
يبدو أن مضيق هرمز دخل أخيرا مرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة البحث عن «صاحب الملك». الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إنه سيعلن قريبا أن المضيق أرض أميركية، وطهران ترد بأن هرمز «كان إيرانيا، وهو إيراني، وسيبقى إيرانيا». وبينما يتجادل الطرفان حول ملكية مضيق مائي عمره ملايين السنين، تقف المنطقة كلها أمام سؤال أكثر بساطة: من طلب منا أصلا الدخول في هذه الهوشة؟
المشهد يصلح فعلا لفيلم ساخر. ثوران كبيران يتناطحان فوق المضيق، وكل واحد منهما يصرخ بأن قرنيه أطول من قرن الآخر، فيما نحن، الجالسون في المدرجات، نكتشف أن التذاكر التي اشتريناها ليست للمشاهدة، بل لدفع فاتورة الكهرباء والتأمين والشحن والطاقة وتعطل التجارة. والأكثر طرافة أن كل طرف يتحدث عن هرمز وكأنه قطعة أرض تنتظر ختم دائرة الأراضي والمساحة: هذا لي، وذاك يرد: لا، بل لي، وكأن المشكلة في نهاية المطاف تحتاج إلى «سند تسجيل».
المشكلة أن هرمز ليس ملكية خاصة لأحد. هو ممر ملاحي دولي تحكمه قواعد القانون الدولي، والأهم أنه شريان تمر عبره مصالح العالم كله. لكن في لحظة الصراع، يبدو أن القانون الدولي نفسه صار مثل ذلك الجار الذي يقف على باب العرس ولا أحد يعطيه الميكروفون. واشنطن تتحدث عن السيطرة، وطهران تتحدث عن السيادة، والسفن تتحدث بلغة مختلفة تماما: هل نستطيع العبور أم لا؟
وهنا تكمن الكوميديا السوداء. الولايات المتحدة وإيران لديهما حساباتهما الكبرى: النووي، والعقوبات، والنفوذ، والحرب، والردع، والتفاوض. أما الخليج، فحسابه أكثر تواضعا: أن تبقى الموانئ مفتوحة، وأن تصل السفن، وأن يعود البحارة إلى بيوتهم، وأن تستمر التجارة والطاقة من دون أن تتحول كل ناقلة إلى بيان عسكري جديد. لكن يبدو أننا أصبحنا مطالبين بدفع ثمن مباراة لم نشترِ تذاكرها أصلا.
والأسوأ أن هذه «الهوشة» لا تحدث في ملعب بعيد. إنها تجري عند باب البيت مباشرة. كل صاروخ أو مسيّرة أو تهديد بإغلاق المضيق يضع اقتصاد المنطقة أمام فاتورة جديدة، وكل تصريح عن السيطرة عليه يجعل العالم كله يحبس أنفاسه. وفي آخر المطاف، قد يخرج الطرفان من الحلبة وهما يعتقدان أنهما انتصرا، بينما يكون الخليج قد اكتشف أن الحلبة نفسها جزء من بيته.
لذلك، ربما آن الأوان أن نقول للثورين المتصارعين: اختلفا كما تشاءان، تفاوضا أو تحاربا أو تبادلا التغريدات، لكن اتركا باب البيت مفتوحا. فدول الخليج لا تريد أن تملك هرمز، ولا أن تمنحه لأحد. تريد فقط أن تعبر سفنها بسلام، وأن تعيش بعيدا عن «هوشة» لم تخترها، لكنها، للأسف، تدفع ثمنها.
اقرأ أيضا: موجودات البنوك.. نمو متواصل يعكس متانة القطاع ودوره بدعم الاقت…
