محمود بسيونى يكتب: «الشهادة».. وحدها لا تكفى!

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

خلال أسابيع تنسيق الجامعات، يُجرى داخل بيوت المصريين حوارٌ ممتد، وفى كثير من الأحيان ساخن، حول المستقبل، يفكّر الأبناء فى درجاتهم، ويجلس الآباء أمام حساباتهم، وبين الاثنين تتحرك الأحلام والطموحات وربما القلق لأهمية ارتباط الدراسة بوظائف المستقبل بحثًا عن أمان مشروع فى قادم الأيام.

اقرأ أيضا: مصطفى بكري: العلاقة بين الدولة والمواطن تقوم على الحقوق والواجبات

 يظل «المجموع» إطار الحوار العائلى، لكنه لا يحسم الاختيار، فهناك أحلام الآباء، وشغف الأبناء، واسم الجامعة، ومكانة الكلية، واحتياجات سوق العمل، والمهن المطلوبة، والتخصصات الأكثر طلبًا سواء داخل مصر أو خارجها، ثم تدخل ميزانية الأسرة طرفًا آخر فى المعادلة، فتتغير الحسابات، أمام تكلفة الدراسة.

المعضلة دائمًا ليست فى الرغبات أو نتائج عملية التنسيق، وإنما فى الفجوة التى يمكن أن تنشأ بين ما يتعلمه الطالب، واحتياجات سوق العمل، وما يحلم به الإنسان لنفسه.

إلا أن الحقيقة المؤكدة أنه لا صوت يعلو على صوت احتياجات سوق العمل، فهى أساس التوظيف وبوصلة اختيار الجامعات فى مصر وباقى دول العالم، فالتعليم الجامعى أهم استثمار فى المستقبل سواء على مستوى الأسرة أو على مستوى الدولة.

وخلال السنوات الأخيرة تغيّرت خريطة الوظائف، وظهرت تخصصات جديدة أصبحت الأكثر طلبًا، فى الوقت الذى تراجعت فيه فرص التوظيف فى تخصصات أخرى، ولم تعد الاختيارات الجامعية أسيرة التصوّرات القديمة عن «كليات القمة» أو المكانة الاجتماعية لبعض الشهادات، بينما ظَلَّت الرغبة الغالبة فى الحصول على شهادة جامعية للابن أو الابنة فى أى تخصص سواء كان مطلوبًا أو غير مطلوب، هى بؤرة الاهتمام، وكأن الشهادة فى حد ذاتها تكفى رغم علمهم الكامل بأن التخصص لم يعد مطلوبًا فى سوق العمل.

الواقع يقول إن ذلك التفكير لم يعد يتناسب مع متغيرات العصر، ولا مع اقتصاد تتغير ملامحه عامًا بعد عام، وسوق يُعيد تشكيل احتياجاته كل يوم.

ومن ثم لم تعد الضرورة تقتضى حصول الطالب على شهادة جامعية فحسب، وإنما الضرورة تتطلب حصوله على تعليم جيد، واكتساب مهارة قابلة للتطوير، وتخصص يمنحه فرصة حقيقية للعمل فى وظائف اليوم والمستقبل.
تبحث مصر عن نقطة تحوّل للانتقال من الصيغة القديمة لفكرة التنسيق والبحث عن شهادة، إلى بناء خريج يكون إضافة لنفسه ولسوق العمل، وهو ما أُشير إليه بوضوح فى حديث الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية مارس الماضى، حين انتقل النقاش من مجرد تطوير التعليم إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد من الإنسان الذى نعده للمستقبل؟

ففى سياق حديث الرئيس عن تجربة الأكاديمية فى إعداد الإنسان، دعا إلى ضرورة اتخاذ قرار بشأن التخصصات التى لم تعد لها حاجة فى سوق العمل، وعدم الاستمرار فى قبول دفعات جديدة فيها، متسائلًا عن جدوى التمسّك بالشهادة لمجرد الحصول على «ليسانس أو بكالوريوس»، لأن الطالب لا ينبغى أن يهدر أربع سنوات من عمره فى تخصص لا مكان له فى سوق العمل، منبهًا إلى أن الأبناء والبنات أغلى من ضياع سنوات عمرهم فى تعليم بلا مستقبل.

مما لا شك فيه أن رسالة الرئيس المبكرة وجَّهت الأنظار لأهمية تغيير فلسفة التنسيق الجامعى لتصبح جزءًا من عملية بناء الإنسان المصرى، وربما تختصر عبارة الرئيس «أنت غالى قوى» جوهر هذه الفلسفة؛ فالطالب ليس رقمًا فى إحصاء التنسيق، ولا مقعدًا يُملأ فى كلية، وإنما استثمار فى مستقبل مصر.

ومن هنا يصبح السؤال: إذا كان الإنسان هو الاستثمار الأغلى، فلماذا لا نبدأ إرشاده إلى مستقبله قبل أن نطلب منه أن يكتب رغبات التنسيق؟ وهذا تحديدًا ما كنت أنتظره من وزارة التعليم العالى والبحث العلمى؛ ليس فقط أن تتغير خريطة القبول، وإنما أن يجد الطالب وأسرته أمامهما خريطة واضحة للاختيار.

