النقوط والمناسبات.. حين تصطدم فرحة المناسبات بضيق الحال…

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – يخرج أبو خالد محفظته ببطء، ويعد الأوراق النقدية بهدوء يخفي خلفه قلقا لا يريد أن يظهره. خمسون دينارا لابن أخيه الذي نجح في التوجيهي، وثلاثون لابنة صديقه التي تخرجت من الجامعة الأسبوع الماضي، وعشرون لابن جيرانه الذي احتفلت عائلته به أمس.اضافة اعلان
ما يقارب مائة دينار دفعها في أسبوعين، وهو يعلم أن خلال الشهر القادم ستأتي مناسبات أخرى، ومصاريف لا تنتهي.
“الناس يعلمون أن الأوضاع المالية صعبة، لكن لا أستطيع أن أبارك لأحدهم بلا نقوط، فهذا واجب اجتماعي”؛ بهذه الكلمات وصف أبو خالد حاله مع الواجبات الاجتماعية.
حسابات صامتة وضغط مالي 
موسم نتائج التوجيهي والتخريج من الجامعات يعيد كل عام إنتاج مشهد متكرر في الأردن؛ احتفالات وهدايا للمناسبات، وحسابات صامتة وضغط مالي من جهة أخرى.
النقوط في الثقافة الأردنية ليست مجرد هدية، بل هي لغة اجتماعية متكاملة تحمل في طياتها معاني التكافل والمحبة والانتماء، لكن حين تتراكم المناسبات وتضيق الأحوال، تتحول هذه اللغة أحيانا إلى عبء يصمت عنه الجميع خشية سوء الفهم.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن ما يعيشه أبو خالد ليس حالة فردية، بل ظاهرة اقتصادية واجتماعية واسعة.
ويقول: “المواطن الأردني يعيش ضغطا مزدوجا؛ ضغط ارتفاع تكاليف المعيشة الذي لا يتوقف، وضغط الالتزامات الاجتماعية التي لها موسمها المعروف كل عام، وحين يتزامن الاثنان، تجد الأسر نفسها أمام خيار لا خيار فيه، إما تلبية الواجب الاجتماعي على حساب الميزانية، وإما التغيب الذي قد يفسر خطأ”.
 تصاعد النفقات الأسرية
ويضيف عايش أن موسم التوجيهي والتخريج ومناسبات أخرى تتزامن مع بداية فصل الصيف، حين تتصاعد النفقات الأسرية الأخرى من ملابس ومستلزمات المدرسة القادمة، ما يجعل الأثر المالي مركبا ومتراكما.
ويوضح أن الأسرة المتوسطة قد تجد نفسها أمام خمس مناسبات أو ست في شهر واحد، وكل مناسبة لها توقعاتها الاجتماعية غير المعلنة، وهذا ضغط حقيقي يؤثر على الميزانية الأسرية بشكل ملموس.
في الجهة الأخرى، تجلس أم علي وسط بيتها الذي يفوح منه رائحة القهوة وبقايا الحلويات من الليلة الماضية. ابنها علي نجح في التوجيهي بمعدل يثلج الصدر، والبيت لم يهدأ منذ يومين من الزوار والمهنئين.
وتبين أنها اليوم تعيش هذه الفرحة وهي من تستقبل التهاني والمباركات والنقوط بمختلف أشكالها، لكنها لا تعتب على أحد إن جاء وبيده نقوط بسيط، أو حتى بلا شيء، مؤكدة أن من يفرح معها ويهنئها بنجاح ابنها هو أعظم ما تريده وأن أوضاع الناس المادية والتزاماتهم كبيرة، ولا عتب على أحد.
كل حسب قدرته وطاقته
وتضيف: “لو بإيدي بقول للجميع أهلا وسهلا بكم بلا نقوط، لكن أعرف أن الحديث سهل وتطبيقه صعب علينا كمجتمع اعتاد على الإهداء والنقوط”.
هذه الجملة الأخيرة هي بالضبط ما يتحدث عنه اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي، حين يصف النقوط بوصفها “لغة تكافل حقيقية تحمل جوهرا إنسانيا عميقا، لكنها لغة تحتاج إلى قراءة السياق”.
ويشرح خزاعي أن النقوط في أصلها نشأت في مجتمعات ريفية متماسكة كآلية تكافلية تلقائية، لم تكن يوما منافسة أو إلزاما بمبلغ محدد، بل كانت تعبيرا عن الانتماء، وكل حسب طاقته وظرفه.
ويبين أن الجار الفقير كان يعطي ما يستطيع، والجار الميسور أكثر، وكلاهما كان مكرما بالقدر نفسه.
أهمية مراعاة ظروف الآخر
لكن المشكلة اليوم، حسب خزاعي أن هذه اللغة فقدت مرونتها في بعض السياقات الحديثة، وصار المبلغ يقاس بمقاييس قد لا تراعي الظروف الحقيقية للمُهدي، بل قد يحكم على الشخص بناء على ما أعطى.
ولأن المناسبات كثيرة، ما يعني أن النقوط والهدايا كثيرة أيضا، يبين تيسير أنه يتلقى الدعوات ويبارك ويهنئ، لكنه يختار بعناية ما يستطيع حضوره.
ويقول: “ليس لأنني لا أحب الناس، لكن لا طاقة لي للتعامل معها جميعها، وإن كان هناك نقوط، فإني أقدم ما باستطاعتي”.
ويرى عايش أن الحل ليس في إلغاء هذا الموروث الجميل، بل في إعادة ترتيبه بوعي جماعي، فالتكافل الحقيقي يعني أن تفرح لفرح الآخر دون أن تثقل كاهله بتوقعات.
والهدية الصغيرة المقدمة بقلب كبير تساوي أضعاف هدية كبيرة مصحوبة بضغط. ويشير إلى أن المنافسة في الهدايا أو الإحساس بالإلزام ببلوغ مبالغ معينة يحول التكافل إلى عبء يناقض روحه.
 النقوط والتكافل الاجتماعي بالأسر
ويؤكد أن الضغط الاجتماعي غير المعلن هو أصعب أنواع الضغط، لأنه لا يقال ولا يعترف به، لكنه موجود ومؤثر في قرارات الناس اليومية.
ويتفق خزاعي معه، فيقول: “النقوط حين تعطى بطيب خاطر وتستقبل بشكر حقيقي من دون توقع مبالغ، هي من أجمل ما في ثقافتنا، وحين تتحول إلى حساب ومقارنة وضغط، تفقد روحها تماما. المطلوب ليس وقف النقوط، بل استعادة المعنى؛ أن أكون معك في فرحتك بما أستطيع، لا بما يرهقني”.
أما أبو خالد، فأغلق محفظته وذهب إلى الاحتفال، ابتسم، وهنأ وشعر بدفء حقيقي حين رأى فرحة الأسرة، فلم يندم على المائة دينار، لأن الفرحة المشتركة كانت أكبر من أي حساب.
لكنه حين عاد إلى البيت، فتح الآلة الحاسبة من جديد، فالواجب قام به، والفرحة كانت حقيقية، لكن همومه الاقتصادية تزايدت.

اقرأ أيضا: الكادر التعليمي.. تفوق نسائي وتصدر للمرحلة الابتدائية

‫0 تعليق