زيارة فائق زيدان إلى دمشق.. رسائل سياسية عراقية تتجاوز ملف القضاء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تحمل زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي فائق زيدان إلى دمشق أبعادا تتجاوز الملف القضائي الذي أُعلن أنه كان محورها الأساسي، كونها تأتي في توقيت تشهد فيه علاقة البلدين تحولات سياسية وأمنية واقتصادية، مع انفتاح بغداد على القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

اقرأ أيضا: الحصيني: مضى أكثر من ثلثي الصيف و«سهيل» يعلن بدء العد التنازلي

والتقى زيدان الشرع ووزير العدل السوري مظهر الويس، وبحث ملفات قضائية وأمنية، بينها أوضاع المعتقلين والسجناء من الجانبين، لكن الزيارة اكتسبت بُعدا سياسيا لافتا مع مباركة المسؤول العراقي للقيادة السورية الجديدة نجاح الثورة والتخلص من نظام بشار الأسد.

ملف قضائي

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي العراقي غالب الدعمي لـ”عربي21″ إن زيارة زيدان “تكتسب أهمية كبيرة”، لكونها تتناول في الأساس ملفات قضائية مشتركة بين البلدين، ولا سيما ملف المعتقلين والسجناء من الجانبين.

وأوضح أن هناك سوريين معتقلين في العراق، إلى جانب عراقيين محتجزين في سوريا، مشيرا إلى أن عددا من العراقيين جرى توقيفهم في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وهو ما يجعل ملف المعتقلين أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المباحثات.

وأضاف الدعمي أن بغداد ودمشق تمتلكان اتفاقيات وتفاهمات قضائية يمكن البناء عليها لإبرام ترتيبات جديدة تسمح بإعادة المتهمين والموقوفين إلى بلدانهم، وفق الأطر القانونية والقضائية المعتمدة.

لكن الدعمي يرى أن الطابع القضائي للزيارة لا يلغي أبعادها السياسية، خصوصا في ظل مساعي البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية وتطبيعها وتوسيع مجالات التعاون بين بغداد ودمشق.

وأشار إلى أن العراق وسوريا دولتان متجاورتان، وأن طبيعة المنطقة وما تشهده من صراعات وتحديات أمنية وسياسية “تفرض قدرا أكبر من التنسيق والتعاون بينهما”.

زيارة تاريخية

ولا يرى الدعمي أن التعاون بين العراق وسوريا يجب أن يتوقف عند الملفات الأمنية والقضائية، بل يعتقد أن العلاقة يمكن أن تتوسع لتشمل ملفات اقتصادية واستراتيجية، وفي مقدمتها الطاقة وطرق تصدير النفط العراقي.

وقال الخبير إن سوريا قد تمثل أحد المسارات المهمة أمام العراق لتصدير النفط عبر ميناء بانياس، مشيرا إلى أن تنويع منافذ تصدير النفط يمثل “مصلحة استراتيجية” للعراق، ويعزز قدرته على التعامل مع التطورات الإقليمية.

ويكتسب هذا الطرح أهمية في ظل مساعي بغداد لإعادة إحياء خط كركوك-بانياس النفطي، بما يمكن أن يوفر للعراق منفذا إضافيا لتصدير الخام عبر الأراضي السورية وصولا إلى البحر المتوسط.

وبحسب الدعمي، فإن المصالح الاقتصادية يمكن أن تشكل عنصرا أساسيا في إعادة صياغة العلاقة بين البلدين، إلى جانب الملفات الأمنية والقضائية، خصوصا أن الحدود المشتركة والتحديات الإقليمية تفرض على بغداد ودمشق مستويات أعلى من التنسيق.

وخلص الدعمي إلى أن زيارة زيدان إلى سوريا يمكن وصفها بـ”التاريخية”، بالنظر إلى ما قد تفتحه من فرص لتعزيز التعاون القضائي والسياسي والاقتصادي بين البلدين، وبما يخدم المصالح المشتركة للعراق وسوريا.

وبذلك، فإن التصور الذي يقدمه الدعمي يضع الزيارة ضمن مسار أوسع من مجرد معالجة ملف المعتقلين، إذ يرى أنها قد تكون مدخلا لإعادة بناء العلاقة العراقية السورية على أساس مؤسساتي ومصالح متبادلة، خصوصا في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد.

اظهار أخبار متعلقة

قبول لافت

وفي مقابل هذه القراءة، تبرز مسألة أخرى تتعلق بردود الفعل العراقية على زيارة زيدان، ولا سيما من القوى السياسية والفصائل القريبة من إيران، التي سبق أن أبدت مواقف متشددة تجاه أي انفتاح عراقي على القيادة السورية الجديدة.

ولم تُسجّل حملة اعتراض مماثلة لما رافق لقاء رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني مع الشرع في الدوحة في نيسان/أبريل 2025، بل صدرت مواقف مؤيدة للزيارة من شخصيات قريبة من الإطار التنسيقي.

