساقها، وقدرة الناس على اختبارها مع الوقت. في أوقات الأزمات تحديدًا، تصبح المعلومة الدقيقة جزءًا من إدارة الأزمة، وليس تعليقًا عليها.

هذا ما يجعل فهم التغير ضروريًا، لأن الدولة التي ترى نصف الصورة قد تتخذ قرارًا صحيحًا في المكان الخطأ، أو في الوقت الخطأ، أو استنادًا إلى فهم ناقص لما يجري حولها. لعل أهم ما يميز هذا التحول أن الإنسان أصبح حاضرًا في قلبه. لم يعد الشخص ينتظر نتيجة المعركة، بل أصبح جزءًا من البيئة التي يمكن أن تؤثر في مسارها. ما يصدقه مهم. وما يرفضه مهم. وما ينشره مهم. وحتى صمته قد يكون له أثر في بعض الظروف. لذلك أصبحت دراسة سلوك الناس جزءًا من فهم الصراع نفسه.

أرى أن هذه خلفية تمهد لأهمية معالجة ملف العمليات النفسية وحروب الجيل الرابع. المسألة أكبر من تطور في وسائل الاتصال. نحن أمام تغير في طريقة استخدام الوسائل نفسها في الصراعات الإقليمية والدولية. ليس فقط كيف تصل الرسالة إلى الناس، بل كيف يمكن أن تُستخدم الرسالة للتأثير في إدراكهم ومواقفهم، وماذا يحدث عندما يصبح ذلك جزءًا من صراع يتعلق بالدولة وأمنها.

لن أفعل كغيري عند الحديث عن العمليات النفسية، عبر الإيحاء للقارئ بوجود جماعة تجلس في غرفة مغلقة، تخطط لكل ما يقوله الناس ويفكرون فيه. الفكرة الأساسية أبسط من ذلك: رسائل مصممة للتأثير في الإدراك، المشاعر، والسلوك، تُوجَّه إلى الجمهور المستهدف وفق ظروف محددة. هنا يظهر الفرق بين المعلومة، «تخبرك بشيء»، والتأثير، «محاولة دفعك إلى تفسير معين، أو موقف معين، أو سلوك معين». قد تستخدم حقيقة كاملة، أو جزءًا من الحقيقة، وقد تعتمد على معلومة غير صحيحة. المهم النتيجة التي تريد الوصول إليها، والطريقة التي تم اختيار الرسالة لتحقيق هذه النتيجة.

الرأي العام نقطة البداية في العملية. لا يمكن التأثير في الناس دون معرفة ما يخشونه، ما يغضبهم، ما يثقون به، وما ينتظرونه. العمليات النفسية لا تبدأ بالرسالة وحدها، بل بفهم طبيعة الجمهور المستهدف أولًا. الكلمات التي تؤثر في مجموعة قد لا تعني شيئًا لمجموعة أخرى. ما يثير قلق مجتمع قد لا يثيره في مجتمع ثانٍ. هنا تكمن خطورة الملف، فالرسالة الناجحة قد لا تكون الأعلى صوتًا، بل هادئة جدًا، أو تبدو عادية. قد تكون في صورة سؤال، تعليق، أو قصة شخصية تتكرر بقدر يجعلها مألوفة. مع الوقت، يتعامل معها البعض كحقيقة لمجرد أنهم سمعوها مرات عدة، فتسمع من يقول: «قريت على النت. شوفت على الفيس. وسمعت على اليوتيوب».

التكرار، فقط، لا يصنع الحقيقة، لكنه يؤثر في الذاكرة. في الانطباع. هذه نقطة يعرفها كل من يتابع كيفية انتشار الأفكار في المجتمع. عبارة تظهر في أكثر من مكان، نسمعها من أشخاص مختلفين، وبعد فترة نشعر أننا نعرفها منذ زمن. ننسى أحيانًا أين سمعناها أول مرة. المسافة بين التذكر والمصدر يمكن استغلالها. لا يتعلق الأمر دائمًا بالكذب الصريح. أحيانًا يكون التأثير في اختيار ما يقال وما لا يقال. عرض صورة واحدة وإخفاء بقية المشهد يقود إلى انطباع مختلف. التركيز على خسارة هامشية وتجاهل مكاسب قومية يصنع رؤية معينة. استخدام رقم دون تفسيره يعطي إحساسًا مختلفًا. في كل هذه الحالات، تصبح طريقة تقديم المعلومات جزءًا من تأثيرها.

