
محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية
اقرأ أيضا: «التضامن» تعلن فتح باب التقديم لحج الجمعيات الأهلية 2027 18 أغسطس
من زواج فوزية إلى قبر الشاه في القاهرة..
أحيانًا لا تكشف الصورة التاريخية كل الحقيقة، لكن حركة واحدة أمام الكاميرا قد تفتح بابًا على تاريخ كامل.
هذه المرة لم أتوقف أمام صورة، وإنما أمام فيديو قديم يظهر فيه محمد رضا بهلوي، ولي عهد إيران آنذاك، وهو يدخل القصر إلى جوار زوجته الأميرة المصرية فوزية، شقيقة الملك فاروق، بينما يجري استعراض حرس الشرف.
المشهد من الخارج يبدو احتفاليًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى: قصر عرش حرس شرف أزياء رسمية، أميرة مصرية وولي عهد إمبراطورية، لكنني توقفت طويلًا عند وجه فوزية.
لم أرَ ابتسامة واضحة، ولا علامات فرح ظاهرة ولا ذلك التفاعل الذي يتوقعه المشاهد من أميرة تدخل إلى واحد من أهم قصور العالم باعتبارها زوجة ولي العهد.
هل كانت حزينة؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة من أن نصدر حكمًا من حركة وجه أو لقطة فيديو واحدة. لغة الجسد لا تستطيع وحدها أن تثبت الحالة النفسية للإنسان، خصوصًا في مشهد ملكي يخضع للبروتوكول والكاميرات.
لكن عندما نضع الفيديو بجوار الوثائق التاريخية، يصبح المشهد أكثر إثارة.
فوثيقة بريطانية محفوظة في سجلات الهند البريطانية، عرضتها المكتبة البريطانية، تكشف أن الزواج الذي بدأ عام 1939 وسط احتفاء هائل لم ينجح في تحقيق الهدف السياسي الذي عُلقت عليه الآمال، وأن العلاقات بين مصر وإيران لم تتحسن بسببه، بل إن نهاية الزواج ألقت بظلالها على العلاقات بين البلدين لسنوات.
وهنا تتحول اللقطة من مجرد مشهد ملكي قديم إلى نافذة على تاريخ كامل من السياسة والعرش والحب والانكسار.
زواج بين عرشين
في عام 1939 كانت مصر مملكة يحكمها الملك فاروق، وكانت إيران تحت حكم الأسرة البهلوية.
فوزية فؤاد لم تكن أميرة عادية، كانت شقيقة ملك مصر، ومحمد رضا بهلوي لم يكن مجرد شاب من أسرة ملكية، كان ولي عهد إيران، وسيصبح بعد عامين فقط شاهًا على البلاد، ولهذا لم يكن الزواج قصة عاطفية فقط، وإنما كان مصاهرة سياسية بين أسرتين حاكمتين.
الملك فاروق كان يريد توطيد العلاقة مع إيران، وكان لديه طموح أكبر يرتبط بمكانة مصر في العالم الإسلامي، بينما كان رضا شاه يريد أن يمنح الأسرة البهلوية الجديدة مزيدًا من الشرعية والمكانة من خلال المصاهرة مع أسرة ملكية عريقة في المنطقة.
وتؤكد دراسة تاريخية أكاديمية أن هذه الحسابات السياسية كانت من أهم دوافع الزواج.
وفي بريطانيا، التقطت التقارير الرسمية أهمية الحدث منذ إعلان الخطوبة عام 1938، ووصفتها باعتبارها حدثًا أثار الفخر والرضا في إيران الحديثة آنذاك.
كان كل شيء يبدو مثاليًا، لكن التاريخ لا يقاس بما تراه العيون في مراسم القصور.
من القاهرة إلى طهران
تزوجت فوزية من محمد رضا بهلوي في 15 مارس 1939، وانتقلت الأميرة المصرية إلى طهران، وأصبحت زوجة ولي العهد، ثم جاءت الحرب العالمية الثانية لتقلب المنطقة كلها.
في عام 1941 أُجبر رضا شاه على التنازل عن العرش، وصعد محمد رضا إلى عرش إيران.
وهنا تغيرت طبيعة حياة فوزية، حيث لم تعد زوجة ولي عهد، وأصبحت ملكة لإيران، لكن العرش لم يمنحها بالضرورة السعادة التي كان يمكن أن يتخيلها الناس خارج القصر.
