تحولت علاقة دول خليجية، على رأسها السعودية والإمارات وقطر، تجاه أوكرانيا من دور الوساطة في الحرب بينها وبين روسيا، إلى اتفاقات في مجالات الدفاع، بعد الخبرة العسكرية الكبيرة التي اكتسبتها كييف في مواجهة المسيرات الإيرانية التي تستخدمها موسكو.
اقرأ أيضا: المنتخب السعودي يحقق الميدالية البلاتينية الأولى في تاريخه بأولمبياد المواصفات الدولي
بعد اندلاع حرب إيران في فبراير الماضي، أطلقت طهران مئات المسيرات على دول الخليج، ما دفعها للتوجه إلى أوكرانيا التي تعرف تلك الهجمات جيدا، وتبحث عن التمويل وإمدادات الطاقة.
وفي اتصال جرى في العاشر من أغسطس الحالي، بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بحث الجانبان صفقة للمسيرات والأمن الغذائي، وقال زيلينسكي إن هناك مجالات تستطيع فيها أوكرانيا والسعودية تعزيز قدرة كل منهما على حماية الأرواح.
قبل ذلك، وتحديدا في 27 مارس وقعت وزارتا الدفاع السعودية والأوكرانية في جدة مذكرة تفاهم بشأن مشتريات دفاعية، ووصفت كييف الاتفاق بأنه إطار للتعاون الدفاعي يمهد لعقود مستقبلية وتعاون تقني واستثمارات، وقال زيلينسكي حينها إن بلاده مستعدة لتقديم خبرتها وأنظمتها إلى السعودية، مضيفا أن المملكة تمتلك بدورها قدرات تهم أوكرانيا.
وفي 24 أبريل التقى زيلينسكي بالأمير محمد بن سلمان في جدة لمتابعة تنفيذ ما وصفته الرئاسة الأوكرانية بتفاهم أمني استراتيجي يقوم على ثلاث مسارات، هي تصدير الخبرة الأوكرانية في حماية الأجواء، والتعاون في الطاقة لتعزيز قدرة أوكرانيا على الصمود، والأمن الغذائي.
ولم يقتصر التعاون مع أوكرانيا على السعودية، ففي الأول من أغسطس، بحث زيلينسكي مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أمن طرق الملاحة في البحر الأسود والأمن الغذائي، وقال الرئيس الأوكراني إن بلاده، بعدما أسهمت في تعزيز أمن شركائها في الخليج، ناقشت كيف يمكن للإمارات مساعدة أوكرانيا في حماية الممرات البحرية.

يقول الدبلوماسي الأوكراني ومحافظ خيرسون السابق، فولوديمير شوماكوف لـ “الحرة” إن كل هذه الاتصالات تعكس حاجة متبادلة فرضتها تطورات الحرب، بعد أن “وجدت دول الخليج نفسها أمام مأزق أمني نتيجة عدم كفاية القدرات الأميركية في المنطقة لتوفير الحماية الكاملة لها.
وأصبحت أوكرانيا من الدول المتقدمة في تطوير المسيرات الجوية والبحرية والأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمواجهة الطائرات بدون طيار، ما منحها القدرة على تقديم حلول وخبرات تشغيلية تحتاج إليها المنطقة، إلى جانب الإسهام في الأمن الغذائي عبر تصدير القمح وغيره من المنتجات الزراعية.
وتكمن أهمية التجربة الأوكرانية في تطوير وسائل منخفضة التكلفة لمواجهة مسيرات “شاهد” الإيرانية، بدلا من استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن تستنزف دول الخليج ومخزونات مورديها الغربيين، وفقا للباحث في مركز الدراسات العربية الأوراسية مصطفى شلش.
وقد أرسلت إيران إلى موسكو المئات من مسيّرات “شاهد” استخدمتها في قصف المدن الأوكرانية في الحرب التي اندلعت منذ نحو 4 سنوات، حسبما أكد زيلنسكي مرارا.
الدعم الإيراني لروسيا وضع كييف في مواجهة غير مباشرة مع طهران، وجعلها أكثر اهتماما بأمن الخليج، وامتد الصراع إلى بحر قزوين، حين أعلنت أوكرانيا استهداف سفن قالت إنها استخدمت في نقل شحنات عسكرية مرتبطة بإيران، بينما اتهمتها طهران باستهداف سفينة تجارية.
