يمثل وصول «كافور» الإخشيدي إلى سدة الحكم في مصر الحلقة الأخيرة في مسلسل ما قبل السقوط أمام الفاطميين. فتربع هذا الرجل على سرير الملك عبّر عن أعجوبة كبرى من أعاجيب ذلك الزمان، فقد توقف كثيرون أمام فكرة أن يصل عبد خصي حبشي إلى قمة السلطة في مصر، وكيف تحول من مجرد خادم في قصر «الإخشيد» إلى قيادة الجيوش في عصر محمد بن طغج، ثم إلى أتابك (قائد عام) الجيش في عهد «أنوجور» أو محمود بن الإخشيد، ثم إلى مسيطر على كافة أمور البلاد في عهد علي بن الإخشيد.
اقرأ أيضا: ورشة الزيتون الثقافية (3) – الوطن
من تحليل سيرة «كافور» يتضح أن الرجل كان يشعر بالنظرة الدونية التي ينظرها له أغلب من حوله، وأمارات العجب التي كانت تبدو على وجوههم كلما نظروا إليه، وهو يجلس على مقعد الحكم، لذلك فقد أدى بطريقة تعكس كم عقد النقص التي كانت تسيطر عليه. أحب «كافور» لقب «الأستاذ» بمعنى مربي أو معلم الذي كان يطلق عليه أيام الإخشيد الكبير، فقد كان وقتها خادماً يتولى تربية ولديه أنوجور وعلي، اللذين حكما الدولة بالتتالي بعد وفاة أبيهما، واحتفظ بهذا اللقب بعد أن تربع على كرسي الحكم، وربما كان السبب في ذلك هو غرامه بالألقاب، فقد سبق اسمه العديد منها، مثل: صاحب مصر، أبو المسك، والأستاذ.
أحب «كافور» النفاق والمنافقين وقرّبهم في مجلسه، ولا يخفى عليك الدور الذي لعبه الشاعر أبو الطيب المتنبي في التسويق والترويج لاسمه وشخصه، فقد كان يحب مديح هذا الشاعر كل الحب، وأغدق عليه المال والعطايا والهدايا بلا حساب، مثلما أغدق على كل من ينافقه. سيطر «كافور» على مال الخراج، واتجه إلى إنفاقه على نزواته ومنافقيه من رجال بلاطه، هؤلاء الذين كان يرى في نفاقهم دواء يعالج أوجاعه النفسية بسبب نظرة معاصريه إليه. في المقابل عانى الناس في عصره أشد المعاناة، لأنه لم يكن يفكر إلا في نفسه، ولا يهمه رضاء أو غضب الناس عليه، لأنه يملك أدوات القوة التي يستطيع أن يسيطر بها على الواقع.
اقرأ أيضا: أنبوبة الهيليوم قنبلة موقوتة – الوطن
لم يكن «كافور» يهتم برضاء الرعية أو غضبها قدر ما يهتم ببعض رجال الدولة الذين يهونون من شأنه أو يشعلون بداخله عقد النقص التي كان يعاني منها، مثل «أبي شجاع فاتك الرومي»، فقد كان ظهور هذا الرومي أمام «كافور» يهز كيانه ويدفعه إلى استدعاء كافة العقد النفسية التي يعاني منها. فالرومي الأبيض كان يذكر «كافور» بحبشيته، ونظرة الاحتقار التي كان ينظرها «فاتك» إليه كانت تذكره بوضاعة شأنه. ليس ذلك وفقط بل إن ما تميز به «فاتك» من انطلاق وحب للحياة وميل إلى الفكاهة كل هذه الخصال كانت تُذكر «كافور» بحالة الاكتئاب التي يعيشها، والتي لم تفلح السلطة في علاجها.
حاول «كافور» أن يبني علاقات متوازنة مع كل من الخليفة العباسي في بغداد، والمعز لدين الله في المغرب، فيظهر الطاعة والإذعان للخليفة العباسي، ويهادي المعز صاحب المغرب ويظهر ميله إليه، لكنه وصل إلى مرحلة لم يكن ينفع فيها اللعب على الحبلين.
