بعد أكثر من 11 قرنًا على واحدة من أبرز المواجهات بين الأنجلوسكسونيين والفايكنج، عاد لغز معركة «سينويت» إلى الواجهة، بعدما طرح باحثون احتمالًا جديدًا بشأن موقعها الحقيقي في ريف مقاطعة ديفون بإنجلترا.
اقرأ أيضا: إبراهيم السيد: فقدان 7 من أسرة بحادث الإسماعيلية صدمة غير مسبوقة
ويعتقد المؤرخ والكاتب البريطاني نيك أرنولد أن موقعًا أثريًا يعرف باسم «كاسل هيل»، بالقرب من بيفورد، قد يكون المكان الذي شهد المعركة التي انتهت بهزيمة قاسية لقوات الفايكنج عام 878، في مرحلة كانت فيها مملكة ويسيكس تخوض صراعًا مصيريًا من أجل البقاء أمام الغزوات المتكررة.
وجاء هذا الطرح ضمن أبحاث ظهرت في كتاب حديث للكاتب البريطاني بول هاربر بعنوان «أبناء راغنار.. محاربو الفايكنج الذين أرعبوا بريطانيا وأيرلندا»، ليعيد النقاش حول موقع المعركة إلى دائرة اهتمام المؤرخين والباحثين.
ماذا حدث في معركة سينويت؟
وقعت معركة سينويت عام 878، خلال فترة مضطربة من تاريخ إنجلترا، عندما كانت مملكة ويسيكس، بقيادة الملك ألفريد الكبير، تواجه ضغطًا متزايدًا من جيوش الفايكنج.
وبحسب الروايات التاريخية، وصلت قوة من الفايكنج إلى ديفون على متن 23 سفينة، قبل أن تفرض حصارًا على قوة تابعة لويسيكس، يُعتقد أنها كانت بقيادة أودا، أحد كبار رجال المملكة في ديفون.
لكن المحاصرين لم يختاروا الاستسلام، بل شنوا هجومًا مفاجئًا عند الفجر، لتنقلب المواجهة بشكل حاد وتنتهي بانتصار كبير لقوات ويسيكس وسقوط عدد ضخم من مقاتلي الفايكنج، بينهم قائد القوة المهاجمة.
وتختلف الروايات حول حجم الخسائر، إذ تذكر «حولية الأنجلو ساكسون» مقتل نحو 840 من الفايكنج، بينما يرفع المؤرخ أسير العدد إلى نحو 1200 قتيل. كما تشير الروايات إلى استيلاء قوات ويسيكس على «راية الغراب»، التي ارتبطت في المصادر القديمة بقادة الفايكنج.
لماذا أصبح «كاسل هيل» مرشحًا لموقع المعركة؟
يستند ترشيح «كاسل هيل» إلى مقارنة طبيعة المكان بالأوصاف التي تركها المؤرخون القدماء عن الحصن الذي شهد المواجهة.
ويقدم أسير، الذي كتب سيرة الملك ألفريد الكبير في القرن التاسع، وصفًا لموقع دفاعي في ديفون تحميه الطبيعة من معظم الجهات، بينما تكون الجهة الشرقية أكثر سهولة في الوصول إليها.
ويرى الباحثون أن هذه التفاصيل تتطابق بصورة لافتة مع طبيعة «كاسل هيل»، حيث تحيط بالموقع منحدرات شديدة، إلى جانب منشآت ترابية دفاعية، بينما تبدو الجهة الشرقية أقل صعوبة بالنسبة للوصول إليها.
كما يلفت أرنولد الانتباه إلى وصف أسير لمصدر المياه في المنطقة، مشيرًا إلى أن النص اللاتيني القديم قد لا يعني بالضرورة غياب المياه عن المنطقة، وإنما ربما كان يقصد أن مصدر المياه لم يكن متصلًا بالحصن نفسه.