من هنا نفهم لماذا لا يمكن فصل العمليات النفسية عن البيئة الإعلامية. الإعلام لا يصنع الحروب، لكنه يستطيع أن يؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس معاركها. عندما تدخل شبكات التواصل الاجتماعي إلى الصورة، يصبح الأمر أكثر صعوبة. المتلقي يمكنه أن يتحول إلى ناقل. الناقل يمكنه أن يصبح مصدرًا. المصدر قد لا يعرف أصل ما ينقله. هذه الدائرة السريعة تجعل ضبط المعلومة أكثر صعوبة. خبر غير دقيق يبدأ من حساب صغير، ويعيد نشره عدد من المستخدمين، ثم تلتقطه صفحات أكبر، ويصل بعد ذلك إلى جمهور واسع. في النهاية، قد يختفي السؤال الأهم: من أين بدأ الخبر؟ يصبح التركيز على انتشاره، كأن كثرة المتداولين دليل على صحته، فيترسخ التضليل!

هنا نجد أنفسنا وجهًا لوجه مع حروب الجيل الرابع، طبعًا، تطورت إلى الخامس والسادس خلال السنوات الأخيرة، عبر التكنولوجيا الخارقة، والذكاء الاصطناعي، والتحكم في البنية التحتية عن بُعد.المفهوم نفسه يحتاج إلى قدر من الحذر. حروب الجيل الرابع، ببساطة، استخدام أساليب ووسائل تتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة في الصراعات. لا أتفق مع من يختزلون المفهوم في الشائعات، ووسائل التواصل، كونهم يقللون من تداخل أدوات متعددة، مركبة، فضلًا عن استغلال نقاط ضعف موجودة في البيئة المستهدفة.

قد تصنع أدوات تآمرية متحالفة في الداخل والخارج أزمات متنوعة تستهدف الثقة العامة، وزعزعة الاصطفاف. قد يكون السبب خطابًا متوترًا، أو ضعف تواصل مؤسسي، والأخطر، من وجهة نظري، استغلال شريحة من الجمهور اعتادت البحث عن كل ما يؤكد مخاوفها. في هذه الحالات، لا يحتاج الطرف الآخر إلى اختراع المشكلة. يكفي أن يعرف كيف يستفيد منها، فنجد أنفسنا أمام واحدة من أهم أفكار هذا النوع من الصراع. الخصم لا يصنع دائمًا الخلاف من الصفر، لكنه يبحث عن خلاف قائم بالفعل، يضخمه. قد يلتقط شعورًا موجودًا، ثم يدفع به عبر الترويج في اتجاه تحريضي أو غيره. قد يستخدم حادثة محدودة، ثم يقدمها كدليل على أزمة عامة، فيتحول الحدث الصغير إلى مادة لصناعة أزمة أكبر.

قبل أن تعترض، دعني أقول لك: بالتأكيد، المجتمع ليس مادة خامًا سهلة التشكيل. لديه قدرة على الرفض والمراجعة. هناك دوائر عدة تؤدي أدوارها النسبية المتغيرة: الأسرة، المدرسة، المؤسسات الرسمية، وغيرها، وخبرات متراكمة. كلما زادت قدرة الناس على السؤال والتحقق، أصبحت مهمة التأثير السلبي أكثر صعوبة. لذا، لا يتعلق الأمر بالرسائل فقط، بل بمستوى المناعة الفكرية والاجتماعية لدى الجمهور. بقدرته على التعامل مع الضغط دون فقدان توازنه. من ثم، يصبح الوعي مفهومًا عمليًا، لا مصطلحًا مفرغًا من مضمونه في الفضاء العام.

المواطن الواعي ليس شخصًا يشك في كل شيء. ليس شخصًا يصدق كل شيء. شخص يعرف أن الخبر يحتاج إلى مصدر، أن الصورة تحتاج إلى سياق، أن الغضب ليس دليلًا، وأن سرعة الانتشار لا تمنح المعلومة صفة «الحقيقة». قواعد ليست بسيطة، بل شديدة الصعوبة، خاصة عندما يكون الإنسان خائفًا أو غاضبًا. في الأزمات، لا يجب أن نتوقع تصرف الناس دائمًا بعقلانية. يبحثون عن إجابة سريعة، يميلون إلى من يطمئنهم أو يؤكد مخاوفهم. بالتالي، يمكن للرسالة المصممة بعناية أن تجد طريقها بسهولة أكبر. لذلك ترتبط العمليات النفسية المعادية بالظروف التي تشغل الرأي العام، وكيفية استغلالها.

