إسرائيل ولبنان.. ومفاوضات استهلاك الوقت

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في السياسة، لا يعني استمرار المفاوضات بالضرورة أن الأطراف تقترب من الاتفاق. أحياناً يكون التفاوض نفسه وسيلة لتأجيل الاتفاق، أو لإدارة الصراع بأدوات أكثر نعومة، أو لكسب الوقت إلى أن تتغير الظروف المحيطة بالطاولة. وهذا بالضبط ما يبدو أن المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية تتجه إليه: مسار لا يمكن للبنان التخلي عنه، لكنه لا يزال عاجزاً عن تحويله إلى طريق نحو الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب.

اقرأ أيضا: 22 أغسطس.. نظر استئناف الفنان بيومي فؤاد على حكم إلزامه بدفع نفقة «نجله» – الأسبوع

منذ انطلاق المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة، بدا أن هناك معادلة يفترض أن تقود إلى إنهاء الوضع العسكري المستجد في جنوب لبنان: انسحاب إسرائيلي تدريجي في مقابل خطوات لبنانية تتعلق بفرض سلطة الدولة ونزع سلاح حزب الله. وكان اتفاق الإطار الذي أُعلن في يونيو قد ربط بصورة مباشرة بين الانسحاب الإسرائيلي التدريجي ونزع سلاح حزب الله، على أن تبدأ العملية من مناطق تجريبية محددة وتخضع للتحقق. لكن المشكلة ظهرت منذ اللحظة التي انتقلت فيها المفاوضات من الاتفاق على المبدأ إلى البحث في التفاصيل. ففي جولة يوليو في روما، جرى الحديث عن «مناطق تجريبية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتسلمها للجيش اللبناني، فيما ظلت الخلافات قائمة حول حجم المناطق وآلية التنفيذ وتسلسل الخطوات. وفي الوقت الذي تحدثت فيه واشنطن عن تقدم إيجابي، بقيت مسألة الانسحاب الكامل بلا جدول زمني واضح.

هنا تحديداً تظهر معضلة «استهلاك الوقت». فإسرائيل لا تغلق باب التفاوض، لكنها في الوقت نفسه لا تقدم ما يكفي لتحويل التفاوض إلى مسار نهائي. هناك جولات جديدة، وآليات جديدة، وأفكار جديدة، ولجان للتحقق، وقوائم دول يمكن أن تشارك في مراقبة نزع السلاح.

آخر التطورات تؤكد أن الملف انتقل من البحث في الانسحاب إلى البحث في كيفية التحقق من نزع سلاح حزب الله. وتشير أحدث التقارير إلى أن بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وإندونيسيا من بين الدول التي يجري بحث مشاركتها في آلية دولية محتملة للتحقق من نزع السلاح، وإن كان مسؤولاً لبنانياً نفى لاحقاً وجود اتفاق نهائي على قائمة بهذه الدول. فيما تتواصل المناقشات حول طبيعة هذه الآلية ومهمتها وصلاحياتها.

قد يبدو هذا للوهلة الأولى تقدماً تقنياً، لكنه (تقدم خادع) لأنه يطيل المسافة التي تفصل لبنان عن الهدف الأساسي. فبدل أن يكون السؤال: متى تبدأ إسرائيل الانسحاب؟، أصبح السؤال: كيف نتحقق من نزع السلاح؟ ومن يراقب؟ وهل يحق للمراقبين تفتيش المنازل؟ وما طبيعة القوات الأجنبية؟ وهل تدخل ضمن اليونيفيل أم تعمل في إطار جديد؟

كل هذه الأسئلة مهمة، لكنها في الوقت نفسه تنقل مركز الثقل من الاحتلال والانسحاب إلى السلاح وآليات مراقبته.

وعندما يتحول التفاوض إلى سلسلة لا تنتهي من الشروط الفنية والأمنية، يصبح الوقت في حد ذاته مكسباً للطرف الذي يملك القدرة على فرض الوقائع على الأرض.