تل غامض يزيد من علامات الاستفهام
ولا تتوقف الأدلة التي أثارت اهتمام الباحثين عند طبيعة الحصن، إذ يوجد بالقرب من «كاسل هيل» تل أثري غامض يضيف عنصرًا جديدًا إلى القصة.
فبحسب المؤرخ جيفري غيمار، الذي عاش في القرن الثاني عشر، دُفن قائد الفايكنج الذي قتل خلال المعركة أسفل تل كبير، ارتبط لاحقًا باسم «أوبيلاو» أو «تل أوبا».
ويبلغ قطر التل الموجود بالقرب من «كاسل هيل» نحو 12 مترًا، فيما يصل ارتفاعه إلى قرابة 2.4 متر. والأكثر إثارة أن خرائط تعود إلى القرن التاسع عشر صنفته باعتباره تلًا جنائزيًا.
كما كشف فحص جيوفيزيائي عن وجود مواد حجرية موضوعة فوق بروز صخري طبيعي، إلا أن هذه النتائج لا تمثل حتى الآن دليلًا قاطعًا على أن التل يضم قبر قائد الفايكنج أو يرتبط بمعركة سينويت.
هوية قائد الفايكنج ما زالت غامضة
وتبقى هوية القائد الذي قتل في المعركة واحدة من علامات الاستفهام التي لم يحسمها التاريخ بشكل نهائي.
اقرأ أيضا: الأرصاد الجوية تزف بشري سارة بشأن طقس مصر الأيام المقبلة
فـ«حولية الأنجلو ساكسون» تشير إلى أن القائد كان شقيقًا لإيفار وهالفدان، لكنها لا تذكر اسمه بشكل مباشر. وفي روايات تاريخية ظهرت لاحقًا، جرى ربط الشخصية باسم «أوبا»، وهو ما جعل التل القريب من كاسل هيل يحظى باهتمام إضافي من الباحثين.
ومع ذلك، لا تزال هذه الروابط في إطار الفرضيات التاريخية، في ظل غياب اكتشاف أثري مباشر يثبت هوية المدفون أو يؤكد ارتباطه بالمعركة.
انتصار غير مسار الصراع مع الفايكنج
لم تكن أهمية سينويت مرتبطة بحجم المعركة فقط، وإنما بتوقيتها أيضًا. فقد جاء انتصار ويسيكس في مرحلة كان فيها ألفريد الكبير يعيد تنظيم قواته بعد اضطراره إلى التراجع إلى مناطق المستنقعات في سومرست.
وبعد أسابيع قليلة، تمكن ألفريد من تحقيق انتصار حاسم على قوات غوثروم في معركة إدينجتون، التي مثلت نقطة تحول مهمة في الصراع وأسهمت في بقاء مملكة ويسيكس، ومن ثم استمرار الكيان الذي لعب دورًا رئيسيًا في تشكيل إنجلترا لاحقًا.
لغز لم يُحسم بعد
ورغم تشابه وصف «كاسل هيل» مع الروايات التاريخية، فإن الموقع لا يزال مجرد احتمال، ولا يمكن اعتباره حتى الآن المكان المؤكد لمعركة سينويت.
لكن وجود الحصن الدفاعي، وطبيعة التضاريس، إلى جانب التل الأثري القريب، كلها عوامل تجعل الموقع جديرًا بمزيد من البحث والتنقيب. وقد تكشف الدراسات الأثرية المستقبلية أدلة جديدة تساعد في تحديد مكان المعركة التي ظلت لأكثر من 1100 عام بلا موقع معروف بشكل قاطع.
في الختام، قد لا يكون «كاسل هيل» سوى أحد الاحتمالات الكثيرة، وقد يكون بالفعل القطعة المفقودة في لغز تاريخي طويل. وإذا أثبتت الأدلة المستقبلية ارتباطه بمعركة سينويت، فإن ذلك لن يحسم موقع مواجهة قديمة فحسب، بل سيساعد أيضًا في إعادة رسم واحدة من أكثر مراحل الصراع تأثيرًا بين مملكة ويسيكس ومحاربي الفايكنج في إنجلترا.
