«عيار 21 على الورق فقط».. فحوصات تكشف مفاجأة صادمة في الذهب السوري
اقرأ أيضا: على طريقة «ريا وسكينة».. منزل غامض في فيلادلفيا يكشف خيوط اختفاء امرأتين منذ سنوات
كشف «مرصد الذهب» أن أزمة التلاعب بعيارات الذهب في سوريا تتجاوز مفهوم الغش في بعض المشغولات إلى مشكلة أوسع تتعلق بقيمة جزء من المخزون الذهبي القديم المتداول في السوق، بعدما أثبتت عمليات فحص وجود قطع تحمل عيار 21 قيراطًا، بينما درجة نقائها في بعض الحالات بلغت نحو 760 جزءًا من الألف، مقابل 875 جزءًا يفترض توافرها في هذا العيار.
ويرى المرصد أن الخطر الاقتصادي لا يتوقف عند بيع قطعة بعيار أقل من المدون عليها، وإنما يمتد إلى إمكانية استمرار تداولها لسنوات، وانتقالها بين المواطنين والصاغة، أو دخولها مرة أخرى إلى عمليات الصهر وإعادة التصنيع، بما يجعل ضبط العيار قضية تتعلق بسلامة دورة الذهب نفسها وليس بحماية المشتري الأول فقط.
وتكتسب القضية أهمية أكبر مع إعادة تنظيم السوق منذ 2025؛ إذ أعلنت الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة رسميًا اكتشاف «كميات كبيرة» من المشغولات المخالفة للمواصفات، وإتلاف مشغولات مخالفة وسحب تراخيص ورش ومصانع، إلى جانب اعتماد دمغة جديدة بعد ثبوت تزوير الدمغة القديمة.
ماذا خسر المشتري؟
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن العيار يجب التعامل معه باعتباره قيمة مالية وليس مجرد رقم محفور على القطعة، لأن المشتري يدفع مقابل كمية محددة من الذهب الخالص داخل كل جرام.
ويحتوي الذهب عيار 21 نظريًا على 875 جزءًا من الذهب الخالص في كل ألف جزء، بينما يعني تسجيل نقاء عند 760 فقط وجود فجوة قدرها 115 جزءًا من الألف، ليصبح المعدن أقرب إلى عيار 18، الذي تبلغ درجة نقائه 750 جزءًا.
وبحسب المرصد، فإن قطعة وزنها 100 جرام ومباعة على أنها عيار 21 يفترض أن تحتوي على 87.5 جرام من الذهب الخالص، بينما تحتوي عند نقاء 760 على 76 جرامًا فقط، أي أن الفارق يصل إلى 11.5 جرام من الذهب الخالص في كل 100 جرام من المشغولات.
وبطريقة أخرى، يكون حامل القطعة قد حصل على كمية من الذهب الخالص تقل بنحو 13.1% عما يفترض أن يحصل عليه مقابل عيار 21.
وتستند حالة الـ760 جزءًا إلى تصريحات محمود النمر، رئيس الجمعية الحرفية للصياغة وصنع المجوهرات في دمشق، التي وردت في تحقيق استقصائي نشره «درج» ميديا بالتعاون مع الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية «سراج»، وأفاد فيها بأن الجمعية اكتشفت بعد سقوط نظام الأسد قطعًا بهذه الدرجة من النقاء بدلًا من 875.
المشكلة ليست «ذهبًا مزيفًا» فقط
ويوضح «مرصد الذهب» أن هناك فارقًا بين الذهب المزيف تمامًا وبين التلاعب في العيار، فالقطعة التي تبلغ درجة نقائها 760 لا تزال تحتوي على ذهب حقيقي، لكن المشكلة أنها بيعت وسُعرت وجرى تداولها باعتبارها منتجًا أعلى نقاءً مما تحتوي عليه بالفعل، وهنا تصبح الخسارة أكثر صعوبة في الاكتشاف؛ إذ لا يكون المستهلك أمام معدن مقلد يمكن رفضه بالكامل، وإنما أمام ذهب حقيقي بقيمة ذهبية أقل من القيمة المثبتة عليه.كما أن وجود دمغة على القطعة يزيد تعقيد المشكلة، لأن المستهلك يفترض عادة أن الختم يعني أن جهة مختصة تحققت من العيار.
