قانون العفو ينكأ جراح لبنان القديمة لبنانيون في إسرائيل يصفون القانون بـ”العار”، وقالت مصادر مطلعة لـ”الحرة” إن ملف أحمد الأسير كاد يطيح بالتسوية قبل إقرارها.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بعد أكثر من ربع قرن على مغادرتهم جنوب لبنان مع الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، وجد آلاف اللبنانيين المقيمين في إسرائيل أنفسهم مجددا أمام قانون يقول إنه يعالج ملفات الحرب والانقسام، لكنه لا يمنح كثيرين منهم العفو الذي يطالبون به.

اقرأ أيضا: مكة.. حيثُ صافحت القوّة الحكمة

وفي المقابل، كاد الخلاف على أحمد الأسير وموقوفين إسلاميين آخرين أن يطيح التسوية التي أتاحت إقرار القانون، بحسب مصادر مطلفة على الملف تحدثت لـ”الحرة”، بعدما تمسك نواب وقوى سنية بمعالجة أوضاع بعضهم، فيما رفضت قوى أخرى أي عفو قد يشمل مدانين بقتل عسكريين من الجيش اللبناني.

ويُقدر أن يستفيد من القانون نحو أربعة آلاف محكوم وموقوف ومطلوب، من خلال إسقاط ملاحقات أو عقوبات أو تخفيضها، بينما تبقى فئات أخرى خارجه بسبب طبيعة الجرائم المنسوبة إليها والاستثناءات الواردة في النص.

ولا يدخل القانون حيز التنفيذ فورا، إذ يتعين إحالته إلى رئيس الجمهورية، جوزاف عون، لتوقيعه ونشره في الجريدة الرسمية. وبحسب مصادر “الحرة”، يتوقع أن يوقع عون القانون بصيغته الحالية بعد التسوية السياسية التي سمحت بتمريره في مجلس النواب.

لكن الاعتراض بدأ بالفعل في جنوب لبنان.

ففي بلدة القليعة، التي غادر عدد من أبنائها إلى إسرائيل بعد الانسحاب عام 2000، أصدر الأهالي بيانا قالوا فيه إن القانون “لا يتناسب إطلاقا مع تطلعاتنا ولا يعبر عن حقيقة قضية أبنائنا ولا يلامس جوهرها”.

وطالبوا رئيس الجمهورية برد القانون قبل تمريره بصيغته الحالية، وقالوا إن أبناءهم “ليسوا في موقع من يطلب العفو”، وإن قضيتهم “قضية عدالة ومواطنة لا تقبل التجزئة أو التداول السياسي”.

ولا يمنح القانون عفوا عاما لكل اللبنانيين الموجودين في إسرائيل.

فالنص يبقي جرائم الخيانة والتجسس والتواصل غير المشروع مع إسرائيل خارج نطاق العفو، لكنه يعيد فتح الباب أمام الفئات التي شملها القانون رقم 194 الصادر عام 2011 بشأن اللبنانيين الذين غادروا إلى إسرائيل.

وينص ذلك القانون على السماح بعودة المدنيين وأفراد العائلات الذين لم ينخرطوا عسكريا أو أمنيا في “جيش لبنان الجنوبي”. أما الذين خدموا في تشكيلاته العسكرية أو الأمنية، فيخضعون للمحاكمة عند عودتهم وفق القوانين اللبنانية.

وكان القانون الصادر عام 2011 قد وضع إطارا لمعالجة هذا الملف، لكن تطبيقه بقي محدودا، قبل أن يعود إلى النقاش خلال دراسة قانون العفو الجديد.

وبذلك، يميز النص بين اللبنانيين الذين غادروا مع عائلاتهم في ظروف الانسحاب الإسرائيلي، وبين من تنسب إليهم أفعال يجرمها القانون اللبناني باعتبارها تعاملا أو تجسسا لمصلحة إسرائيل.

لكن هذا التمييز لا يرضي بعض الموجودين في إسرائيل.

وقال لبناني غادر إلى إسرائيل عام 2000 لـ”الحرة” إن القانون بصيغته الحالية “عار على الدولة اللبنانية”، لأنه شمل فئات مختلفة من السجناء والموقوفين، لكنه لم يعالج بصورة صريحة أوضاع العناصر السابقين في “جيش لبنان الجنوبي”.

وأضاف أن مطلبهم هو “عفو واضح يشمل عناصر جيش لبنان الجنوبي بالاسم”.

وبحسب قوله، كان عدد عناصر الجيش نحو 2500، وغادر كثير منهم مع عائلاتهم بسبب الخوف والتهديدات التي رافقت الانسحاب الإسرائيلي.

