في نقاش عابر عن القراءة والمطالعة، طُرح سؤال يتكرر كثيرا هذه الأيام: لماذا لم يعد أبناؤنا يحبون القراءة كما كنا نحبها ونحن صغار؟
اقرأ أيضا: العفو العام في لبنان يطوي سنوات من الخلاف.. فما مصير موقوفي عبرا؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنني لم أستطع أن أخرجه من رأسي بسهولة. ربما لأننا اعتدنا أن ننظر إلى المسألة من زاوية واحدة: الطفل هو الذي تغير، والهواتف هي السبب، والزمن لم يعد كما كان.
لكن ماذا لو كانت المشكلة أكثر تعقيدا؟
ماذا لو كان أطفالنا لا يكرهون القراءة أصلا، وإنما لم نعد نقدمها لهم بالطريقة التي تجعلهم يحبونها؟
حين نتحدث عن طفولتنا، نتذكر الكتاب بوصفه شيئا قريبا من الحياة اليومية. كانت القصة وسيلة للمتعة، والمجلة نافذة على العالم، والكتاب رفيقا في وقت الفراغ. لم نكن نفتح الصفحات لأن أحدا أخبرنا بأن القراءة تنمي الذكاء وتوسع المدارك؛ كنا نقرأ لأننا أردنا أن نعرف ماذا سيحدث.
وهذا التفصيل مهم.
فالطفل لا يبدأ علاقته بالكتاب من “الفائدة”، وإنما من الفضول.
الطفل الذي يقرأ قصة عن المغامرات، أو كتابا عن الفضاء، أو مجلة عن الرياضة، لا يفكر غالبا في أن هذه القراءة ستطور مهاراته اللغوية. هو يريد أن يعرف شيئا، أو أن يكتشف شيئا، أو أن يعيش قصة
حين تحول الكتاب من متعة إلى مهمة
ربما كان أول خطأ نرتكبه أننا نريد من الطفل أن يستفيد من الكتاب قبل أن يحبه.
نختار له ما نراه مناسبا، ونحدد له عدد الصفحات، ثم نسأله عما قرأ، ونطلب منه أن يلخص، ونريد أن نتأكد أنه فهم الفكرة والرسالة والدروس المستفادة.
كل ذلك قد يكون مفيدا في التعليم، لكنه ليس بالضرورة الطريق إلى صناعة قارئ.
تخيل طفلا يفتح كتابا للمرة الأولى، فيجد أن عليه بعد الانتهاء منه أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة. من الطبيعي أن يبدأ في النظر إلى الكتاب باعتباره مهمة ينبغي إنجازها.
وحين نقول له بعد ذلك: “اقرأ، فالقراءة ممتعة”، قد لا يفهم ما نقصد.
نحن نريد منه أن يحب الكتاب، لكنه يراه مرتبطا بالواجب.
وهنا المفارقة: كلما بالغنا في الحديث عن قيمة القراءة، ربما جعلناها أبعد عن المتعة التي تجعل الإنسان قارئا من الأساس.
الطفل الذي يقرأ قصة عن المغامرات، أو كتابا عن الفضاء، أو مجلة عن الرياضة، لا يفكر غالبا في أن هذه القراءة ستطور مهاراته اللغوية. هو يريد أن يعرف شيئا، أو أن يكتشف شيئا، أو أن يعيش قصة.
وهذه بداية كافية.
لا أعتقد أن علينا أن نستخف بالكتب التي يختارها الأطفال لأنفسهم، حتى لو بدت لنا بسيطة. قد يبدأ الطفل بكتاب مصور، أو بقصة قصيرة، أو بموضوع لا نهتم به نحن، لكن المهم أنه وجد شيئا جعله يريد فتح الصفحة التالية.
بعدها يمكن أن يتغير ذوقه.
الطفل الذي يحب القراءة لا يبقى أسير نوع واحد من الكتب. اهتماماته تتسع مع العمر، والكتاب الذي يبدو بسيطا اليوم قد يقوده بعد سنوات إلى كتب أكثر عمقا.
المشكلة الحقيقية ليست أن الطفل بدأ بكتاب سهل، وإنما أن يبدأ حياته مع الكتاب وهو يشعر أن الكتاب ليس له.
ربما تكون أفضل حملة لتعزيز القراءة في البيت ليست شراء عشرات الكتب، وإنما أن يرى الطفل كتابا مفتوحا في يد أحد والديه
الشاشة ليست المتهم الوحيد
من السهل أن نضع الهاتف في قفص الاتهام.
وهناك أسباب كثيرة تجعلنا نفعل ذلك. فالطفل يستطيع اليوم أن ينتقل بين مئات المقاطع والألعاب والصور دون أن ينتظر، بينما يحتاج الكتاب إلى وقت وتركيز وصبر.
لكن هل من العدل أن نقارن بين الأمرين بهذه الطريقة؟
الشاشة صممت لتشد الانتباه بسرعة، بينما الكتاب يطلب من القارئ أن يمنحه الانتباه أولا.
المشكلة إذن ليست في وجود الشاشة وحدها، وإنما في أن الطفل أصبح يعيش في بيئة لا تمنحه وقتا طويلا للملل أو الانتظار. وكلما شعر بالفراغ وجد شيئا يملأه فورا.
وهنا ربما نحتاج إلى أن نعلمه شيئا لم يعد سهلا كما كان: أن يتحمل بعض الملل.
فالقراءة تحتاج إلى مساحة هادئة، وإلى قدرة على البقاء مع قصة لا تكشف كل شيء في اللحظة نفسها.
لكننا لا نستطيع أن نطالب الطفل بذلك بينما نحن الكبار نمسك هواتفنا طوال الوقت.
