في السجال العمومي حول “مجلة الأحوال الشخصية التونسية”

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تصدير:
“المكان إذا لم يؤنَّث، لا يُعوّل عليه”- ابن عربي، “رسالة الذي لا
يُعوّل عليه”

تحتفل
تونس يوم 13 آب/أغسطس من كل سنة بعيد المرأة، وهو اليوم
الذي صدرت في مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 بأمر علي، أما تاريخ نفاذ فصول هذه المجلة فبدأ في غرة كانون الثاني/يناير سنة 1957، أي قبل إعلان الجمهورية في 25 تموز/يوليو 1957 وقبل إعلان الدستور الأول لدولة “الاستقلال” في غرة حزيران/يونيو 1959. إننا أمام “مجلة” لم يسبقها من
التواريخ التأسيسية للدولة-الأمة إلا إعلان الاستقلال وإلغاء معاهدة الحماية يوم 20 آذار/مارس 1956.
ولو أردنا اختزال ما يُسمّى بـ”النمط المجتمعي التونسي” إلى نواته الأيديولوجية
الصلبة فإننا لن نجد أفضل من هذه المجلة التي أعادت هندسة العلاقات الاجتماعية
والأسرية التقليدية بصورة جذرية، كما مثلت دائما مكوّنا بنيويا من مكونات السرديات
“الحداثية”، سواء أكانت في السلطة وملحقاتها الوظيفية -مثل المجتمع
المدني، النقابات- أم كانت في المعارضة الجذرية.

اقرأ أيضا: حراسة مشددة ومتّهم في الشارع.. «مجرم الحرب نتنياهو» في قلب الجدل بنيويورك / فيديو

وقد
كان الدفاع عن مجلة الأحوال الشخصية و”حقوق المرأة” خلال مرحلتي الحكم
الدستورية والتجمعية جزءا من سردية السلطة وحلفائها في اليسار الوظيفي، بل كان
الاعتراف بها وجعلها فوق المراجعة والتعديل -خلال عشرية الانتقال الديمقراطي- شرطا
من شروط “العائلة الديمقراطية” للتطبيع مع “حركة النهضة” وعدم
اتهامها بـ”أخونة الدولة” و”أسلمتها” والتسليم
“المؤقت” بنجاح “تَونستها” على مذهب “حرّاس النمط”.

منذ
المرحلة التأسيسية لعشرية الانتقال الديمقراطي، نجح من أسماه المرحوم الباجي قائد
السبسي بـ”المسؤول الكبير” -أي القوى الإقليمية والدولية المتحكمة في
القرار السيادي التونسي- في حرف الصراع السياسي والسجال العمومي عن مداراته
المرتبطة باستحقاقات “الثورة” إلى مدارات هوياتية، وهو ما جعل بناء
“الكتلة التاريخية” التي تجمع بين اليمين واليسار مجرد حلم من أحلام
اليقظة. ولم تنجح “الكتلة التوافقية” التي جمعت حركة النهضة وحركة نداء
في كسر واقع الانقسام المجتمعي الحاد على أساس “الهوية”، بل عمّقته.

فـ”التوافق”
لم يكن نتيجة التقاء فكري أو حتى تقارب صلب في مستوى تمثل “قواعد
التأسيس”، بل كان نتيجة حسابات سياسية مؤقتة وبراغماتية وغير مثمرة في
المستوى الاقتصادي ومفتقدة لأي قدرة إقناعية لقواعد الطرفين في المستوى الأيديولوجي.
فالمرحوم الباجي كان قد رفع الاحترازات التونسية في شأن اتفاقية سيداو (أي ألزم
الدولة التونسية بضرورة المساواة بين الجنسين في الميراث دون أن يجرأ على سن قانون
في ذلك)، كما قنّن عمل جمعية شمس للمثليين. وهو أمر لم تستطع النهضة دفعه أو
إلغاءه، ولكنّ الكثير من المتعاطفين معها أو القريبين منها- في المعسكر المحافظ
الذي لم يكن إسلاميا ولا نهضويا بالضرورة- لم يكونوا ليقبلوا به، مما ساهم إلى حد
ما في خسارتها لجزء من قاعدتها الانتخابية “المحافظة”.

منذ
عهد المخلوع، نجح “حرّاس النمط المجتمعي التونسي” في اختزال دفاعهم عن مجلة
الأحوال الشخصية في نقطتين: أولا رفض تعدد الزوجات باعتباره إهانة للمرأة والدفاع
عن أحادية الزوجة باعتباره “روح الشريعة” ومقصدا من مقاصدها، وثانيا رفض
الاعتراف بحق الإسلاميين في العمل السياسي القانوني باعتباره تهديدا وجوديا لحقوق
المرأة وللنمط المجتمعي التونسي كما أرساه المرحوم الحبيب بورقيبة ونخب
“الاستقلال”.