ويقدر أن ما بين أربعة آلاف و4500 لبناني وأبنائهم وأحفادهم يعيشون اليوم في إسرائيل. ويقول إن معظمهم لا يفكرون في العودة في الظروف الحالية بسبب غياب الضمانات والأوضاع الأمنية والسياسية في لبنان.

وأضاف أن التواصل مع لبنان يقتصر في الغالب على الأقارب، ولا توجد، بحسب قوله، قنوات جدية مع الأحزاب اللبنانية.

وتأسس “جيش لبنان الجنوبي” خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وقاده بداية سعد حداد ثم أنطوان لحد. وسيطر، بدعم من إسرائيل، على أجزاء من جنوب لبنان ضمن ما عرف بـ”الشريط الحدودي” حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000.

وعقب الانسحاب، غادر عدد كبير من عناصره وعائلاتهم إلى إسرائيل، فيما بقي آخرون في لبنان وخضعوا لمحاكمات بتهم تتعلق بالتعامل مع إسرائيل.

لكن اللبنانيين الموجودين في إسرائيل لم يكونوا العقدة الوحيدة في مفاوضات العفو.

فبحسب مصادر “الحرة”، كان ملف الموقوفين الإسلاميين، وخصوصا أحمد الأسير وبعض المحكومين والموقوفين في قضايا مرتبطة به، من أكثر النقاط التي هددت بإسقاط القانون.

وبرز الأسير في صيدا بخطاب شديد العداء لحزب الله وسلاحه ومشاركته في الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، قبل أن تنتهي المواجهة بأحداث عبرا في يونيو 2013.

اقرأ أيضا: البحث الجنائي يحذر من احتيال «العربون» في إعلانات المركبات والمزارع

واندلعت المواجهات في 23 يونيو بين أنصار الأسير والجيش اللبناني، واستمرت حتى اليوم التالي، حين سيطر الجيش على المجمع الذي كان يتحصن فيه مسلحون تابعون للأسير.

وقتل في المعارك 18 عسكريا وأصيب نحو مئة آخرين، إضافة إلى مقتل عدد من المسلحين.

وتوارى الأسير بعد المواجهات، قبل توقيفه في مطار بيروت في أغسطس 2015 أثناء محاولته مغادرة البلاد بهوية مزورة.

وخلال مناقشة قانون العفو، طالبت قوى سنية بمعالجة أوضاع موقوفين قالت إن بعضهم أمضى سنوات طويلة من دون أحكام نهائية أو خضع لمحاكمات تأثرت بالمناخ السياسي الذي رافق الحرب السورية والانقسام حول تدخل حزب الله عسكريا فيها إلى جانب نظام بشار الأسد.

لكن قوى سياسية وعائلات عسكريين قتلوا في المواجهات رفضت أي صيغة قد تؤدي إلى العفو عن مدانين بقتل عناصر من الجيش أو المشاركة في هجمات مسلحة عليه.

وبحسب المعلومات التي حصلت عليها “الحرة”، كاد الخلاف على الأسير وبعض الملفات المرتبطة به أن يفجر التسوية قبل الوصول إلى الصيغة النهائية.

وفي الوقت نفسه، دفعت قوى أخرى باتجاه معالجة ملفات مختلفة تماما، مثل ملفات المطلوبين والمحكومين في قضايا مخدرات، واللبنانيين الموجودين في إسرائيل، إضافة إلى موقوفين ومحكومين في قضايا أمنية أخرى.

وأنتج تقاطع هذه المطالب صيغة أتاحت تمرير القانون، لكنها تركت كل طرف تقريبا مع اعتراضاته الخاصة.

ويضيف توقيت القانون بعدا آخر إلى ملف اللبنانيين الموجودين في إسرائيل. فلبنان وإسرائيل يجريان محادثات برعاية أميركية تناولت الترتيبات الأمنية في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وسط حديث عن إمكان الانتقال لاحقا إلى تفاهمات أوسع للسلام والأمن بين البلدين.

ولم يُعلن حتى الآن عن إدراج ملف اللبنانيين المقيمين في إسرائيل على جدول أعمال تلك المحادثات.

لكن إذا تقدّمت المفاوضات من معالجة الملفات العسكرية والأمنية نحو اتفاق سياسي أوسع، فقد يفرض هذا الملف نفسه بوصفه إحدى القضايا الإنسانية والمدنية العالقة بين الجانبين.

فكيف يمكن البحث في إنهاء حالة العداء، فيما لا يزال آلاف اللبنانيين وأبنائهم وأحفادهم موجودين في إسرائيل، ولا تزال عودتهم مرتبطة بأحكام قانونية وتسويات لم تجد طريقها الكامل إلى التنفيذ؟

اقرأ أيضا: النفط يرتفع بشكل طفيف بعد تهديد أميركي بحصار مفتوح على إيران – هلا اخبار

‫0 تعليق