وهذه هي النقطة التي ربما لا نحب مواجهتها.
نحن نقول للطفل: “اترك الهاتف واقرأ”، بينما يرانا طوال اليوم نبحث عن الهاتف عند أول لحظة صمت.
نطالبه بالتركيز، بينما ننتقل نحن بين الرسائل والأخبار والمقاطع.
نقول له إن الكتاب مهم، لكنه قد لا يراه مهما في حياتنا.
الطفل لا يسمعنا فقط؛ إنه يراقبنا.
المدرسة أيضا تستطيع أن تجعل الكتاب قريبا من الطفل، أو أن تزيد المسافة بينهما. فإذا كانت كل قراءة تنتهي باختبار، وكل قصة تتحول إلى واجب، فمن الطبيعي أن يرتبط الكتاب في ذهن الطالب بالالتزام لا بالمتعة
ولذلك ربما تكون أفضل حملة لتعزيز القراءة في البيت ليست شراء عشرات الكتب، وإنما أن يرى الطفل كتابا مفتوحا في يد أحد والديه.
ولا يعني هذا أن نحول البيت إلى مكتبة أو أن نمنع التكنولوجيا. نحن لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا ينبغي لنا ذلك.
أطفالنا سيعيشون في عالم رقمي، وسيحتاجون إلى مهارات مختلفة عن تلك التي احتجنا إليها نحن.
لكنهم سيحتاجون أيضا إلى شيء لم يتغير: القدرة على التركيز، والخيال، والتفكير، والجلوس مع فكرة واحدة دون الحاجة إلى الانتقال منها كل بضع ثوان.
وهنا يصبح الكتاب مهما، ليس لأنه ورقي، وإنما لأنه يدرب الإنسان على علاقة مختلفة مع الوقت والانتباه.
ماذا لو غيرنا السؤال؟
ربما نحتاج إلى أن نتوقف عن سؤال الطفل: “لماذا لا تحب القراءة؟” ونبدأ بسؤال أنفسنا: “ماذا فعلنا حتى تصبح القراءة شيئا يحبه؟”
اقرأ أيضا: قضية وفاة مارادونا: اختصاصي قلب يؤكد وجود تحذيرات تستوجب “تغيير البروتوكول” الطبي
هذه ليست مسؤولية الأسرة وحدها.
المدرسة أيضا تستطيع أن تجعل الكتاب قريبا من الطفل، أو أن تزيد المسافة بينهما. فإذا كانت كل قراءة تنتهي باختبار، وكل قصة تتحول إلى واجب، فمن الطبيعي أن يرتبط الكتاب في ذهن الطالب بالالتزام لا بالمتعة.
ماذا لو خصصت المدرسة وقتا للقراءة الحرة، يختار فيه الطالب ما يريد دون أن يكون مطالبا بكتابة تقرير عنه؟
ماذا لو سمحنا له بأن يقول: “لم أحب هذا الكتاب”؟
وماذا لو تعاملنا مع المكتبة بوصفها مكانا للاكتشاف، لا مجرد غرفة تحتوي على كتب؟
وفي البيت، ربما لا نحتاج إلى أكثر من خطوات بسيطة. يمكن أن يختار الطفل كتابه بنفسه، وأن يكون له وقت قصير يوميا للقراءة، وأن يسمح له بترك الكتاب إذا لم يعجبه، وأن يشارك والديه أحيانا فيما قرأ دون أن يشعر أنه في امتحان.
قد تكون عشر دقائق قليلة، لكنها أفضل من ساعة كاملة يشعر فيها الطفل بأنه مجبر.
فالهدف ليس أن ننتج طفلا يستطيع أن يخبرنا بعد شهر كم كتابا قرأ، وإنما أن نصل إلى اللحظة التي يصبح فيها الكتاب خيارا من خياراته عندما يبحث عن المتعة.
وهنا أتذكر السؤال الذي بدأ منه هذا المقال.
لماذا لم يعد أطفالنا يحبون القراءة كما كنا نحبها؟
ربما لأننا نقارن طفولتهم بطفولتنا، وننسى أن العالم الذي يعيشون فيه مختلف.
كنا نبحث عن شيء نفعله، فوجدنا الكتاب. أما هم، فكل شيء يبحث عنهم. لكن هذا لا يعني أن الكتاب انتهى دوره.
ربما يعني فقط أننا بحاجة إلى أن نعيد تقديمه بطريقة مختلفة.
لا أن نقول للطفل إن الكتاب مهم، بل أن نجعله يكتشف بنفسه لماذا هو مهم. لا أن نجبره على قراءة ما اخترناه، بل أن نترك له مساحة ليختار.
لا أن نعاقبه بحرمانه من الشاشة حتى يقرأ، بل أن نساعده على اكتشاف أن هناك متعة أخرى لا تحتاج إلى شاشة.
ولا أن نطلب منه أن يصبح مثلنا، وإنما أن نمنحه الفرصة ليجد طريقه الخاص إلى الكتاب.
فالطفل لم يفقد حب الحكاية.
ما زال يريد أن يعرف ماذا سيحدث، وما زال يملك فضولا لا ينتهي، وما زال قادرا على أن يعيش داخل قصة ويتعلق بشخصياتها.
وربما لا يحتاج إلى أكثر من أن يجد الكتاب الذي يوقظ هذا الفضول.
عندها لن نحتاج إلى أن نقول له: “اذهب واقرأ”. سيأتي هو ويقول: “هل عندك كتاب آخر؟”
وربما تكون هذه الجملة الصغيرة هي أفضل مؤشر على أننا لم ننجح في إجباره على القراءة، بل نجحنا في أن نجعله يكتشف متعتها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: السبت .. النصر يبدأ رحلة الدفاع عن لقب روشن أمام الفتح