أرى أن الأمر نفسه ينطبق على «الثقة». إذا كان المواطن يثق في مؤسسة ما، فسوف يستقبل رسالتها بطريقة مختلفة عن شخص نزعزع ثقته بها. إذا كانت المسافة بين المؤسسة والجمهور كبيرة، يصبح أي فراغ معلوماتي فرصة للروايات الأخرى، السطحية أو المشبوهة. مواجهة التأثير لا تبدأ دائمًا بالرد على كل منشور. قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عبر بناء علاقة مستقرة بين المؤسسات والرأي العام. من الخطأ أن يتصور البعض مواجهة العمليات النفسية عبر منع الناس من الاختلاف. المجتمع الطبيعي يختلف. الصحفي ينتقد.المواطن يسأل. الباحث يعترض. والسياسي يناقش.

هذه ليست نقاط ضعف. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى أداة لهدم الثقة، أو عندما يجري استخدام معلومة كاذبة لدفع الرأي العام إلى موقف لا يستند إلى وقائع. هنا تتضح المسافة بين النقد، «محاولة تغيير رأي من خلال الحجة»، والتأثير الموجَّه، «السعي إلى تغيير السلوك عبر التخويف، والخداع، واستغلال معلومات موجهة.. .إلخ». وعليه، فالحماية الأفضل للمجتمع تتطلب أن يصبح الناس أكثر قدرة على التمييز بين السؤال المشروع والرسالة المفخخة.

حروب «الجيل الرابع» لا تعني أن الحرب أصبحت مختلفة تمامًا، لكن البيئة التي تدور فيها الصراعات أصبحت أكثر تشعبًا. الأدوات القديمة لم تختفِ، بل باتت تعمل إلى جانب أدوات أخرى. تتداخل القوة العسكرية، المعلومات، الاقتصاد، الإعلام، والتأثير في الرأي العام، في أزمة واحدة. لذا يصعب فهم أي صراع من زاوية واحدة. هذا التداخل يفسر جانبًا من أهمية الدراسة التي ناقشها اللواء ياسر وهبة. لا تتوقف عند وصف الأدوات، بل تهتم بالعلاقة بينها. كيف يمكن للتأثير النفسي أن يخدم هدفًا أمنيًا أو سياسيًا؟ كيف يمكن لأثر محدود في مجموعة صغيرة أن يمتد إلى المجتمع؟ متى يصبح ما يحدث على مستوى الرأي العام مسألة تمس أمن الدولة؟

اقرأ أيضا: ضبط 19.4 طن سلع تموينية بدون فواتير في حملة مكبرة بشمال سيناء

أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة تصلح لكل أزمة وكل دولة. لكل مجتمع تركيبته وظروفه، ولكل أزمة توقيتها. من هنا، فقيمة البحث في ترتيب عناصر المشكلة بطريقة تسمح بفهمها: ماذا يحدث؟ لماذا يحدث؟ من يتأثر بالحدث؟ وكيف يمكن التعامل معه؟.. الهدف أن تكون الدولة قادرة على حماية المجال العام من التضليل المنظم، مع إبقاء مساحة الاختلاف مفتوحة. يعني أن تكون المؤسسات قادرة على تقديم معلومات موثوقة في الوقت المناسب، وأن يكون المواطن قادرًا على التعامل معها بعقل لا تحركه أول موجة غضب.

الفارق لا تصنعه رسالة واحدة. تصنعه القدرة على تراكم التأثير. خبر وراء خبر. صورة وراء صورة. فيديو وراء فيديو، أزمة وراء أزمة. شك يتبعه شك. في لحظة معينة، يصبح التعامل مع النتائج أصعب من التعامل مع السبب الأول. عندما يصل التأثير إلى وعي المجتمع، فهو ليس شأنًا إعلاميًا فقط. يتحول إلى ملف أمن قومي، وهو مفهوم لا يقتصر على حماية الحدود ومصالح الدولة في الإقليم، بل في صورة مجتمع قادر على التعامل مع الضغوط. مؤسسات تعرف ماذا تقول، متى تقوله، وكيف تشرح للناس ما يحدث دون تهويل أو ارتباك، فتظهر قيمة الثقة.

