يخبرنا الكاتب شعبان يوسف بأن الورشة كان اسمها في البداية «النادي الأدبي الثقافي»، واهتمت وقتها بمناقشة ما يرد بمجلة الثقافة الوطنية التي رأس تحريرها الكاتب والمؤرخ الموهوب صلاح عيسى، لكن لم تلبث أن حملت اسمها المتعارف عليه الآن، بعد ندوة عقدت عقب وفاة يوسف إدريس باسم «ورشة يوسف إدريس للإبداع والنقد» وقبلها بيومين عقدت ندوة أخرى حول إدريس بمركز الهناجر، فكتب السوري نجيب سليمان عن الفعاليتين مقالاً بصحيفة «أخبار الأدب» تحت عنوان: «أطياف العرش بين الزيتونيين والتسعينيين»، فراق هذا للبعض فأطلقوا عليها اسم «ورشة الزيتون».
اقرأ أيضا: دون تغيير.. تفاصيل سعر العملات الأجنبية الدولار واليورو الآن
ورغم بساطة المكان، إذ إنه مجرد طابق أرضي محدود المساحة بمبنى قديم في حي الزيتون بالقاهرة، هو مقر «حزب التجمع» هناك، فإن الورشة أثبتت أن الثقافة ليست بوسع المكان، ولا بوجود منابرها في وسط العاصمة كما اعتاد كثيرون، ولا بسخاء الموارد المالية، إنما بوسع العقول ورحابة الصدور، والحرص على الاستمرار، وإخلاص القائمين على هذا المنبر، وإيمانهم بأن «التطوع» هو العمود الفقري للعمل الثقافي، وأن الإدارة بروح الفريق هي الأجدى والأطول عمراً.
كما أثبتت الورشة ضرورة اهتمام أي حزب سياسي بالمجال الثقافي، باعتباره رافعة مهمة، حين يجذب إلى الحزب كثيراً من العقول المبدعة، حتى لو لم ينضم أصحابها إليه بشكل رسمي، فقد يكون هذا ما يتبقى حقاً، وسط فرض حصار شديد على عمل الأحزاب كمدارس للسياسة، وبيت لصناعة رجال دولة، وفرص بديلة للسلطة الحاكمة.
لقد انتبه حزب التجمع نفسه، وفي وقت كانت قوته السياسية تتداعى، إلى أهمية الورشة، فهي النشاط الوحيد له الذي حقق فيه بعض أهدافه التي حواها برنامجه، فطلب من شعبان يوسف الانضمام إليه، أي الحصول على عضويته، ليستفيد مما حققته الورشة من نجاح يتحدث به كثيرون. فأيديولوجية الحزب تدعو إلى الانتصار للفقراء والمستضعفين والمستبعدين والمهملين، لكن شيئاً من هذا لم يتحقق في الواقع الاجتماعي. أما في الثقافة، وعبر هذه الورشة، فقد نال بعض المهمشين من الكتاب شيئاً من اقتراب، أو وجدوا علامة للتحرك إلى الأمام، وبرق حولهم بعض ضوء، كانوا في أشد الحاجة إليه، حتى لا يدفعهم اليأس خارج الكتابة.
اقرأ أيضا: الذهب يتراجع بعد جنى الأرباح.. تشترى الآن أم تنتظر هبوطًا أكبر؟
أعود إلى شعبان يوسف، فأراه يعزو سبب صمود الورشة إلى جعلها تنشيط الحياة الثقافية هدفاً سامياً، وإتاحتها فرصة طيبة ترعى «من لا منصة لهم» من الأدباء الذين حطت أقدامهم على أول الطريق، ويسعون إلى اختراق الجدار السميك القائم دوماً بين «المتن» و«الهامش»، متغلبين على الإقصاء والمنع والحصار والتطويق، وراغبين في تجاوز معادلة «الشلة» و«جنة المركز الناعمة» أو المأسورين في فخ الأيديولوجيات لبناء «جبهة أدبية وطنية عريضة».
يقول «يوسف» ضمن تحقيق للكاتب علي عطا عن ورشة الزيتون نشره في صحيفة «النهار» اللبنانية: «قاومنا معاً تحول المكان المحتمل نحو المشاركة في المزيد من التكريس لمبدعين متحققين، وكنت دائماً أقول لأصدقائي: نحن لا نسعى للشهرة من خلال نجوم جاهزين، لكن لو استضفناهم يكون حضورهم لخدمة الهامش، حتى يصبح متناً».
ورغم أن الورشة استضافت على مدار تاريخها، وفي مرات متقطعة، كتاباً أصحاب شهرة وحظوة فإن أغلبية فعالياتها انصرفت إلى غير هؤلاء من أبناء «الهامش» سواء من كتاب العاصمة أو القادمين من مختلف المحافظات المصرية، علاوة على أدباء من أقطار عربية عدة، حتى صارت «الورشة» بالنسبة لكثير منهم نقطة انطلاق، أو مكاناً لنيل الاعتراف، أو فرصة لسماع ما يعينهم مستقبلاً على التجويد والتجديد، لا سيما أنهم ينصتون إلى آراء نقاد كبار، من الأكاديميين والأدباء ومحبي الثقافة والقراء، في أعمالهم، ما جعل الإفادة قائمة طوال الوقت، في أجواء من الحوار المفتوح حرص حاضروه مرتين أسبوعياً على عدم التربص بكاتب أو ناقد، وإن وقع هذا أحياناً سرعان ما يجد من يرد النقاش إلى جادة الصواب.
اقرأ أيضا: موعد صرف مرتبات شهر أغسطس 2026 بالزيادة الجديدة – الأسبوع
