
أبطل المجلس الدستوري الفرنسي مشروع القانون الذي أقرّه البرلمان لحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 15 عاماً بدواعي تقييد الحرية، ومع ذلك تستمر دول أخرى في تقييد وصول الأطفال إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليتكرر السؤال: هل أنا مع الحظر أم ضده؟ والمشكلة في السؤال نفسه، لأنه يحصر قضية شديدة التعقيد في خيارين متقابلين، بينما حماية الأطفال في العصر الرقمي تتطلب مقاربة أوسع بكثير من السماح أو المنع.
ليس من الصعب فهم الدافع وراء الحظر، فالمخاطر التي يتعرض لها الأطفال في الفضاء الرقمي متعددة وجدية؛ من التنمر والاستغلال والمحتوى الضار والمضلل، إلى انتهاك الخصوصية وجمع البيانات، إلى الإعلانات الموجهة، والإدمان الرقمي وغيرها. لذلك، فإن مطالبة الحكومات بالتدخل ليست مبالغة، بل استجابة مشروعة لتحول الفضاء الرقمي إلى جزء أساسي من البيئة التي ينمو داخلها الأطفال.
لكن الحظر، رغم جاذبيته، لا يمثل حلًا كافيًا. ففي عالم تتعدد فيه المنصات والحسابات ووسائل تجاوز القيود، يصبح تطبيق المنع الكامل أمرًا بالغ الصعوبة. وقد يؤدي أحيانًا إلى نتيجة عكسية، حين ينتقل الأطفال إلى منصات أقل تنظيمًا وأكثر خطرًا، فتضعف قدرتنا على متابعتهم وحمايتهم. كما أن الإنترنت لم يعد مجرد مساحة للترفيه؛ بل أصبح جزءًا من التعليم والمعرفة والتواصل. ومن ثم فإن إخراج الطفل من الفضاء الرقمي ليس واقعيًا.
لهذا أعتقد أن السؤال الصحيح ليس: هل نمنع الأطفال من دخول الفضاء الرقمي؟ وإنما: كيف نجعل دخولهم إليه أكثر أمانًا، وكيف نوزع مسؤولية الحماية بصورة عادلة بين الدولة، والمنصة، والطفل، والأسرة، والمدرسة؟
الحظر أو تحديد السن يمكن أن يكون جزءًا من الإجابة، خصوصًا بالنسبة للأعمار الصغيرة أو الخدمات والمحتويات عالية الخطورة، لكنه يجب أن يكون جزءًا من منظومة أشمل. تبدأ بوصول رقمي متدرج يتناسب مع العمر والنضج ونوع الخدمة، وبأنظمة موثوقة للتحقق من العمر تراعي الخصوصية ولا تتحول إلى أدوات جديدة لجمع بيانات الأطفال. وتشمل كذلك إلزام المنصات بمبدأ السلامة منذ التصميم، وفرض إعدادات خصوصية وحماية افتراضية لحسابات القاصرين، وتقليل جمع بياناتهم واستخدامها تجاريًا، وحظر أنماط التصميم التي تستغل ضعف قدرتهم على ضبط الوقت والانتباه.
ولا يمكن تجاهل الخوارزميات في هذه المعادلة. فالحماية الرقمية تتطلب مساءلة أنظمة التوصية التي تحدد ما يراه الطفل وما يتكرر أمامه، وفرض قدر أكبر من الشفافية عليها، وتقييد الإعلانات والاستهداف السلوكي للقاصرين، وإجراء تقييمات دورية لمخاطر المنصات، وفتح المجال أمام الرقابة المستقلة والتدقيق في آثار منتجاتها على الأطفال.
إلى جانب ذلك، نحتاج إلى تعزيز تعليم الثقافة والمواطنة الرقمية في المدارس، وبناء قدرات الآباء والمعلمين، وتعزيز مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات وحماية الخصوصية لدى الأطفال أنفسهم.
ونحتاج إلى قنوات واضحة وسريعة للإبلاغ عن الإساءة، وخدمات دعم للأطفال المتضررين، وآليات أكثر فاعلية للتحقيق في الجرائم الرقمية.
كما يجب أن تصبح حماية الأطفال جزءًا من سياسات الذكاء الاصطناعي، وحوكمة البيانات والمناهج التعليمية وسياسات الصحة العامة، لا ملفًا منفصلًا تتعامل معه الحكومات بعد وقوع الضرر.
وفي ظل المنصات العابرة للحدود نحتاج أيضًا إلى معايير دولية مشتركة لحقوق الأطفال الرقمية، ومسؤولية المنصات، والخصوصية، والإعلانات، والتحقق من العمر، وشفافية الخوارزميات، وتبادل المعلومات والتعاون في مواجهة الجرائم والمخاطر العابرة للحدود.
لهذا، فإن موقفي ليس مع الحظر أو ضده. أنا مع الحماية، والحظر إحدى أدواتها، لكنه ليس إستراتيجية للحماية بحد ذاته. المشكلة في نهاية المطاف ليست أن الأطفال دخلوا العالم الرقمي فحسب، بل إن هذا العالم لم يُصمم بما يكفي لحمايتهم. والتحدي الحقيقي أمام صانع القرار ليس أن يقرر كيف يغلق الباب أمام الطفل، بل كيف يعيد تنظيم ما يوجد خلف ذلك الباب.
اقرأ أيضا: الفلسطيني السيقلي.. خرج من السجن فاستقبل شهادات وفاة 6 من أطفاله