المواطن الذي يثق في مؤسساته لا يصدق كل ما يقرأه لمجرد أنه ينتقدها، على عكس شريحة تتعامل مع أي روايات بديلة أو تفسيرات جاهزة، سواء بسبب سوء الفهم، أو القلق، أو تعمد البحث عن معلومة سريعة، لكن السرعة لا تكفي. المعلومة الخاطئة إذا وصلت بسرعة تزيد المشكلة، تحولها إلى أزمة. شريحة لا تدرك أن الدولة تتحدث عندما تكون المعلومات كافية، وأن تصحح عندما يكون التصحيح ضروريًا، كون الصراحة أكثر فاعلية من الإجابات المصطنعة.

تتداخل مسئوليات المؤسسات، أمنيًا، إعلاميًا، تعليميًا، دينيًا، ثقافيًا، واجتماعيًا، ليس لأن كل مؤسسة مطالبة بمواجهة العمليات النفسية مباشرة، بل لأن قدرة المجتمع على التماسك لا تصنعها جهة منفردة. جهد شامل تتقاطع فيه المؤسسات المعنية، ويظهر أثره وقت الأزمات، دون تغييب للمواطن نفسه. الدولة لا تستطيع أن تتحقق من كل رسالة تصل إلى كل هاتف محمول. لا تستطيع أن ترد على كل منشور. ولا يجوز أن تفعل ذلك. جزء من الحماية يبدأ من الفرد.هل يعرف مصدر الخبر؟ هل قرأه كاملًا؟ هل شاهد ملابسات الصورة والفيديو قبل إعادة نشرهما؟ هو شريك في صناعة صورة الدولة داخليًا وخارجيًا. مساهم بوعيه الحقيقي، لا الإنشائي، في قدرتها على إدارة علاقاتها، مجابهة التحديات، والتعامل مع الصراعات.

أي محاولة لتفكيك الموضوع وحصره في وسائل التواصل تنتج فهمًا غير مكتمل. العمليات النفسية قد تستخدم المنصات الرقمية، وتتحرك أيضًا عبر الإعلام، الخطاب السياسي، الشائعات، الرموز، وحتى استثمار الأحداث الطبيعية أو الأزمات الإنسانية بصورة ووسائل عدة. أخطر التأثيرات قد لا تظهر مباشرة في ظل محاولات معادية لخفض الثقة في المؤسسات، نشر الشعور بالعجز، تثبيط الإرادة، والإيحاء بأنه لا شيء يمكن إصلاحه. تضخيم أخطاء محدودة حتى تبدو قاعدة عامة. عمليات نفسية لا تحدث في يوم واحد، لكنها تتراكم، وتحول المشكلة من محتوى مشبوه إلى قضية عامة.

حماية الأمن القومي، في تصوري، لا تعني أن الدولة يجب أن تبدو بلا أخطاء. كل فعل بشري يحتمل الخطأ والصواب. أدلل دائمًا بأن شريحة من الصحابة، رضوان الله عليهم، أخطأت بمخالفة تعليمات الرسول ﷺ في غزوة «أُحد»، رغم أن الدعوة الإسلامية كانت لا تزال حديثة، طازجة، وبالتالي، لا وجود لمجتمع بدون أخطاء. كل مؤسسة تخطئ. كل قرار يمكن أن يخضع للنقد.المجابهة الوطنية تحتاج إلى مجتمع يشعر بأنه شريك في فهم ما يحدث، لكن النقد لا يجب أن يقود إلى الفوضى، فهناك فرق بين الاعتراض الذي يساعد على التصحيح ومحاولات هدم الثقة بوقائع كاذبة.

المعرفة جزءًا من القدرة الدفاعية للمجتمع. أقصد، فهم البيئة التي تتحرك فيها الدولة. في المقابل، متابعة اتجاهات الرأي العام. والانتباه إلى المتغيرات التي قد تبدو صغيرة في بدايتها. ما يبدو هامشيًا اليوم قد يصبح مهمًا غدًا إذا استمر وتراكم. من هنا يمكن فهم العلاقة بين العمليات النفسية والأمن القومي بصورة أكثر واقعية كونها شديدة الدقة. هناك محاولات للتأثير، وهناك بيئة قد تجعل بعضها أكثر نجاحًا. هناك دولة تستطيع أن تقلل أثرها إذا امتلكت مؤسسات فعالة، ومعلومات موثوقة، ومجتمعًا يعرف كيف يتعامل مع الرسائل التي تصله، بحيث لا يتجاهل إشارات الخطر التي قد تمنح خصوم الدولة فرصة لاستغلالها.

