
بمشرط طبيب نفسي وبصيرة أديب عبقري، استطاع يوسف إدريس أن يختزل عالم القصة القصيرة اللامحدود في قطرة ماء، ليتسيد عرشها بلا منازع، لم يكن مجرد كاتب، بل كان نبض الشارع ومؤرخ التحولات الاجتماعية، الذي طوع اللغة وفصّح العامية ليعبر عن المهمشين، متجاوزاً بجرأته وواقعيته الإنسانية حدود المحلية ليحلق في آفاق العالمية.
اقرأ أيضا: موقف ثيو هيرنانديز من مباراة الهلال أمام الرائد في كأس الملك
القصة القصيرة طريقتي في التفكير، ووسيلتي لفهم نفسي، والإطار الذي أرى العالم من خلاله إنه الإطار الذي وجدني ولم أجده، بهذه الفلسفة العميقة، اختزل الأديب الكبير يوسف إدريس عالم القصة القصيرة اللامحدود في قطرة ماء، فاختار هذا الفن الصعب لأنه يمنحه القدرة السحرية على تصغير البحر في قطرة، وتمرير جمل ضخمة من ثقب إبرة.
ولم يكن يوسف إدريس مجرد كاتب يسير في ظلال من سبقوه، بل شق لنفسه مساراً مبتكراً، مرسخاً اتجاهاً جديداً في الكتابة يرتكز على التصوير الواقعي النابض، مستخدماً لغة “السهل الممتنع” التي تفيض برؤى فلسفية واجتماعية عميقة.
لم يكن التميز التكنيكي وحده ما صنع تفرد يوسف إدريس، بل كانت بصيرته النافذة في رسم الشخصيات. وكأن دراسته وتخصصه في الطب النفسي قد منحاه مشرطاً جراحياً ينفذ به إلى أعماق النفس البشرية، ليعيد قراءة أسرارها ورسمها ببراعة شديدة الوضوح.
لقد نجح في التعبير عن تقلبات النفس البشرية بالتوازي مع التغيرات المجتمعية العنيفة التي مرت بها مصر، فقدم صوره الواقعية تلك من خلال مفردات جمالية شديدة النعومة والعذوبة،والتي أعلنت ولادة عملاق قصصي جديد.
وامتلك إدريس قدرة بارعة على الانتقال السلس من الواقع الملموس إلى التحليق في آفاق الخيال الرحبة، فكان يرتفع بذكاء من دقائق تفاصيل الصورة الحية، إلى ظلالها الجانبية التي تضفي أبعاداً شعورية ونفسية عميقة على الحدث، مستخدماً الصور الاستطرادية التي تأخذ القارئ في رحلة داخلية وخارجية في آن واحد.
ونجح يوسف إدريس في تقديم مفهوم واضح وعميق للواقعية، كان يذوب في تفاصيل شخصياته، فيعيد بعثها في قصصه كشخوص حية تتحرك أمام القارئ بحرفية شديدة، نشعر بها تخاطبنا وتلمس وجداننا ونحن ننتقل بين سطور قصصه، مما يخلق صورة ذهنية تظل محفورة في الذاكرة الحية، صورة يفوح منها عبق إبداعي خالد، يخلد اسم كاتبها الذي تخطى بموهبته الفذة حدود المحلية الضيقة ليحلق في آفاق العالمية الرحبة.
وكان تمرد إدريس على السلطة اللغوية الكلاسيكية أحد أبرز الخصائص التي ميزت مشروعه الأدبي، فقد صنع لغته الخاصة الفاعلة والمؤثرة، لتصبح المفردة عنده بديلاً عن الفعل ومحققة له في لحظة تنوينها.
وبينما تنصلت قصص من سبقوه من المفردات العامية هرباً من النقد، نجد إدريس يحتفي بها في كتاباته، ولم يكن انحيازه للعامية مجرد تعصب لغوي، بقدر ما كان انحيازاً طبقياً وإنسانياً للطبقات الكادحة والمهمشين الذين يتحدث باسمهم، لقد نجح بعبقرية في تَفْصِيحِ التعبيرات العامية المصرية الدارجة، وأدخلها برفق إلى ديوان العربية الفصحى، في اعتراف متعمد وشجاع بالعامية كأحد الروافد الحية للغة الأم.
اقرأ أيضا: أورانج يرد على قرار اتحاد الكرة: اتخذنا الإجراءات ونتحرك قانونيا
كما استطاع بجرأة شديدة أن يتطرق لقضايا غاية في الحساسية والتعقيد، وتجلى ذلك بوضوح في أعماله، وخاصة رائعته الحرام التي تصنف كواحدة من أعظم الروايات العربية عبر التاريخ، والتي تحولت إلى فيلم سينمائي بارز عُرض في مهرجان كان السينمائي الدولي عام 1965، وحاز على إشادات واسعة من نقاد السينما العالميين ،لتترجم حالة إبداعية شديدة التفرد، تجاوزت بعبقريتها حدود الجغرافيا، والتاريخ، والاختلافات العرقية والاجتماعية.
ورغم رحيله، أبت أميرته المخلصة القصة القصيرة إلا أن تظل وفية له، متربعاً على عرشها، ومحلقاً في مكانة متفردة لم يقاربه فيها أحد، في عالم أدبي يعد الأقسى والأعقد من حيث الكتابة والتكنيك.
ما أروع أن نبدأ دائماً، وأن تكون البداية بداية لبداية أجد وأمتع، تظل هذه المقولة إحدى المفردات التي كتبت الخلود للأديب الدكتور يوسف إدريس ،أمير القصة القصيرة بلا منازع، وأحد الأعمدة الكبرى التي استندت إليها الثقافة المصرية والعربية المعاصرة.
اقرأ أيضا: الداخلية تنهي واقعة تعدي شقيقتين على سائق بالسب في القليوبية بالتصالح
