فراج إسماعيل يكتب: وتبقى لبنان.. قصةً حائرة منذ قرأتها أول مرة في زمن الحرب الأهلية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


فراج إسماعيل يكتب: وتبقى لبنان.. قصةً حائرة منذ قرأتها أول مرة في زمن الحرب الأهلية

اقرأ أيضا: كزبرة: أشعر كثيرًا بعدم الرضا تجاه ما أقدمه في مشواري الفني

لا أذكر أنني قرأت قصةً عربية أكثر إيلاماً من قصة لبنان. فمنذ اندلاع الحرب الأهلية، بدا هذا البلد كأنه يكتب تاريخه بالدم، ويؤجل نهايته في كل مرة. أتذكر أنني تأثرت بذلك الفصل الأسود، فكتبت مقالاً يمزج بين الأدب والسياسة بعنوان: «أنقذوا لبنان.. قبل أن تقطع جهيزة قول كل خطيب»، وأرسلته إلى الكاتب الكبير الدكتور رشاد رشدي، رئيس تحرير مجلة «الجديد» التي كانت تصدر شهرياً آنذاك. ولم تمضِ سوى فترة قصيرة حتى نشره في أول عدد بعد وصوله إليه بالبريد.

و«قطعت جهيزة قول كل خطيب» مثل عربي قديم يُضرب حين يحسم حدثٌ ما الجدل ويجعل كل كلام بعده بلا جدوى. وربما ظن الدكتور رشدي، كما ظن كثيرون في ذلك الوقت، أن مأساة لبنان لن تطول، وأن الحرب ستنتهي سريعاً. لكن السنوات مضت، ولم تنتهِ القصة. تغيرت الفصول، وتبدلت الشخصيات، واختلفت السيناريوهات، بينما ظل الدم هو الحبر الذي تُكتب به.

عندما غادرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية بيروت الغربية عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، في إطار عملية «سلامة الجليل»، وغادر ياسر عرفات على متن سفينة يونانية، اعتقد المتفائلون أن لبنان بدأ أخيراً مرحلة النأي بنفسه، وأن إسرائيل فقدت الذريعة التي كانت تتذرع بها لضربه، وأن شعار «لبنان أولاً» وجد طريقه إلى الواقع.

لكن ذلك لم يكن سوى وهم.

فبعد الرحيل الفلسطيني، الذي كانت إسرائيل تزعم أنه مصدر تهديد لحدودها الشمالية، سالت دماء جديدة؛ اغتيل الرئيس المنتخب بشير الجميل في 14 سبتمبر 1982، ثم وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا بين 16 و18 سبتمبر، تحت أنظار الجيش الإسرائيلي الذي كان يطوق المنطقة. وهكذا دخل لبنان فصلاً جديداً من المأساة بدلاً من أن يطوي الصفحة السابقة.

الوجود العسكري السوري

قد يبدو الانتقال إلى هذا الفصل قفزاً على التسلسل الزمني، لكنه في الحقيقة مفتاح لفهم كثير من تعقيدات لبنان الحالية.

فكل ما سبق من الاجتياح الإسرائيلي، وحصار بيروت، وخروج منظمة التحرير، وقع في ظل الوجود العسكري السوري الذي بدأ عام 1976 تحت مظلة قوات الردع العربية، بعد أكثر من عام على اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 1975.

كانت سوريا، بقيادة الرئيس حافظ الأسد، قوة إقليمية وازنة، ودخلت لبنان بدايةً بغطاء عربي لاحتواء الحرب. غير أن هذا الوجود تحول تدريجياً، في نظر قطاع واسع من اللبنانيين، إلى نفوذ سياسي وعسكري مباشر، مع تعاظم تأثير دمشق في القرار اللبناني. كما لم يمنع الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982، بينما امتد تأثيره إلى تفاصيل الحياة السياسية والأمنية، في بلد كان يُعرف قبل الحرب الأهلية بحيوية صحافته، واتساع هامش الحريات، وثرائه الثقافي.