وأرسلت كييف فرقا متخصصة في الدفاع الجوي إلى السعودية والإمارات وقطر، ضمن أكثر من 220 خبيرا أوكرانيا انتشروا في دول بالشرق الأوسط، بينهم متخصصون في الدفاع الجوي ومسؤولون في جهاز الأمن الأوكراني.
وفي السعودية، التقى زيلينسكي فريقا من الخبراء العسكريين الأوكرانيين عمل مع هيئة الأركان العامة السعودية ونظم ورشة لمسؤولين سعوديين، استعدادا لنقل خبرة عملية في اعتراض المسيرات.
من جانبها، وقعت الدوحة مع أوكرانيا شراكة دفاعية لمدة عشر سنوات تشمل الصناعات الدفاعية والدفاع الجوي ومواجهة المسيرات والتدريب والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى مشروعات للإنتاج المشترك.
وفي الإمارات؛ أعلن زيلينسكي الاتفاق على التعاون في الأمن والدفاع، كما بدأت كييف محادثات مماثلة مع عمان والكويت والبحرين، شملت أيضا إمدادات محتملة من النفط والديزل إلى أوكرانيا.
اقرأ أيضا: وفاة 3 أشخاص غرقا بشواطئ مستغانم وجيجل وسكيكدة – النهار أونلاين
وأكد زيلينسكي أن مسيرات اعتراضية وأنظمة حرب إلكترونية أوكرانية استخدمت لإسقاط مسيرات “شاهد” إيرانية في دول خليجية، كما أوضح أن صفقة المسيرات لا تقتصر على بيع الطائرات، بل تشمل منظومة تضم وسائل الاعتراض والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والخبرة التشغيلية اللازمة لدمجها.
يقول الكاتب والمحلل السياسي السعودي فيصل الشمري إن حرب إيران محنت التقارب بين الخليج وأوكرانيا بعدا أمنيا، حيث أن خبرتها العسكرية أصبحت ذات قيمة مباشرة للأمن السعودي، مؤكدا أن المصلحة السعودية قد تتجاوز شراء مسيرات جاهزة إلى التدريب ونقل المعرفة والتطوير والتصنيع المشترك، بما ينسجم مع توجه المملكة إلى توطين الصناعات الدفاعية.
وربط الشمري بين المسيّرات والأمن الغذائي باعتبارهما تعبيرا عن تبادل المصالح، إذ تقدم كييف الخبرة الدفاعية، بينما توفر الرياض التمويل، ويشمل التعاون استثمارات سعودية في الزراعة والبنية اللوجستية وسلاسل الإمداد الأوكرانية.
وقبل حرب إيران ارتبط الحضور الخليجي في الملف الأوكراني بدرجة كبيرة بالوساطة والعمل الإنساني، فقد استضافت السعودية اجتماعات مرتبطة بمساعي إنهاء الحرب، بينما قادت الإمارات سلسلة من الوساطات لتبادل الأسرى.
وفي فبراير 2025، وقعت الإمارات وأوكرانيا اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة تغطي تجارة السلع والخدمات والاستثمار والتجارة الرقمية، ما يبين أن التعاون الاقتصادي والغذائي سبق انتقال العلاقة إلى المجال الدفاعي.
وفي 2026، استضافت أبوظبي جولتين من المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، الأولى في يناير والثانية في فبراير، كما أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية إنجاز 25 وساطة أسفرت عن تبادل 7791 أسيرا.
وقال الكاتب والباحث السياسي الإماراتي محمد فيصل الدوسري إن التعاون الأمني مع أوكرانيا لا يلغي سياسة التوازن الإماراتية، موضحا أن أبوظبي حرصت طوال الحرب على الاحتفاظ بعلاقات تسمح لها بالتواصل مع موسكو وكييف، من دون اختيار إحداهما على حساب الأخرى.
وقد وجدت دول الخليج وأوكرانيا نفسيها، رغم اختلاف مسرحي الحرب، أمام جانب من منظومة تهديد إيرانية واحدة، قرّبت المسافات بين الطرفين.
اقرأ أيضا: كاتس يدعو إلى تولي الشرطة بدل الجيش “حفظ النظام” في الضفة الغربية | عرب وعالم
