خالد عمر يوسف: خطاب البرهان يؤكد المضي في الحرب
بعد 15 عاماً على انفصال جنوب السودان، الذي جاء تتويجاً لعقود طويلة من الحرب وانتهى باتفاقية نيفاشا ثم استفتاء اختار فيه الجنوبيون الانفصال عام 2011، يعود شبح الانقسام ليخيّم على السودان، ولكن هذه المرة من بوابة الحرب الدائرة منذ أبريل 2023.
اقرأ أيضا: ارتفاع حصيلة ضحايا زلزال إندونيسيا إلى 47 قتيلاً ومخاوف من زيادة الأعداد
فدعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان إلى إجراء حوار في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش فتحت الباب أمام تساؤلات سياسية عميقة حول ما إذا كان الحوار المطروح يمثل مساراً لإنهاء الحرب، أم بداية لترسيخ واقع جغرافي وسياسي جديد يكرّس انقسام البلاد بين مناطق نفوذ متنافسة.
وبينما كان انفصال الجنوب نتيجة لمسار سياسي أنهى حرباً استمرت أكثر من عقدين، يخشى سودانيون من أن يؤدي استمرار الحرب الحالية إلى إنتاج انقسام آخر، لا عبر استفتاء هذه المرة، وإنما عبر تثبيت مناطق السيطرة العسكرية وتحويل خطوط المواجهة إلى حدود سياسية وأمر واقع يصعب التراجع عنه.
وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، تبدو معركة الحفاظ على وحدة السودان اليوم مرتبطة ليس فقط بإيقاف القتال، وإنما بمنع تحول الجغرافيا التي رسمتها الحرب إلى خريطة سياسية جديدة، يكون الحوار فيها أداة لتثبيت الانقسام بدلاً من أن يكون مدخلاً لإنهائه.
تحذيرات سياسية من حوار “مجزأ”
حذّر قياديون في قوى سياسية ومدنية سودانية من أن الدعوات إلى إجراء حوار داخل مناطق خاضعة لسيطرة أحد طرفي الحرب قد تقود إلى تكريس الانقسام القائم على الأرض، مؤكدين أن أي مسار لإنهاء الحرب يجب أن يكون شاملاً ويجمع بين وقف إطلاق النار ومعالجة الأزمة الإنسانية والتوصل إلى تسوية سياسية.
وأوضح خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف “صمود”، إن أي دعوة للحوار في منطقة واحدة بالسودان، تحت سيطرة أحد أطراف الحرب، تعني عملياً “ترسيخ التقسيم القائم الآن”، وتجعل مهمة إعادة توحيد البلاد لاحقاً أكثر صعوبة.
وشدد يوسف على أن الحفاظ على وحدة السودان ومنع انزلاقه نحو التشظي والتفتيت يتطلب عملية سياسية وسلاماً شاملاً ضمن حزمة متكاملة، تربط بين ثلاث مسارات رئيسية: مسار أمني يهدف إلى وقف إطلاق النار، ومسار إنساني لمعالجة تداعيات الحرب، ومسار سياسي يتناول القضايا التي قادت إلى اندلاعها.
وأكد أن الحوار لا ينبغي أن يقتصر على مناطق بعينها أو يستبعد مناطق أخرى، بل يجب أن يشمل جميع أنحاء السودان ومكوناته، محذراً من أن “الألاعيب قصيرة النظر” التي تستهدف شرعنة سلطة أطراف الحرب بقوة السلاح ستكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد.
وأشار يوسف إلى تجارب دول أخرى شهدت انقسامات أو تقسيمات بحكم الأمر الواقع، قائلاً إن إعادة توحيد تلك الدول أصبحت مهمة شاقة ومعقدة، فيما لم تتمكن دول أخرى من استعادة وحدتها حتى الآن.
شرعنة حكم السلاح وتكريس الانقسام
وفي تعليقه على خطاب عبد الفتاح البرهان، أشار يوسف إن الخطاب، في تقديره، أكد عزم البرهان ومجموعته على مواصلة الحرب، واتهمهم بالسعي إلى شرعنة سلطة عسكرية مع إشراك بعض الوجوه المدنية لإخفاء طبيعة المشروع.