واستمر الوجود السوري حتى عام 2005، عندما انسحبت القوات السورية بعد «ثورة الأرز» والضغوط الدولية التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير من العام نفسه.

وتعمدت البدء بهذا الفصل، لأن امتداداته لا تزال حاضرة بقوة في المشهد اللبناني، ولأنها تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم الأزمة الراهنة.

حزب الله… عقدة القصة

يرتبط صعود حزب الله ارتباطاً وثيقاً بهذه المرحلة.

فمنذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، تحول الحزب إلى أحد أبرز الفاعلين في الساحة اللبنانية، جامعاً بين الدورين العسكري والسياسي. وقد أسهمت عوامل عدة في نشأته، أبرزها الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة، واحتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان، إلى جانب التأثير المباشر للثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

فبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية، لم تتوقف إسرائيل عن عملياتها العسكرية، بل واصلت احتلال أجزاء من الجنوب اللبناني، في وقت لم تكن سوريا قادرة على تغيير موازين القوى العسكرية مع إسرائيل، رغم حضورها الواسع في لبنان.

كما شهدت سنوات الحرب الأهلية صراعات متشابكة بين أطراف لبنانية وفلسطينية وسورية، الأمر الذي دفع كثيراً من المؤرخين إلى وصف الحرب بأنها سلسلة من الحروب المتداخلة أكثر من كونها مواجهة ثابتة بين طرفين.

في هذا السياق ولد حزب الله، مستنداً إلى دعم إيراني، وإلى تسهيلات سورية لعبور عناصر الحرس الثوري إلى الأراضي اللبنانية، في ظل النفوذ السوري آنذاك.

ومنذ ذلك الحين، دخل الحزب في سلسلة من المواجهات مع إسرائيل، بدأت بحرب الاستنزاف في جنوب لبنان، مروراً بعمليات «تصفية الحساب» عام 1993 و«عناقيد الغضب» عام 1996، وصولاً إلى انسحاب إسرائيل من معظم جنوب لبنان في مايو 2000، ثم حرب يوليو 2006 التي استمرت 34 يوماً وانتهت بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1701.

وتجددت المواجهة بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، إذ شهدت الحدود اللبنانية الإسرائيلية تصعيداً متدرجاً تطور خلال عام 2024 إلى مواجهة عسكرية واسعة، اختلف المحللون في توصيفها بين حرب شاملة وتصعيد واسع النطاق، لكنها أكدت أن الجبهة اللبنانية لا تزال جزءاً رئيسياً من معادلات الصراع الإقليمي.

النفوذ الإيراني في لبنان

يعكس المشهد اللبناني الراهن حجم الترابط بين حزب الله والاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. فالحزب انخرط في المواجهة عقب اندلاع حرب غزة تحت عنوان «إسناد غزة»، قبل أن تتداخل هذه المواجهة تدريجياً مع الصراع الإيراني-الإسرائيلي، لتصبح الساحة اللبنانية إحدى ساحات الاشتباك غير المباشر بين الطرفين.

كما عكست التحركات الدبلوماسية الأخيرة حجم الحضور الإيراني في الملف اللبناني، سواء عبر التمسك بوقف التصعيد في لبنان ضمن الاتصالات الإقليمية، أو من خلال الضغوط التي مورست لتجنب انزلاق الجبهة اللبنانية إلى حرب مفتوحة.

وهذا يعني أن إرث حزب الله لم يعد مجرد واقع سياسي أو عسكري داخلي، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية معقدة، يصعب التعامل معها باعتبارها شأناً لبنانياً خالصاً.

وفي المقابل، يؤكد الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن الدستور اللبناني ووثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) ينصان بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة، وهو موقف يحظى أيضاً بدعم عربي ودولي، وترتبط به، بدرجات متفاوتة، برامج المساعدات وإعادة الإعمار.