كم تساوي نقطة واحدة في سوق بهذا الحجم؟
ويقدم «مرصد الذهب» قراءة اقتصادية لحجم حساسية العيار استنادًا إلى أحدث بيانات رسمية متاحة عن الإنتاج، فقد أعلنت الهيئة أن سوريا أدخلت 13 طنًا من الذهب الخام منذ الأول من فبراير 2025، بينما تجاوز إنتاج المشغولات الذهبية المحلية سبعة أطنان خلال العام نفسه، ويعني ذلك، من الناحية الحسابية، أن اختلافًا مقداره جزء واحد فقط من الألف في متوسط نقاء سبعة أطنان من المشغولات يعادل نحو 7 كيلوجرامات من الذهب.
أما فارق 115 جزءًا، مثل الحالة التي ظهرت بين 875 و760، فيعادل حسابيًا 115 جرامًا من الذهب الخالص في كل كيلوجرام من المشغولات إذا كانت الكمية كلها تعاني الفجوة نفسها.
اقرأ أيضا: محافظ الفيوم يشدد على سرعة إنجاز مشروعات الصرف الصحي والبنية التحتية
ويشدد المرصد على أن هذا الحساب لا يعني أن إنتاج سوريا يعاني هذه النسبة من الغش، ولا توجد بيانات رسمية تسمح بتقدير نسبة المشغولات المخالفة إلى إجمالي السوق، وإنما يوضح فقط الحساسية الاقتصادية الشديدة لأي انحراف في العيار عندما ينتقل من قطعة منفردة إلى كميات كبيرة.
مشكلة الرقم غير المكتمل
وتحدث تحقيق «درج/سراج» عن تقديرات مهنية تفيد بتداول عشرات الكيلوجرامات من الذهب منخفض العيار في سنوات سابقة، كما وردت شهادة تقدر ما دخل السوق خلال عام 2013 بنحو 50 كيلوجرامًا من الليرات والأونصات والمشغولات المخالفة.
لكن «مرصد الذهب» لا يعتبر رقم 50 كيلوجرامًا إحصاءً لحجم الظاهرة، لكونه صادرًا عن شهادة مهنية وليس عن حصر رسمي للسوق.
ويكشف الحساب فقط حجم المخاطرة المحتملة: فإذا افترضنا، لأغراض القياس وليس لتقدير الخسائر الفعلية، أن 50 كيلوجرامًا كاملة بيعت بنقاء 760 بدلًا من 875، فإن الفارق في محتوى الذهب الخالص سيبلغ 5.75 كيلوجرام.. وهذا يوضح لماذا تصبح مسألة عيار الذهب قضية مالية كبيرة حتى عندما تبدو الكميات المتداولة محدودة نسبيًا؟.
الدمغة القديمة جزء من المشكلة
وتشير القراءة التي أجراها «مرصد الذهب» إلى أن أخطر ما في الأزمة ليس وجود ذهب منخفض العيار وحده، وإنما ظهور مخالفات في قطع تحمل دمغات، فالهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة أعلنت رسميًا في ديسمبر 2025 اعتماد دمغة جديدة بعد ثبوت تزوير الدمغة القديمة، بالتزامن مع استقدام أجهزة حديثة للمعايرة والدمغ بالليزر وتوزيعها على دمشق وحلب وإدلب.
وبالتالي أصبحت السوق أمام نوعين مختلفين من المخاطر: ذهب غير مدموغ أو مجهول المصدر يمكن الاشتباه فيه منذ البداية، وذهب قديم يحمل دمغة تبدو سليمة للمستهلك بينما يحتاج عياره نفسه إلى إعادة تحقق. ويرى المرصد أن العمر التاريخي للدمغة لم يعد كافيًا وحده للحكم على سلامة القطعة، خصوصًا عندما تكون من إنتاج أو تداول سنوات شهدت ضعفًا في منظومة الرقابة.

اقرأ أيضا: بمشاركة دولية.. «بحوث سخا» تستضيف ورشة العمل الدولية للابتكار في الأرز 2026