وهكذا تصبح المفاوضات أمام معادلة شديدة التعقيد: لبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي باعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة سيادته واستقرار الجنوب، وإسرائيل تريد ضمانات أمنية متزايدة قبل الانسحاب، فيما بقي حزب الله الطرف الأكثر ارتباطاً بملف السلاح، خارج الاتفاق التفاوضي المباشر.

هذه ليست مجرد مشكلة تقنية. إنها مشكلة سياسية في جوهرها. فالانسحاب لا يمكن أن يصبح «جائزة» مؤجلة إلى ما بعد تنفيذ سلسلة مفتوحة من الشروط. وإلا فإن التفاوض يتحول تدريجياً من عملية متبادلة إلى عملية أحادية الاتجاه.

وتبقى واشنطن هي الطرف الوحيد القادر، على ممارسة ضغط سياسي على إسرائيل. وقد أظهرت التجربة أن لبنان يحتاج إلى الولايات المتحدة ليس فقط لرعاية المفاوضات، وإنما لضمان أن تكون المفاوضات متوازنة في نتائجها. فالرئيس اللبناني جوزيف عون حمل إلى واشنطن في يوليو مقترحاً يتعلق بنزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، في محاولة للحصول على دعم أمريكي يدفع باتجاه إنهاء الوجود الإسرائيلي في الجنوب. والمطلوب هو أن تصبح واشنطن ضامناً لتلازم الخطوات: نزع السلاح مقابل الانسحاب، وليس نزع السلاح أولاً ثم البحث لاحقاً في الانسحاب. وهذا فارق جوهري.

اقرأ أيضا: تداول 10 آلاف طن و546 شاحنة بضائع عامة بموانئ البحر الأحمر -جريدة المال

فلبنان، مهما كانت الخلافات الداخلية حول سلاح حزب الله، لا يستطيع أن يدخل في عملية تفاوضية تسمح بتحويل الاحتلال إلى ورقة تفاوض مفتوحة. كما أن معالجة ملف السلاح يجب أن تكون جزءاً من مسار لبناني داخلي لبناء احتكار الدولة للسلاح، لا مجرد استجابة لشروط إسرائيلية تتغير من جولة إلى أخرى.

والأهم أن لبنان لا يملك رفاهية الانسحاب من المسار التفاوضي. لا توجد أمامه في اللحظة الراهنة بدائل أفضل تضمن استعادة أراضيه وتجنب الانزلاق إلى حرب جديدة.

من هنا تصبح جولة سبتمبر المرتقبة في روما اختباراً حقيقياً للمسار كله. مع التأكيد على أن المفاوضات الجادة لا تُقاس بعدد الجولات، ولا بعدد اللجان، ولا بعدد الدول التي يمكن أن تشارك في آليات التحقق، وإنما بقدرتها على تحويل الاتفاقات إلى وقائع.

حتى الآن، يبدو أن إسرائيل نجحت في إبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً، من دون أن تغلق الباب العسكري. وهذه هي الصيغة المثالية لمن يريد كسب الوقت: تفاوض لا يتوقف، وتصعيد لا ينتهي، وشروط أمنية تتسع كلما اقترب موعد تنفيذ الالتزامات. لكن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.

فإذا كان الهدف فعلاً هو إعادة السيادة اللبنانية إلى الجنوب ووقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية طويلة الأمد بين لبنان وإسرائيل، فإن الخطوة الأولى يجب أن تكون واضحـة: تحويل الانسحاب من وعد مؤجل إلى التزام محدد بجدول زمني وآلية تنفيذ.

أما إذا ظل الانسحاب هو آخر بند في قائمة الشروط، فسيبقى التفاوض قائماً، وستبقى روما تستضيف جولة جديدة، وستظل الأطراف تتحدث عن «تقدم إيجابي» و«آليات تحقق» و«مناطق تجريبية»… بينما يظل الاحتلال قائماً على الأرض.

اقرأ أيضا: حكم صلاة المأمومين حال اقتدائهم بـ مُبلِّغ لم يدخل في الصلاة؟.. دار الإفتاء ترد

‫0 تعليق