وذهب القيادي في “صمود” إلى القول إن الخطاب يمثل، بحسب تقييمه، امتداداً لأفكار سبق أن طرحتها قيادات في النظام السابق، مشيراً إلى ورقة أحمد هارون “أحد المطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية” الصادرة في فبراير 2025 بعنوان “أجندة المستقبل”، وإلى اجتماعات قال إنها انعقدت مؤخراً في تركيا بمشاركة تيارات من “الإخوان” لمناقشة استراتيجية التعامل مع الضغوط التي تواجهها، على حد تعبيره.
وقال يوسف إن جوهر ما وصفه بـ “مناورة البرهان” يقوم على إخفاء الحضور العلني للمؤتمر الوطني “إحدى واجهات الإخوان”، مع إبقاء نفوذه قائماً من خلف الستار، معتبراً أن الحكم العسكري في السودان سيعني عملياً، من وجهة نظره، عودة هيمنة “الإخوان” على مؤسسات الدولة.
وأضاف أن البرهان يعتمد على “الإخوان” بدرجة كبيرة في إدارة الحرب، لكنه يدرك، بحسب تقديره، أن وجودهم في واجهة الحكم لن يحظى بقبول داخلي أو خارجي.
واتهم يوسف البرهان بمحاولة الوصول إلى السلطة “بأي ثمن”، محذراً من أن هذه المناورة لن تستقطب قوى سياسية ذات مصداقية، كما أنها لن تقنع الخارج، وقد تقود في نهاية المطاف إلى خلافات بين البرهان وبعض داعميه الإقليميين الرافضين لعودة تنظيمات “الإخوان” إلى السلطة.
اقرأ أيضا: العيسوي يعزي عشيرة العواملة…
وختم يوسف تحذيراته بالقول إن الشعب السوداني سيكون الطرف الأكثر دفعاً لثمن استمرار الحرب، عبر إطالة أمد معاناته الإنسانية والسياسية.
الحوار يجب أن يكون سودانياً ومستقلاً
من جانبه، أكد المصباح أحمد، رئيس دائرة الإعلام في حزب الأمة القومي، إن الأساس الصحيح لبناء حوار سوداني ـ سوداني يتمثل في توافق القوى السياسية المدنية الديمقراطية ومكونات الشعب السوداني عبر آلية مستقلة، على أن تكون ملكية الحوار سودانية، وأن يحدد السودانيون أنفسهم ملفاته وأجندته.
وأوضح أحمد أن الإشكالية الأساسية في حوار الداخل لا تتعلق بمبدأ الحوار ذاته، وإنما بـ “البيئة المحيطة به وأجندته وغاياته”.
وأشار إلى أن القوى السياسية المدنية كانت قد صاغت الاتفاق الإطاري داخل السودان، ولكن، وفق تعبيره، “بشروط الشعب السوداني”، مع الاستناد إلى شعارات ثورة ديسمبر.
وأكد أن الحوار ينبغي أن يضم مختلف مكونات المجتمع السوداني، مستثنياً المؤتمر الوطني وواجهات “الإخوان”.
جعفر حسن: أسلحة تصل إلى “كتائب البراء” من إيران
وفي سياق متصل، كشف جعفر حسن، القيادي في تحالف “صمود” والمسؤول الإعلامي في حزب التجمع الاتحادي، معلومات عن السلاح الذي يصل إلى “كتائب البراء” إحدى جماعات “الإخوان” التي تشارك في الحرب مع الجيش، حيث أوضح ان السلاح يأتي لهذه المجموعة من إيران “بشكل مباشر وواضح”، مضيفاً أن مجموعات وصفها بأنها “حركات إرهابية” من شرق وغرب أفريقيا موجودة إلى جانب ما يسمى بـ “كتيبة البراء”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه الخلافات بشأن طبيعة المسار السياسي المطلوب لإنهاء الحرب في السودان، وسط تحذيرات من أن أي ترتيبات سياسية لا تتزامن مع وقف إطلاق النار ومعالجة الوضع الإنساني قد تؤدي إلى تثبيت موازين القوى التي أفرزتها الحرب على الأرض، بدلاً من تأسيس مسار يقود إلى تسوية شاملة تحفظ وحدة السودان.
اقرأ أيضا: انطلاق معسكر سواعد الإنقاذ وإدارة الأزمات في مديرية شباب عجلون