فالوثائق البريطانية تشير إلى أن الظهور العام لفوزية بدأ يتراجع تدريجيًا، بينما كانت الخلافات الزوجية تتعمق خلف أبواب القصر، إلى أن غادرت إيران عام 1945 إلى مصر فيما قيل وقتها إنها إجازة، لكنها لم تعد إلى طهران.
وهنا يصبح الفيديو الذي شاهدته أكثر أهمية، لأننا لا ننظر فقط إلى وجه امرأة في مناسبة رسمية.
نحن نعرف الآن أن وراء ذلك الوجه زواجًا سينتهي بعد سنوات قليلة.
القصر الذي لم يمنحها الأمان
كانت حياة فوزية في البلاط الإيراني شديدة التعقيد.
اختلاف البيئة والثقافة، وطبيعة القصر، والتدخلات العائلية، والخلافات مع أسرة الشاه، إضافة إلى المشكلات الزوجية نفسها، كلها صنعت بيئة لم تكن سهلة بالنسبة إلى الأميرة المصرية.
وتذكر المصادر التاريخية أن فوزية عانت بشدة، وأنها طلبت العودة إلى مصر، بينما كان محمد رضا يحاول إقناعها بالعودة إلى طهران. وتشير روايات تاريخية إلى أن الشاه نفسه أبلغ السفير البريطاني بأن والدته ربما كانت العقبة الرئيسية أمام عودة زوجته.
وهنا نكتشف شيئًا مهمًا:
لم تكن المشكلة مجرد خلاف بين زوج وزوجة، كانت هناك عائلة حاكمة كاملة خلف الزواج، وكان هناك عرش، وكانت هناك حسابات سياسية، وكانت هناك علاقات بين دولتين.
ولذلك كان الطلاق نفسه أزمة سياسية لا يمكن التعامل معها باعتباره شأنًا عائليًا خاصًا.
الوثيقة البريطانية تكشف ما وراء القصر
الأكثر أهمية بالنسبة لي في هذه القصة ليس الروايات المتداولة عن فوزية، وإنما الوثائق.
فالسجل البريطاني الذي تناول الزواج يكشف أن البريطانيين كانوا يرصدون بدقة العلاقة بين القصرين المصري والإيراني.
والعبارة الأكثر دلالة في الوثيقة أن الزواج لم يفعل الكثير لتحسين العلاقات المصرية الإيرانية.
أي أن المشروع السياسي الذي بدأ بالزواج لم يحقق أهدافه، والأخطر أن نهاية الزواج نفسها أصبحت مشكلة دبلوماسية.
لقد بدأ الزواج بسرعة وباحتفال وضجيج إعلامي كبير، لكن نهايته جاءت بطيئة وحساسة، لأن القاهرة وطهران كانتا تحاولان تجنب انفجار دبلوماسي بينهما.
وهنا تظهر المفارقة:
الزواج الذي جمع العرشين لم ينجح في جمع الدولتين.
لماذا انتهى الزواج؟
لا توجد إجابة واحدة تختصر كل شيء.
فالزواج انتهى نتيجة تراكمات: خلافات زوجية، توترات داخل القصر، اختلافات في البيئة والحياة، ومشكلات شخصية وعائلية وسياسية.
غادرت فوزية إيران عام 1945 ولم تعد، وبعد سنوات من الانفصال، تم الطلاق رسميًا في 17 نوفمبر 1948.
وتشير الدراسة الأكاديمية التي تناولت الزواج إلى أن الانفصال جاء بعد قرابة عشر سنوات من الزواج، وأن ظروفه ارتبطت بتعقيدات سياسية واجتماعية وشخصية داخل الأسرة البهلوية.
وهكذا انتهت واحدة من أشهر المصاهرات الملكية في القرن العشرين، لكن الحكاية لم تنته.
المفارقة الكبرى.. الشاه يعود إلى مصر
بعد أكثر من ثلاثين عامًا من طلاق فوزية، تغير العالم كله، سقطت الملكية المصرية عام 1952، وسقطت ملكية إيران عام 1979.
محمد رضا بهلوي، الرجل الذي كان يومًا إمبراطور إيران، خرج من بلاده مطاردًا في رحلة طويلة بين المنافي، ثم جاء إلى مصر.
وهنا كتب التاريخ واحدة من أكثر مفارقاته غرابة.
الرجل الذي دخل القصر الإيراني يومًا بجوار الأميرة المصرية، عاد إلى مصر في نهاية حياته لا باعتباره شاهًا يحكم إيران، وإنما ملكًا مخلوعًا يبحث عن مكان آمن.
استقبله الرئيس أنور السادات، وظلت مصر من الدول القليلة التي فتحت له أبوابها.
