محافظ المركزي الليبي..تراجع دون ضمانات حقيقية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد استقالته من منصبه كمحافظ لمصرف ليبيا
المركزي، يبدو أن ناجي عيسى قد تراجع عن قراره، بعد تدخل جهات عدة في مقدمتها مجلس
النواب والمجلس الأعلى للدولة، غير أنه لا ضمانات لتصحيح الوضع ومعالجة الأسباب
التي دفعت المحافظ للاستقالة.

اقرأ أيضا: قائد الحرس الثوري الإيراني: أجبرنا أقوى جيش في العالم على الركوع

الأسباب تعود في جوهرها إلى تبرم المحافظ من
عدم ضبط الإيرادات وتوريدها بشكل كامل للمصرف المركزي، وأيضا إنفلات الانفاق،
والضغوط التي تمارس عليه من قبل السلطة التنفيذية.

المحافظ، الذي بذل جهودا مضاعفة لترتيب
الوضع النقدي في البلاد والدفع باتجاه استقرار سعر الصرف والسيطرة على التضخم، بغض
النظر عن نجاعتها، يرى أن جهوده تذهب سدى بسبب مصادمة توجهات راعي السياسة النقدية
لسياساته.

تم الإعلان عن تراجع المحافظ عن استقالته التي كان لها ارتداد كبير على سعر صرف الدينار الليبي الذي تراجع بنسبه 11% عشية الإعلان عن الاستقالة، إلا أن الوضع أكثر تعقيدا من أن يصحح بالشكل الذي يرضي المصرف المركزي، إذ لا يلوح في الأفق السياسي بريق اتفاق يسد الفجوات الكبرى والتي منها الصراع على الموارد ومساعي السيطرة عليها من قبل الفرقاء المتنازعين،

جهود محافظ المركزي الليبي تعدت صلاحياته
ومسؤولياته إلى التوسط لضبط الإنفاق العام المنفلت، فكان إسهامه جليا في وصول
طرافي النزاع الليبي إلى اتفاق توحيد الإنفاق التنموي، غير أن تلك الجهود لم تحقق
المراد منها، بل إن الوضع في تردي مستمر، وبشكل يقضي على سياسات وإجراءات فرض
الاستقرار النقدي في البلاد.

استقالة مدير مؤسسة سيادية عليا ليس مألوفا
في ليبيا، والعكس هو الأصل، فالجميع يتشبث بمنصبه لما يتمتع به من ميزات، غير ان
الوضع المعقد يمكن أن يكون دافعا للابتعاد لمن يتصدر جهة حساسة كالمصرف المركزي،
الذي يرى محافظه أنه بات كبش فداء لصراعات هي خارج سلطته وصلاحياته.

يبدو ان عيسى أيقن أن إدارة الموارد المالية
الليبية باتت خارج السيطرة والتحكم، وان الصراع حول عوائد النفط وكيفية
التحكم  فيها هو اليوم على أشده ويتجه إلى
تصعيد وليس احتواء ومعالجة، وهذا سيكون على حساب المصرف المركزي، الذي ينظر إليه
العامة بانه خازن المال والمسؤول عن رفاه الليبيين من خلال توفير العملات الصعبة
لهم.

شهدت عوائد النفط الليبي العام 2025م زيادة
ملحوظة تجاوزت نسبة 20% عن العام 2024م، كما أسهت الحرب على ايران وقفل مضيق هرمز
في زيادة إضافية في الإيرادات النفطية الليبية لتبلغ ما يزيد عن 15 مليار دولار
خلال النصف الأول من العام الجاري،  مقارنة
بنحو 11 مليار دولار العام 2025م، خلال نفس الفترة، غير أن المصرف المركزي لم ير
التحسن الملحوظ في الإيرادات عاملا لتعزيز خطته لتعزيز الاستقرار النقدي، لأن
الانفاق المتزايد بشكل كبير يلتهم أي زيادة في الإيرادات العامة.

المرتبات في ارتفاع فلكي عاما بعد عام، ولم
يقع التطور المأمول في مبادرة “راتبك لحظي” التي أطلقها المصرف المركزي،
بسبب عد التنسيق الكامل مع الجهات التنفيذية المعنية بصرف المرتبات.

بند الدعم في الموازنة العامة بات استنزافا
كبيرا لثروة البلاد، فحسب الإحصاءات الرسمية بلغ الإنفاق على الدعم خلال شهر يونيو
ما يزيد عن 1.5 مليار دولار، أي نحو 45% من الإيراد العام خلال نفس الشهر، في
الوقت التي تشهد فيه البلاد انقطاعات لساعات طوال للتيار الكهربائي في مختلف مناطق
ومدن البلاد، ويعاني الليبيون من ازمة شح الوقود، وهما بندا الدعم الرئيسيين!!

اقرأ أيضا: 7 شهداء في غارة للاحتلال على منزل ببلدة أنصار جنوب لبنان

في حال وقوع اختراق وتطور لافت يفضي إلى تغيير في السلطة التنفيذية حسب خطة بولس، أو عبر خارطة طريق البعثة، أو من خلال توافقات محلية، فإن الوضع أعقد من أن يستوعب، وهناك حاجة إلى تغيير جذري ليس في الأشخاص والصفات، بل في العقول والنوايا،

أما مشروعات وبرامج التنمية، التي طالب
المحافظ سابقا إيقافها مؤقتا، فهي في مقدمة الخلاف الحاد بين سلطات الغرب والشرق،
وشكلت أحد أبرز الضغوط على المحافظ، وتمثل نفقات التنمية، بجانب الدعم
والاعتمادات، مجالا رحبا للفساد، الذي يستنزف ثروة البلاد بشكل مخيف.

تم الإعلان عن تراجع المحافظ عن استقالته
التي كان لها ارتداد كبير على سعر صرف الدينار الليبي الذي تراجع بنسبه 11% عشية
الإعلان عن الاستقالة، إلا أن الوضع أكثر تعقيدا من أن يصحح بالشكل الذي يرضي
المصرف المركزي، إذ لا يلوح في الأفق السياسي بريق اتفاق يسد الفجوات الكبرى والتي
منها الصراع على الموارد ومساعي السيطرة عليها من قبل الفرقاء المتنازعين، فمبادرة
بولس تواجه عوائق في الغرب وفي الشرق، وتتعثر خارطة طريق البعثة بسبب تباطئ عمل
مجموعة 4+4 بعد الخلاف الذي وقع في اجتماع تونس الشهر الماضي، ويظل العائق الأكبر
هو تغلل الفساد وتمكنه من التهام مبالغ كبيرة من الإيرادات لتورط مستويات عليا من
قوى الأمر الواقع، وارتباطها بشبكات متعددة، كما كشفت تقارير خبراء الأمم المتحدة
وتقرير منظمة” ذي سنتري”.

وحتى في حال وقوع اختراق وتطور لافت يفضي
إلى تغيير في السلطة التنفيذية حسب خطة بولس، أو عبر خارطة طريق البعثة، أو من
خلال توافقات محلية، فإن الوضع أعقد من أن يستوعب، وهناك حاجة إلى تغيير جذري ليس
في الأشخاص والصفات، بل في العقول والنوايا، وفي مقاربات إدارة الصراع التقليدية
المكررة لصالح خطط مبتكرة تصممها وتشرف على تنفيذها أيدي وطنية نظيفة، وهي موجودة
لكنها لم تجد طريقها لمنصة الفعل وساحة التأثير.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: عقد زواج رونالدو وجورجينا.. كيف فُصلت ثروة كل طرف؟

‫0 تعليق