ورغم
أن “الثورة” قد مكّنت العديد من الإسلاميين من العمل السياسي القانوني،
فإن الحجج المؤسسة لاستهدافهم الممنهج من أغلب “القوى الحداثية” ظلت هي
نفسها: تهديد النمط المجتمعي التونسي ومكاسب المرأة والحريات الفردية والجماعية
لعموم المواطنين. ولعل أعظم نجاح لنخب “النمط” هو أنهم قد جعلوا قضية
“تعدد الزوجات” في مركز سردياتهم المدافعة عن مجلة الأحوال الشخصية
والرافضة لأي تعديل عليها. والحقيقة أن اعتراض الأغلب الأعم من التونسيين ليس
موجها إلى إلغاء تعدد الزوجات؛ بقدر ما هو موجّه إلى باقي فصول المجلة المنحازة
بصورة كبيرة للمرأة على حساب الرجل.

رغم
غياب أي دراسات أو عمليات سبر آراء موثوقة في تقصي آراء التونسيين ومواقفهم من
مجلة الأحوال الشخصية، فإن المعاينة العفوية للسجال العمومي في مواقع التواصل
الاجتماعي وغيرها تظهر وجود “خلاف جذري” بين التونسيين والتونسيات حول
فصول المجلة. وهو خلاف يكذّب السرديات الحداثوية التي تزعم وجود إجماع شبه كلي بين
التونسيين حول المجلة، وتزعم أن الاعتراض عليها لا يأتي إلا من “القوى
الرجعية والظلامية”.

وإذا
كان الدرس القانوني يعلّمنا أن القوانين تكون إما متخلفة عن المجتمع أو متساوقة مع
احتياجاته أو متقدمة عليها، فإن “حراس النمط” لا يعترفون إلا بالقوانين
“التقدمية” التي تفرض على المجتمع أن يسير نحو ما تريده “الأقليات
الأيديولوجية”، أي تلك الأقليات التي جعلت نفسها وصية على إرادة عموم
التونسيين في معاشهم ومعادهم. ولذلك يرفض هؤلاء “الحراس” أي مراجعة
لفصول مجلة الأحوال الشخصية وكأنها “المقدس المطلق” أو “المبدأ ما
فوق الدستوري” للدولة-الأمة. فـ”الدستور” نفسه يقبل المراجعة
والتبديل، لكنّ مجلة الأحوال الشخصية لا تقبل ذلك.

إن
مخاوف “حرّاس النمط” من إدخال أي تعديل على مجلة الأحوال الشخصية رغم
أنها لم تعد مساوقة للمجتمع واحتياجاته الحقيقية، باعتراف الحداثيين أنفسهم الذين
يتحدثون عن ظاهرة الزواج العرفي/الشرعي وينادون بالتصدي لها؛ على خلاف ما يظهرون
من تسامح مع “المساكنة” وسائر العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، هي
مخاوف مشروعة عندما نعتمد المقاربة التفهمية لعالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر.

فمجلة
الأحوال الشخصية ليست فقط مجلة تنظم الحياة الأسرية، بل هي النواة الصلبة لأيديولوجيا
منظومة الاستعمار الداخلي، إنها لا تهندس العلاقات الأسرية فقط، بل تهندس الحياة
المجتمعية برمتها. ولا شك في أن القبول بتعديل بعض الفصول استجابة للوعي المحافظ
عند نسبة معتبرة من التونسيين سيكون سابقةً تنذر بتهاوي باقي الفصول بما فيها منع
تعدد الزوجات أو حق المرأة في العمل.. ولو بعد حين. ولذلك يرفض “حراس
النمط” رفضا قاطعا أي مس بفصول المجلة إلا في اتجاه “تغريبي” يكرّس
ما يسمونه “حقوق المرأة”، ويعارضون أي تعديل يتوافق مع روح المحافظة أو
التدين لدى جزء مهم من التونسيين الذين لا تمثلهم “الأقليات الأيديولوجية”
في اليسار الوظيفي وفي ورثة المنظومة القديمة.