لهذا تكتسب الأطروحة التي ناقشها اللواء ياسر وهبة قيمة فكرية، كونها قراءة متأنية. فلا دولة تستطيع أن تمنع كل محاولة للتأثير، ولا مجتمع يمكن عزله عن العالم، ولا مؤسسة تستطيع وحدها أن تحمي الناس من كل معلومة مضللة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين مجتمع يتلقى كل شيء بلا تمحيص، ومجتمع يعرف كيف يسأل. عندها يصبح الأمن القومي أقرب إلى حياة الناس مما يبدو. يتجسد في ثقة المواطن. في قدرة المؤسسات على التواصل. في قدرة المجتمع على تحمل الخلاف. في طريقة التعامل مع الخبر وقت الأزمة، وفي قدرة الدولة على اكتشاف محاولات التأثير قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر.

جانب يجعل موضوع الرسالة مهمًا خارج قاعة المناقشة. فالأبحاث، قيمتها الحقيقية تظهر عندما تساعد في فهم ما يحدث حولنا، وعندما تجعلنا أكثر قدرة على التمييز بين الخطر الحقيقي ومحاولات الشوشرة الموجهة. بين النقد والمعلومات المضللة. بين الخلاف الطبيعي ومحاولات استغلاله. الأمن القومي لا ينتهي عند حماية الدولة من الخارج. هناك عمل آخر يجري في الداخل: حماية القدرة على التفكير. حماية الثقة من التآكل. حماية المجتمع من الاستقطاب الذي يحوله إلى مجموعات لا تسمع بعضها، وحماية المجال العام من أن يصبح مكانًا تنتصر فيه المعلومة الأكثر إثارة، لا المعلومة الأكثر دقة، لهذا اختار اللواء ياسر وهبة أن يضع القضية تحت المجهر الأكاديمي.

ليس من السهل أن يجمع الإنسان بين مسئوليات العمل ومتطلبات البحث. لكل منهما إيقاعه. العمل يطلب قرارًا في وقته، بينما البحث يطلب وقتًا للسؤال والمراجعة. قد تعرف الإجابة الأولى، ثم تكتشف بعد القراءة أن السؤال نفسه يحتاج إلى إعادة صياغة. هنا يبدأ الاختبار الحقيقي لأي شخص يسلك الطريق الأكاديمي بعد سنوات طويلة من العمل، كما في حالة اللواء ياسر وهبة. لديه نقطة بداية لا تتوفر للباحث الذي يتعرف إلى الموضوع من الكتب والمراجع فقط. لديه خبرة مهنية طويلة. رأى طبيعة العمل من الداخل. تعامل مع المعلومات كأحد عناصر القرار، ثم انتقل إلى مساحة مختلفة، شرح خلالها الخبرة بلغة البحث، لا بلغة الممارسة وحدها.

الانتقال ليس بسيطًا. الخبرة تقول للإنسان: لقد رأيت هذا من قبل. أما البحث فيسأله: هل ما رأيته يصلح قاعدة عامة؟ ما الدليل؟ هل توجد تفسيرات أخرى؟ متى تتوقف صلاحية هذه الملاحظة؟ أسئلة قد تكون مزعجة أحيانًا، لكنها ضرورية، لأنها تمنع التجربة الشخصية من التحول إلى حكم عام دون اختبار حقيقي وواقعي. هو باحث متميز، لا يخشى الأسئلة. يعرف أن التجربة نقطة بداية، لكنها ليست نهاية الطريق.

كان من المهم أن يتعامل مع موضوعه بأدوات أكاديمية: القراءة المنظمة، المقارنة، تحليل الأفكار، مراجعة المصادر، وربط النتائج بالسؤال الذي بدأ منه. بهذه الطريقة يصبح ما يعرفه من العمل مادة للبحث، لا بديلًا عن البحث. هنا تظهر قيمة السلك الأكاديمي في تعزيز المنهجية: ماذا يقول البحث؟ كيف يعبّر عن الفكرة؟ وما الذي يمكن إثباته؟ تتلاقى الخبرة والتأصيل الفكري، الأولى تحتاج إلى منهج، والثاني يحتاج أحيانًا إلى معرفة الواقع.