وأشاد عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، علي أنهير السراي بالزيارة، معتبرا أنها تمثل خطوة مهمة لتعزيز التعاون بين العراق وسوريا في المجالات القضائية والقانونية والأمنية.

وفي السياق ذاته، وصف المحلل السياسي القريب من الإطار التنسيقي، حيدر البرزنجي، موقف زيدان بأنه يعكس “معنى رجل الدولة”، مشيدا بمباركته للقيادة السورية الجديدة.

رجل الدولة

وقدم الباحث في الشأن العراقي أحمد الحيالي تفسيرا مختلفا لغياب الاعتراض، إذ يرى أن طبيعة موقع زيدان السياسي والقضائي جعلت التعامل مع زيارته مختلفا عن التعامل مع زيارة رئيس الحكومة السابق.

وقال الحيالي في حديث لـ”عربي21″ إن زيارة زيدان ولقاءه الشرع ومباركته للشعب السوري “كلها دلالات سياسية للزيارة ولا علاقة لها بالجوانب القضائية”، معتبرا أن الزيارة “سياسية بغطاء قضائي”.

اقرأ أيضا: “الضمان الاجتماعي” يوضح خطوات التقديم على مسار تمكين الأعمال

وأضاف أن زيدان ليس بعيدا عن الواقع السياسي والأمني الحالي في العراق، وأن حضوره السياسي تعزز خلال السنوات الماضية، إلى درجة أن البعض يراه من “أكثر الشخصيات تأثيرا” في المشهد العراقي.

وفسّر الحيالي صمت القوى القريبة من إيران، بالقول إن “سبب ذلك يأتي من كونه الرجل الأول في
العراق وبيده تطبيق القانون”، مضيفا أن هذه القوى “تخشى محاسبته وتحريك قضايا ضدها”.

ورأى أن هذا العامل يفسر، إلى حد كبير، اختلاف التعامل مع زيدان عن الطريقة التي جرى بها التعامل مع السوداني عندما التقى الشرع، إذ تعرض الأخير، بحسب الحيالي، “لسيل من الهجمات وحملات التسقيط”.

لكن الباحث يربط الانفتاح على دمشق أيضا بالمصلحة الاقتصادية العراقية، معتبرا أن بغداد بحاجة اليوم إلى تنويع طرق تصدير النفط، وأن تطوير العلاقة مع سوريا يمكن أن يحقق مكاسب اقتصادية مهمة.

ولفت إلى أن العراق اليوم بحاجة إلى تصدير النفط عن طريق سوريا، معتبرا أن تطبيع العلاقة مع القيادة السورية الجديدة، وعدم الاكتفاء بالجانب الأمني، بل توسيعها إلى المجالين السياسي والاقتصادي، “سيعود بالنفع الاقتصادي الكبير”.

وتأتي زيارة زيدان بعد زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني إلى دمشق بعشرة أيام فقط، حيث التقى الشرع ووجه إليه دعوة لزيارة أربيل وبغداد، في مؤشر آخر على اتساع قنوات التواصل العراقية مع القيادة السورية الجديدة.

كما تتزامن مع مساعٍ لإعادة إحياء خط كركوك-بانياس النفطي، بعد اتفاق بين بغداد ودمشق برعاية أمريكية، الأمر الذي يضيف بُعدا اقتصاديا مباشرا إلى العلاقات بين البلدين.

ومن هنا، تبدو زيارة زيدان وكأنها تختبر إمكانية الانتقال بالعلاقة العراقية السورية من الاتصالات الأمنية المحدودة إلى علاقة أكثر انتظاما تشمل المؤسسات السياسية والقضائية والاقتصادية، وفقا للحيالي.

ولا يستبعد الباحث العراقي أن تكون زيارة زيدان تمهيدا لخطوة أكبر، إذ يقول: “لا أستبعد أن يجري الزيدي زيارة إلى سوريا خلال الأيام المقبلة ولقاء الشرع، وتوقيع اتفاقيات اقتصادية مشتركة”.

ورجح الحيالي عدم مهاجمة أي جهة سياسية هذه الخطوة، إلا في حال وجود اعتراض إيراني، معتبرا أن موقف القوى المرتبطة بها سيتأثر بموقف طهران، كما حصل مع زيارة الزيدي إلى واشنطن والجلوس مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وبهذا المعنى، يختم الحيالي حديثه بتوقعه أن تكون زيارة زيدان قد وفرت للزيدي مساحة سياسية أوسع للتحرك باتجاه دمشق، خصوصا إذا نجحت بغداد في تقديم العلاقة مع سوريا باعتبارها قائمة على مصالح عراقية مباشرة، لا على اصطفافات إقليمية.

اقرأ أيضا: ذكرى نابليون بونابرت.. كيف ظهرت شخصيته فى الأعمال المصرية؟

‫0 تعليق