دراسة حديثة لجامعة سري البريطانية تحذّر من أنّ أحداث الطقس الفضائي الشديدة لم تعد فرضية، بل أصبحت تهديداً مباشراً لسلامة الطيران المدني، مع تسجيل قفزات إشعاعية تصل إلى 10 أضعاف المعدل الطبيعي على ارتفاعات السفر التجاري وتأثيرها في إلكترونيات الطائرات. وأشارت إلى حادثة هبوط اضطراري لطائرة “جيت بلو” ع…
اقرأ أيضا: ظاهرة النينيو “الخارقة” هذا العام سترينا ما سيحدث للكوكب في عام 2037 | علوم
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار عادة إلى مخاطر الأعاصير والاضطرابات الجوية التقليدية، كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن جامعة سري البريطانية عن تهديد قادم من أعماق الفضاء الخارجي، يضع قطاع الطيران المدني الدولي أمام تحديات غير مسبوقة قد تعيد رسم خريطة السفر الجوي وتهدد استمرارية الرحلات في أوقات الذروة الشمسية.
وأكدت الدراسة، المنشورة في مجلة طقس الفضاء ومناخ الفضاء وأجراها مركز سري الفضائي، أن أحداث الطقس الفضائي الشديدة لم تعد مجرد فرضيات علمية، بل تحولت إلى خطر داهم يمس سلامة الركاب، وأطقم القيادة، والأنظمة الإلكترونية الحساسة على متن الطائرات التجارية الحديثة.
وعلى الرغم من الحماية النسبية التي يوفرها الغلاف الجوي للأرض، فإن الطيران على ارتفاعات شاهقة تتراوح بين ثمانية وأربعة عشر كيلومتراً يجعل الطائرات في خط المواجهة المباشر مع الإشعاعات الكونية والجسيمات عالية الطاقة المنبعثة أثناء التوهجات والعواصف الشمسية. وتشير بيانات مركز سري الفضائي إلى أن عاصفة شمسية هائلة وقعت في نوفمبر 2025 تسببت في قفزة إشعاعية وجيزة بلغت نحو عشرة أضعاف المستويات المعتادة على ارتفاعات السفر التجاري.
وقد أدى تزايد الاعتماد على الحواسيب الرقمية والأنظمة الإلكترونية المعقدة في الطائرات المعاصرة إلى جعلها أكثر عرضة للجسيمات الفضائية المشحونة؛ حيث تتسبب ظاهرة “الخلل أحادي الحدث” في إحداث اضطرابات ميكروية فورية في الرقائق الإلكترونية، وهي أخطاء صغيرة قد تتراكم بسرعة لتقفز من معدلات طفيفة إلى آلاف الحالات في الساعة الواحدة خلال السيناريوهات القصوى.
اقرأ أيضا: وفاة أستاذ في “كامبريدج” بعد أيام من استقالته.. جدل حول اتهامات بالانتحال
وتجسد هذا الخطر واقعياً في أكتوبر 2025، حين نفذت طائرة تابعة لشركة جيت بلو هبوطاً اضطرارياً أثناء رحلتها من كانكون إلى نيوارك إثر خلل تقني، لتعلق شركة إيرباص بعدها مؤقتاً تشغيل ستة آلاف طائرة من طراز A320 نتيجة اكتشاف ثغرة برمجية وحاسوبية في نظام التحكم بالطيران ناجمة عن التعرض المباشر لإشعاع شمسي مكثف.
وتتزايد التحديات التشغيلية وتتضاعف الضغوط على الطيارين، لا سيما في المسارات الشمالية والقطبية الحيوية؛ إذ تعد خطوط الطيران مثل لندن هيثرو – فانكوفر الأكثر عرضة للتأثر المباشر بالعواصف المغناطيسية الأرضية، مع امتداد رقعة التأثيرات جنوباً لتغطي مجالات جوية رئيسية فوق بريطانيا وأوروبا. ويوضح الدكتور فان لي، المؤلف الرئيسي للدراسة والباحث البارز في مركز سري، أن تعليق تشغيل طائرات إيرباص A320 أثبت بوضوح أن الطقس الفضائي واقع ملموس يعطل قطاع الطيران بالفعل، مؤكداً أنه مع تعاظم اعتماد الطائرات على الإلكترونيات المتقدمة، أصبح فهم هذه الأحداث والاستعداد المسبق لها مسألة حاسمة لأمان الأجواء العالمية.
وانتقدت الدراسة اعتماد معايير الطيران العالمية الراهنة على مراقبة التعرض الروتيني للإشعاع، وإغفالها الأثر المفاجئ والمدمر لأحداث الطقس الفضائي الحادة، فضلاً عن معاناة أنظمة الإنذار الحالية من ضعف الكفاءة عبر تسجيل ما لا يقل عن عشرة إنذارات خاطئة مقابل كل تنبيه دقيق. ولتجاوز هذه الفجوة التنظيمية، دعا المركز إلى اعتماد مقياس إشعاع موحد يدمج بيانات رصد النيوترونات الأرضية والبروتونات الفضائية لوضع معايير دقيقة تساعد في اتخاذ قرارات فورية كتغيير المسار أو إلغاء الرحلات، إلى جانب توظيف نماذج الإشعاع المتقدمة “ماير” لاستباق تأثير النشاط الشمسي أثناء مراحل تخطيط الرحلات الجوية، وتزويد الطائرات بأجهزة رصد حديثة “سايرا” لقراءة مستويات الإشعاع الفعلية اللحظية أثناء التحليق وتخفيف الضغط عن الطواقم الجوية.
وفي ختام التقرير، يؤكد الخبراء، ومن بينهم البروفيسور كيث رايدن والبروفيسور كليف داير، أن مستقبل النقل الجوي لن يشهد توقفاً تاماً للحركة، لكنه بات مرهوناً بسرعة التحول التشغيلي؛ إذ ستكون شركات الطيران وهيئات الملاحة الدولية ملزمة بإدراج نشرات الطقس الفضائي كعنصر إلزامي في غرف العمليات اليومية، بما يضمن تعديل الارتفاعات، أو إعادة توجيه المسارات القطبية، أو تعليق الطيران مؤقتاً لتفادي موجات الإشعاع الكوني وحماية سلامة الأرواح والأنظمة المحمولة جواً.
اقرأ أيضا: اختتام معسكر «النخبة» للمغامرة والتحدي ضمن معسكرات الحسين في الطفيلة