أطروحة الدكتوراه نفسها يتداخل فيها السياسي والاجتماعي. المعلوماتي مع النفسي، الاقتصادي مع الأمني. كلما زادت تعقيدات المشكلة، زادت الحاجة إلى تعدد زوايا النظر إليها. هذه نقطة مهمة في أطروحة اللواء ياسر وهبة، السنوات الطويلة في العمل تمنح الإنسان معرفة بطبيعة البشر. يعرف أن القرار لا يتحرك في فراغ، وأن وراء كل معلومة شخصًا، وأن وراء كل تقدير ظروفًا، وأن الخطأ في قراءة الموقف قد يبدأ من تفصيل صغير. هذه خبرة لا تظهر في الكتب بسهولة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تجد طريقها إلى الدراسة والتحليل. استخدم خبرته المهنية ليبدأ منها نقاش الموضوع. تحولت الخبرة إلى مادة للبحث، في حالة تجعل الباحث أكثر استعدادًا لمراجعة ما يعرفه والإضافة إليه.

بالطبع، ليس كل شائعة عملية نفسية، الاختلاف طبيعي، والنقد الموضوعي حق يساعد المؤسسات على تصحيح الأخطاء، لكن المهم التمييز بين المراجعة الوطنية والمعلومات المضللة، خاصة إذا ارتبطت بقرائن، دلالة التوقيت، النمط المتكرر، الرسائل المتشابهة، المصادر المترابطة، والسلوك الذي يمكن تتبعه، كما أن المشكلة ليست أن المواطن يقرأ معلومات كثيرة، بل لأنه لا يملك الوقت الكافي لفحصها. خبر صحيح قد يصل وسط عشرات الأخبار غير الدقيقة، صورة حقيقية قد توضع بجوار قصة لا علاقة لها بها، رأي شخصي قد يقدم في صورة معلومة. ومع كثرة التكرار، يصبح الفصل بين الأشياء أكثر صعوبة.

العلاقة بالأمن القومي أصبحت متقاطعة مع كل تفاصيل حياتنا اليومية، وحتى لو كانت وسائل التواصل جزءًا من التحدي، فالمشكلة ليست في وجودها، بل في طريقة استخدامها، في القدرة على التعامل مع ما يصل عبرها، هنا تظهر مسئولية المؤسسات في تقديم المعلومات، ومسئولية الإعلام في التحقق قبل النشر، ومسئولية المواطن في أن يسأل عن المصدر والسياق قبل أن يشارك المحتوى، هو جزء من المجال العام.

تنتهي المناقشة، تزف اللجنة قرارها، لكن الموضوع الذي اختاره اللواء د.ياسر وهبة لا ينتهي بخروجه من قاعة معهد البحوث والدراسات العربية، بالعكس، ربما بدأت مهمته الأصعب بعد الحصول على الدرجة العلمية، فكل تغير في أدوات الاتصال يضيف سؤالًا جديدًا، وكل أزمة تكشف جانبًا آخر من العلاقة بين المعلومة والرأي العام، وبين ما يصدقه الناس وما يمكن أن يترتب عليه، رسالته أخذته إلى مساحة أخرى، موضوعها يضع حياة المواطن كركيزة أساسية في قلب الأمن القومي، بحيث يعرف ماذا يقرأ، ماذا يصدق، متى يسأل، ومتى ينتظر قبل أن يشارك المحتوى والمعلومة.

رسالته، أن تعزز المؤسسات القدرة على التواصل، وأن يملك المجتمع القدرة على التمييز، وأن يظل الاختلاف ممكنًا دون أن يتحول إلى هدم للثقة.

دخل اللواء ياسر وهبة قاعة المناقشة بخبرته المتراكمة، وأطروحته النوعية، وخرج منها بالدكتوراه، بين الدخول والخروج، حرص على تحويل الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى فهم، والفهم إلى قدرة أفضل على حماية المجتمع وتحصينه.

مبروك يا صديقي، القائد الدكتور.

اقرأ أيضا: نائب محافظ الوادي الجديد يتابع سير العمل بمنظومة تقنين الأراضي

‫0 تعليق