اقرأ أيضا: كيف نجت كارولين عزمي من الغرق في الساحل الشمالي؟.. «فيديو» – الأسبوع

أعقد الملفات في تاريخ لبنان

يظل ملف حصر السلاح بيد الدولة أحد أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ لبنان الحديث، لأنه يتجاوز كونه قضية أمنية داخلية، ليرتبط بتوازنات سياسية وطائفية وإقليمية تشكلت عبر عقود.

وتتمثل أبرز العقبات في:
امتلاك حزب الله بنية عسكرية وتنظيمية متماسكة بُنيت على مدى أكثر من أربعة عقود.
ارتباط سلاح الحزب بالاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، بما يجعل القضية تتجاوز الإطار اللبناني الداخلي.

استمرار الانقسام اللبناني بين من يرى في الحزب قوة ردع في مواجهة إسرائيل، ومن يعتبر استمرار السلاح خارج سلطة الدولة انتقاصاً من السيادة.

حاجة الدولة اللبنانية نفسها إلى مؤسسات أكثر قوة وقدرة، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، حتى تستطيع احتكار استخدام القوة بصورة فعلية.

لذلك، يبدو الحديث عن نزع سريع لسلاح حزب الله بعيداً عن الواقعية في الظروف الحالية. أما السيناريو الأكثر تداولاً بين الباحثين والدبلوماسيين، فيتمثل في الوصول -إذا توافرت الظروف الداخلية والإقليمية- إلى صيغة تدريجية تدمج القدرات العسكرية للحزب ضمن استراتيجية دفاعية تقودها الدولة، بدلاً من السعي إلى نزع فوري للسلاح.

وبذلك، فإن هدف حصر السلاح بيد الدولة يتمتع بشرعية دستورية وسياسية، لكن تحقيقه يظل رهيناً بتوافقات لبنانية وإقليمية معقدة، تشكلت جذورها منذ الحرب الأهلية، ولا يمكن اختزالها في قرار داخلي.

أما المفاوضات الأمنية والاتفاقات الإطارية الخاصة بالحدود الجنوبية، وما يتردد عن مناطق تجريبية تنتشر فيها وحدات الجيش اللبناني، فلا تبدو كافية لحسم هذه القضية، لأنها تقتصر على ترتيبات ميدانية تستهدف أساساً المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، عبر تعزيز دور الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، والحد من الوجود المسلح غير التابع للدولة في تلك المنطقة.

غير أن سلاح حزب الله لا يقتصر على جنوب الليطاني، بل يقوم على بنية عسكرية وتنظيمية أوسع، يعتبرها الحزب جزءاً من معادلة ردع وطنية وإقليمية، وليس مجرد انتشار ميداني على الحدود.

ومن ثم، حتى إذا نجحت هذه الترتيبات في تثبيت الهدوء على الحدود الجنوبية، فإنها لن تحسم تلقائياً قضية احتكار الدولة للسلاح، التي تظل مرتبطة بتسوية سياسية أشمل، داخلية وإقليمية في آن واحد.

لبنان، في نهاية المطاف، ليس مجرد دولة تواجه أزمة سياسية عابرة، بل هو حصيلة تاريخ طويل من الحروب والهويات المتداخلة والتوازنات الإقليمية والدولية. ولهذا لا يمكن رسم مستقبله بقرارات متعجلة أو حلول جزئية، لأن كل فصل من قصته يفتح الباب أمام فصل جديد.

وإذا سألني أحد: كيف سيكون لبنان غداً؟
فلن أجد جواباً أدق من أن أقول: لا أحد يعرف كيف سيكون بعد ساعة واحدة.

** كاتب صحفي ومحلل سياسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط
** من مجلة الوطن العربي – العدد العاشر

اقرأ أيضا: «التنمية المحلية» تتحرك ضد مخالفات البناء بالخانكة.. إزالات فورية وإحالات للنيابة

‫0 تعليق