فضلًا عن إعلان الوزارة عن نتائج عمل اللجنة المخصصة للنظر فى أمر المناهج الدراسية وربطها بسوق العمل سواء بإلغائها أو دمجها فى برامج أخرى، وعلى حد علمى كان مقررًا لعمل اللجنة ثلاثة أشهر، وحتى الآن لم يصدر بشأنها أى قرارات ولم تظهر أى نتائج رغم مرور ما يقرب من خمسة أشهر.

صحيح أن الوزارة أعلنت أن تقارير اللجنة الوطنية لرصد التخصصات الدراسية واحتياجات سوق العمل ستلعب دورًا رئيسيًا فى توزيع الطلاب خلال تنسيق هذا العام، وأن نتائج هذه الدراسات ستنعكس على أعداد المقبولين فى الكليات المختلفة، من خلال التوسّع فى بعض التخصصات المطلوبة، وتثبيت أو خفض أعداد المقبولين فى تخصصات أخرى وفقًا لمؤشرات سوق العمل، وهذه خطوة مهمة فى الاتجاه الصحيح؛ لأنها تنقل التنسيق من مجرد حساب للدرجات إلى قدر من المواءمة بين أعداد الخريجين واحتياجات الاقتصاد.

لكن تغيير خريطة القبول وحدها غير كافٍ، فالطالب قد يعرف أن تخصصًا ما مطلوب فى سوق العمل، لكنه لا يعرف بالضرورة: هل يناسب قدراته؟ وهل يتوافق مع ميوله؟ وما البرامج التى تقوده إليه؟ وما البدائل المتاحة أمامه إذا لم يسمح مجموعه بالتخصص الذى يريده؟

اقرأ أيضا: قبل تسجيل رغباتك| تحذير عاجل للتعليم العالي من خطأ يضيّع فرصتك

وهنا تصبح الحاجة إلى الإرشاد المهنى قبل التنسيق مسألة ضرورية، نحتاج إلى منظومة تساعد الطالب وأسرته على تحديد التخصصات المطلوبة، وهو أمر يتطلب فى اعتقادى، صياغة أدلة إرشادية وبرامج إلكترونية مبسَّطة تتيح للأسرة أن تعرف، قبل تسجيل الرغبات، طبيعة كل تخصص، والمهارات التى يحتاجها، والبرامج الدراسية التى تقدمها الجامعات، واتجاهات الطلب عليه فى سوق العمل، والفرص المهنية التى يمكن أن يفتحها كل تخصص أمام الطالب.

ومن «حُسن الطالع»، اهتمام الوزارة بتدريس علوم الحاسبات والذكاء الاصطناعى، وفق ما أعلنه الدكتور عادل عبد الغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة التعليم العالى والبحث العلمى، عن وصول عدد كليات ومعاهد الحاسبات والذكاء الاصطناعى إلى 106 كليات ومعاهد على مستوى الجمهورية، بالتوازى مع التوسّع فى الجامعات التكنولوجية.
أهمية الرقم المعلن من الوزارة ليست فى ارتفاع عدد الكليات والمعاهد المتخصصة فى مجال الذكاء الاصطناعى، وإنما فى اتجاه التوسّع فى تخصصات أصبحت مرتبطة مباشرة بتحوّلات الاقتصاد وسوق العمل.

فالاقتصاد المصرى الذى دخلته الرقمنة، والذكاء الاصطناعى، والبيانات، والتكنولوجيا الصناعية، والتحوّل الرقمى، يحتاج بالضرورة إلى نوع مختلف من الخريجين؛ خريج لا يحمل شهادة فقط، وإنما يمتلك مهارة يستطيع أن يحوِّل بها المعرفة إلى قيمة وإنتاج.

ومن هنا تزداد أهمية مشاركة مؤسسات الصناعة والأعمال فى تحديد المهارات التى يحتاجها الاقتصاد، فالصناعة تعرف أين توجد فجوات المهارات، وشركات التكنولوجيا تعرف نوع الكفاءات التى تبحث عنها، والقطاع الصحى يعرف احتياجاته، كما تتغير احتياجات قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والسياحة، وهى كلها متغيرات اقتصادية مهمة يجب أن يُواكبها التعليم سواء الأساسى أو الجامعى.

هذا لا يعنى أن تتحول الجامعة إلى مصنع لإنتاج الموظفين وفق احتياجات السوق اللحظية، فالجامعة تظل مكانًا للعلم والبحث والثقافة وبناء الشخصية وتكوين العقل النقدى، وإنما المطلوب أن تلتقى تخصصات الجامعة مع حاجة المجتمع إلى خريج قادر على مواكبة العصر والتكيّف مع متغيراته.

وهنا تصبح العلاقة بين الجامعة وسوق العمل علاقة تكامل لا تبعية؛ فالجامعة لا ينبغى أن تطارد الوظائف القائمة فقط، وإنما أن تستشرف الوظائف التى ستنشأ، وتعد الإنسان القادر على التعامل معها.

وهذه هى النقطة التى تجعل التغيير فى سياسة القبول التى ننتظرها أعمق، فالمطلوب ليس مجرد زيادة أعداد فى تخصص وخفضها فى آخر، وإنما بناء جسر حقيقى بين التنسيق وسوق العمل.

اقرأ أيضا: عقب زيارته لسوريا بعد 15 عاما.. راغب علامة: شفت الاشتياق وين ما رُحت

‫0 تعليق