هل انتهى زمن البرمجيات كساحة للعظمة؟…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان- الذكاء الاصطناعي جعل بناء البرمجيات أسهل وأسرع من أي وقت مضى، وهذا صحيح إلى حد بعيد. فأي شخص يملك فكرة يستطيع اليوم أن يبني تطبيقًا أو منصة في أسابيع بدلًا من أشهر، بمساعدة أدوات توليد الأكواد والمساعدين الأذكياء.اضافة اعلان
 لكن أكثر العقول طموحًا وجرأة تبتعد عن البرمجيات، ليس لأنها فقدت بريقها، بل لأن الذكاء الاصطناعي فتح أمامها أبوابًا في عالم الأجهزة المادية كانت، إلى وقت قريب، مستحيلة تقنيًا أو باهظة التكلفة إلى درجة اللامعقول. وحين يصبح المستحيل ممكنًا، تتجه أكثر العقول جرأة نحوه غريزيًا، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في سباق الروبوتات والأجهزة الذكية على مستوى العالم.
المسألة ليست تخمينية، بل واقع تكشفه الأرقام في قطاع كان يُوصف قبل سنوات قليلة بأنه “دائمًا على بعد خمس سنوات” من التحقق الفعلي. نرى شركة Figure AI، التي بلغ تقييمها ما يقارب أربعين مليار دولار، بدعم من مستثمرين في طليعتهم Nvidia وMicrosoft وOpenAI، وقد باتت روبوتاتها تعمل فعليًا على خطوط إنتاج شركة BMW، بعد أن أسهمت في تصنيع عشرات الآلاف من السيارات ومناولة مئات الآلاف من القطع المعدنية. أما شركة Boston Dynamics، المملوكة الآن بالكامل لشركة Hyundai، فتستعد لإدخال آلاف الوحدات من روبوت Atlas الكهربائي بالكامل إلى خطوط إنتاج السيارات الكهربائية بحلول عام 2028. وحتى الصين دخلت هذا السباق بقوة مؤسسية غير مسبوقة، إذ أسست مركزًا وطنيًا للابتكار في الروبوتات البشرية بدعم حكومي مباشر، وتستهدف رسميًا دخول عشرات الآلاف من هذه الروبوتات حيز الاستخدام التجاري خلال العام الحالي وحده.
ما يجمع هذه المشاريع كلها ليس فقط ضخامة رأس المال، بل طبيعة المشكلة التي تحلها. فتَصميم روبوت قادر على الحركة والتوازن والتفاعل مع بيئة بشرية فوضوية وغير منظمة كان لعقود طويلة أحد أصعب التحديات الهندسية على الإطلاق، وأصعب بكثير من كتابة برنامج حاسوبي يعمل ضمن بيئة رقمية منضبطة ومتوقعة. وما غيّر المعادلة هو قدرة الذكاء الاصطناعي على تسريع التعلم الحركي بطرق لم تكن متاحة سابقًا، إذ باتت الروبوتات قادرة على اكتساب مهارات جديدة عبر ساعات من المحاكاة والتعلم بالتقليد، بدلًا من أسابيع أو أشهر من البرمجة اليدوية المتخصصة لكل حركة على حدة. وهذا بالضبط نوع الباب الذي كان يُظن أنه مغلق لعقود، وفجأة انفتح على مصراعيه.
وينطبق الأمر ذاته على تصميم الرقائق التي تشغّل هذه الأجهزة. فقد صممت شركة تسلا مؤخرًا رقاقتها المخصصة لتشغيل روبوتاتها البشرية بأداء يُقارن بأداء بعض أقوى رقائق الذكاء الاصطناعي المتوفرة تجاريًا، معتمدة على قدرات تصميمية متقدمة لم تكن متاحة تقليديًا لشركة سيارات. كما أن شركات الرقائق الكبرى لم تعد تكتفي ببيع المعالجات، بل تحولت إلى موردي بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي المادي، من الرقاقة نفسها إلى برمجيات المحاكاة والنماذج التأسيسية التي تتحكم في حركة الروبوت في العالم الحقيقي بمنطق شبيه بالتفكير البشري.
وبدأت ملامح هذا التحول العالمي تظهر في منطقتنا العربية أيضًا، وإن كانت ما تزال في مراحلها المبكرة. فمصر تملك أعمق تجربة تراكمية في تصميم الرقائق، بفضل شركة تأسست فيها منذ نحو عشرين عامًا، وكانت أول شركة تصميم رقائق “بلا مصنع” في المنطقة.
 وأطلقت السعودية مركزًا وطنيًا للرقائق يستهدف استقطاب خمسين شركة تصميم بحلول عام 2030، مدعومًا بصندوق استثماري بنصف مليار دولار. أما الإمارات، فتنتهج مقاربة مشابهة قائمة على تصميم الرقائق دون تصنيعها، بهدف امتلاك الملكية الفكرية حتى لو جرى التصنيع الفعلي في مصانع خارجية. أما الأردن، فقد بدأ يضع لبنات أولى في هذا الاتجاه، عبر برنامج بكالوريوس جديد متخصص في هندسة أشباه الموصلات أطلقته الجامعة الأردنية، إلى جانب لجنة وطنية متخصصة في قطاع الرقائق تعمل برعاية مؤسسية رفيعة، وتستهدف قطاعين واقعيين تحديدًا: التصميم بلا تصنيع، وعمليات التجميع والاختبار الخلفية.
 وما تزال الخطوات في بدايتها، لكنها تشير إلى وعي إقليمي متنامٍ بأن هذه الموجة، خلافًا لموجات تقنية سابقة، لم تَفُت المنطقةَ بعدُ فرصةُ اللحاق بها.
والدرس الأوسع الذي تقدمه هذه الموجة العالمية بأكملها واضح. حين سهُل بناء البرمجيات على الجميع تقريبًا، لم تفقد البرمجيات أهميتها، لكنها فقدت جزءًا من قدرتها على استقطاب من يبحث عن أصعب المشكلات وأكثرها طموحًا. وتوجهت تلك العقول إلى حيث توجد الأبواب التي كانت مغلقة حتى وقت قريب، والتي باتت اليوم مفتوحة بفضل قدرات حسابية لم تكن متخيَّلة قبل سنوات قليلة.
 ومن يريد أن يفهم إلى أين تتجه أعظم الطموحات التقنية في هذا العقد، فعليه أن ينظر أقل نحو تطبيقات الهاتف، وأكثر نحو المصانع التي تُبنى فيها اليوم أجساد آلية تتعلم كيف تمشي وتحمل وتتفاعل مع عالمنا المادي، بالسرعة ذاتها التي تعلمت بها البرمجيات كيف تفكر.

اقرأ أيضا: زلزال كولومبيا .. ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 294 قتيلا

‫0 تعليق