رغم
أن الممثل الأبرز للقوى الإسلامية والمحافظة -أي حركة النهضة- لم تطرح أي مشروع
لتعديل مجلة الأحوال الشخصية، فإن مخاوف “الأقليات الأيديولوجية”
الملحقة وظيفيا بمنظومة الاستعمار الداخلي تعتبر هذا الامتناع خيارا تكتيكيا لا
يعبر عن حقيقة الموقف الاستراتيجي من المجلة، ولذلك فإن تلك الأقليات ما زالت
تعتبر هذه الحركة هي الخطر الوجودي الأهم على “النمط المجتمعي التونسي”.
وقد كنا بيّنا في أكثر من مقال سابق “المضمون” الحقيقي لا المتخيل للنمط
المجتمعي التونسي باعتباره استعارة أو مجازا ليس تحتهما إلا كيان وظيفي يزعم أنه
دولة حرة مستقلة ذات سيادة، وتزعم نخبه أنها نخب “تنويرية” و”حداثية”
و”ديمقراطية”، وهي في حقيقتها ليست إلا ذراعا أيديولوجية لمنظومة
الاستعمار الداخلي، ولا وظيفة لها إلا تأبيد وضعية التبعية والتخلف وفقدان شروط
السيادة والتحرر الوطني. ونحن نذهب إلى أن طرح مجلة الأحوال الشخصية في السجال
العمومي ليس من باب “التلهية” ولا من باب الانخراط اللا قصدي في
استراتيجيات تزييف الوعي، ولكنه أيضا ليس أولوية مواطنية في “الكيان
الوظيفي” التونسي.

اقرأ أيضا: «ذاكرة الرياض» توثق تطور ملاعب العاصمة حتى مونديال 2034

عندما
تحدث ابن عربي عن تأنيث المكان ليتحول إلى “مكانة”، فإنه يقدم لنا نحن
قراءه في زمن التفاهة والتبعية والتخلف مفتاحا من المفاتيح التي قد تعيد السجال
العمومي إلى مداره الحقيقي: كيف نجعل “المكان” (أي البلاد) تؤنث ويكون
لكل من فيها -بصرف النظر عن الجنس والمضاف الاجتماعي- مكانة تليق به؟ فتخصيص
المرأة بتشريعات تفضيلية ليس أمرا سيئا في ذاته، ولكنه يحجب حقيقة أهم من
“الثقافة الذكورية” أو المجتمع الذكوري الذي تتفنن النسويات والسرديات
الحداثية في استهدافه: كل من يعيشون في “الكيانات الوظيفية” هم في وضعية
“أنثوية” (أي في وضعية خضوع وإذلال مزدوج من لدن منظومة الاستعمار
الداخلي) سواء أكانوا ذكورا أم إناثا. فكلهم موضوع هيمنة “ذكورية”
(غربية أساسا). ولن تتحرر المرأة تحررا حقيقيا -سواء من الثقافة الذكورية أو من
الثقافة التغريبية- إلا بتحرر المجتمع برمته ونجاحه في هندسة فضائه الخصوصي وفضائه
العام بعيدا عن أي وصاية داخلية (الأقليات الأيديولوجية يمينا ويسارا) وخارجية (القوى
الغربية، خاصة فرنسا).

إننا
أمام مشروع للتحرير الوطني الحقيقي، لا أمام مشروع لإعادة إنتاج شروط التبعية
البنيوية للغرب ولا أمام مشروع لإعادة التمكين لفكر تراثي مفوّت. لكن لا يبدو أن
النخب الحاكمة أو المعارضة يطرحونه على أنفسهم في السياق الحالي مثلما لم يطرحوه منذ
الاستقلال الصوري عن فرنسا. فأغلب النخب ما زالت تعيش اغترابا مزدوجا: اغترابا عن
الوعي الجمعي وانتظاراته أو احتياجاته الحقيقية، واغترابا عن حقيقة “مكانة”
النخب أو دورها في منظومة الاستعمار الداخلي وفي استراتيجيات رعاتها الأجانب.

فالجميع
يتحدثون باسم “شعب” متخيل أو باسم فئة من الشعب يماهون بينها وبين عموم
المواطنين، والجميع يتحركون تحت سقف منظومة الاستعمار الداخلي ويتنافسون على منزلة
“الوكيل الفرعي” للوكيل الأصلي، أي يتنافسون على احتلال واجهة المنظومة
السياسية دون أي مشروع للتخلص من منظومة الاستعمار الداخلي أو على الأقل إعادة
التفاوض معها بمنطق مواطني تحرري جامع. وهو منطق متخارج مع “روح الاستعمار
الجديد”، ونحن نرى أنّ شرط إمكانه ونجاحه هو ألّا يعيد إنتاج أساطير المنظومة
بحجة “المشترك الوطني” الذي ليس في جوهره -وفي خياراته التأسيسية
الكبرى- إلا “مشترك استعماري جديد” سواء في المستوى الرمزي أو المادي.

x.com/adel_arabi21


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: فعاليات صيف الأردن 2026 تستقطب العائلات والأطفال في العقبة

‫0 تعليق