وفي 27 يوليو 1980 توفي محمد رضا بهلوي في القاهرة عن ستين عامًا، وأقيمت له جنازة رسمية في مسجد الرفاعي، حيث دُفن إلى جوار أفراد من أسرة محمد علي الملكية المصرية، ومن بينهم الملك فاروق، شقيق فوزية.
يا لها من مفارقة تاريخية.
فوزية كانت زوجة الشاه ثم عادت إلى مصر.
وفاروق كان ملك مصر ثم انتهى به المطاف بعيدًا عن عرشه.
اقرأ أيضا: رئيس «إدارة المخلفات»: مدفن شلاتين الصحي يستقبل المخلفات غير القابلة للتدوير
والشاه كان إمبراطور إيران ثم عاد إلى القاهرة ليُدفن فيها.
ثلاثة مسارات ملكية التقت في مكان واحد.
مصر التي لا تنسى أبناء التاريخ
عندما وقف أنور السادات في جنازة الشاه، لم يكن المشهد مجرد مراسم دفن لرجل فقد عرشه، بل كان تعبيرًا عن علاقة تاريخية وسياسية امتدت بين مصر وإيران عبر عقود، رغم الخلافات والتحولات.
السادات لم يكتفِ باستقبال الشاه.
بل أشرف على جنازته وأقام له مراسم رسمية كاملة، ودفن في مسجد الرفاعي، ذلك المكان الذي يحتضن مقابر عدد من أفراد الأسرة المالكة المصرية.
وهنا تبدو مصر مختلفة.
الدول تتغير.
الأنظمة تسقط.
الملوك يرحلون.
لكن القاهرة تظل قادرة على أن تحتفظ بآثار من مروا على مسرح التاريخ.
من فيديو قصير إلى تاريخ طويل
ربما لم تكن فوزية حزينة في ذلك الفيديو، وربما كانت فقط تؤدي دورها الملكي أمام الكاميرات، وهذا هو التفسير الذي يجب أن يحترمه الباحث والصحفي.
لكن ما نستطيع قوله بثقة أكبر هو أن التاريخ الذي جاء بعد تلك اللقطة يؤكد أن الصورة الخارجية لذلك الزواج لم تكن تعكس حقيقة الحياة داخله.
لقد بدأ الزواج في أجواء من الاحتفال الدولي.
وانتهى بالانفصال، حيث بدأ باعتباره جسرًا بين مصر وإيران، وفشلت المصاهرة في تحقيق ذلك الجسر.
بدأت فوزية حياتها في طهران كأميرة مصرية، ثم أصبحت ملكة، ثم عادت إلى القاهرة.
وبعد عقود عاد زوجها السابق إلى المدينة نفسها، لكن في ظروف مختلفة تمامًا، ليكون قبره في مسجد الرفاعي قريبًا من قبر شقيق زوجته السابقة، الملك فاروق.
هذه ليست مجرد قصة زواج ملكي فاشل، إنها قصة مرحلة كاملة من تاريخ الشرق.
مرحلة كانت فيها القصور ترسم السياسة، والزواج يمكن أن يصبح اتفاقًا بين دولتين، والأميرة قد تتحول إلى ورقة في لعبة النفوذ، والعرش يبدو أبديًا بينما هو في الحقيقة أكثر الأشياء قابلية للسقوط.
والفيديو الذي بدأ منه السؤال لا يقدم لنا الحقيقة كاملة، لكنه يطرح السؤال، أما الوثائق فتقدم لنا بعض الإجابات.
وبين وجه أميرة مصرية في قصر طهران وجثمان آخر شاه لإيران في مسجد الرفاعي بالقاهرة تمتد أكثر من أربعين سنة من التاريخ.
تاريخ بدأ بزواج بين عرشين، وانتهى بقبر في القاهرة.
إنها مصر التاريخ، حين كانت تستقبل الملوك وهم على العرش، وحين كانت تفتح أبوابها لهم بعد سقوط العروش. (كاتب وباحث في
الجيوسياسية والصراعات الدولية).
اقرأ أيضاًالأميرة فوزية ابنة فؤاد الثاني تزور مصر لأول مرة «صور»
ما قبل ثورة يوليو.. كيف تآكلت شرعية النظام الملكي؟
شهادات تاريخية.. عبد الناصر انحاز للبسطاء وجعلهم أولوية دائمة
اقرأ أيضا: البرلمان العربي يُحذر سلوفينيا من سحب الاعتراف بفلسطين أو نقل سفارتها للقدس
