
بعد أشهر من توليه منصب المرشد الأعلى في إيران، بدأ مجتبى خامنئي إعادة تشكيل واسعة للقيادتين العسكرية والأمنية في إيران، عبر سلسلة تعيينات تعكس، وفق التحليل، توجهاً جديداً في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يقوم على مركزية القرار العسكري، وتشديد الردع، ودمج الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والأمنية.
اقرأ أيضا: بلدية أم الجمال تنفذ مشاريع خدمية بقيمة 482 ألف دينار…
ويبرز اختيار محسن رضائي أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي باعتباره أهم مؤشرات هذا التحول. فالرجل، الذي قاد الحرس الثوري 16 عاماً، عُرف بدوره في بناء مؤسسات وقدرات عسكرية إيرانية امتد تأثيرها لعقود. كما أن موقفه خلال الحرب الإيرانية العراقية، عندما عارض إنهاء القتال قبل امتلاك إيران قدرة أكبر على فرض شروط التسوية، يجعل عودته إلى موقع القرار الأمني لافتة في وقت تعيد فيه طهران تحديد شروط إنهاء صراع مكلف.
ولا تشير هذه الخطوة بالضرورة إلى رفض المفاوضات، بل إلى رغبة إيرانية في خوضها من موقع قوة. فالتصور الجديد، بحسب التحليل، يقوم على أن الدبلوماسية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الردع، وإنما أداة للوصول إلى تسوية دائمة تضمن لطهران الاحتفاظ بقدرتها على إلحاق كلفة كبيرة بخصومها. بحسب تحليل لمجلة “فورين بوليسي”.
اظهار أخبار متعلقة
وتعززت هذه المقاربة بتعيينات أخرى. فقد كُلّف علي عبد اللهي برئاسة هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، مع مهمة دمج مقر خاتم الأنبياء المركزي في هيئة الأركان، بما يعزز مركزية القيادة والتنسيق خلال الحرب. كما ثبّت خامنئي أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري، ووجّهه إلى تحقيق “أقصى درجات الردع”، مع الحفاظ على الجاهزية لتنفيذ “عمليات هجومية قوية ضد العدو”.
وفي الوقت نفسه، تولى علي عظمائي قيادة بحرية الحرس الثوري، في وقت بات فيه مضيق هرمز أحد أبرز أوراق القوة الإيرانية في مواجهة واشنطن. وتركز مهمته على رفع الجاهزية القتالية وتعزيز الاستخبارات والتنسيق بين القوات البحرية، بينما تتفاوض طهران مع عُمان بشأن ترتيبات جديدة للملاحة، من دون أن توافق على العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب.
أما على الصعيد الداخلي، فأعاد خامنئي حسين طائب إلى موقع بارز عبر تعيينه رئيساً لقوات الباسيج، مع تكليفه بتعزيز شبكة الاستخبارات وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة وترسيخ التنظيم على مستوى الأحياء.
وتكشف هذه التعيينات، مجتمعة، عن تصور أوسع للأمن الإيراني لا يقتصر على الجبهة العسكرية. فـالسيطرة البحرية، والاستخبارات والتعبئة الداخلية، والمرونة الاقتصادية، والقدرات العسكرية أصبحت عناصر مترابطة في استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط ومنع تكرار ما تعتبره طهران إخفاقاً في الردع. بحسب المصدر نفسه.
ويعود هذا التقييم إلى تجربة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018. فقد اتبعت إيران ما عُرف بـ”الصبر الاستراتيجي”، متجنبةً في كثير من الأحيان الردود الواسعة على العقوبات والاغتيالات والهجمات الإسرائيلية، أملاً في الحفاظ على مساحة للدبلوماسية. لكن الرؤية السائدة حالياً داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وفق التحليل، ترى أن هذا النهج ربما شجع واشنطن و”تل أبيب” على الاعتقاد بأن طهران ضعيفة وأن تكلفة مهاجمتها محدودة.
ومن هنا يأتي التحول نحو ردع أكثر هجومية: ليس فقط امتلاك قدرات عسكرية أكبر، وإنما إظهار استعداد لاستخدامها بطريقة تجعل تكلفة أي مواجهة جديدة مرتفعة على الخصوم.
اقرأ أيضا: فعالية فلكية في وادي رم لرصد زخة شهب البرشاويات | مال وأعمال
اظهار أخبار متعلقة
ويحتل الاقتصاد موقعاً مهماً في هذه المعادلة. فطهران لا تريد، بحسب التحليل، الاكتفاء بسياسة “اقتصاد المقاومة”، وإنما تسعى إلى إنهاء أي حرب بشروط تتيح لها بناء مستقبل اقتصادي مستدام. وفي المقابل، عززت تجربة الاتفاق النووي ومذكرة التفاهم الأخيرة شكوكها في قدرة تخفيف العقوبات، إذا ظل مرتبطاً بتنازلات يمكن أن تتراجع عنها الإدارة الأمريكية أو الكونغرس.
وهنا تبرز أهمية مضيق هرمز كورقة نفوذ تتجاوز البعد العسكري. فإصرار إيران على ترتيبات جديدة للمضيق ورفضها ببساطة العودة إلى الوضع السابق مقابل وعود برفع العقوبات يعكسان، وفق التحليل، محاولة لتحويل ما اكتسبته خلال الحرب إلى نفوذ اقتصادي وإقليمي طويل الأمد.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في مواقف رضائي الأخيرة. ففي أول اجتماع له مع السفير الصيني لدى إيران، قال إن المضيق سيظل مغلقاً حتى تنهي واشنطن الحرب، وتفرج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وتستجيب لشروط إيرانية أخرى نقلها الوسطاء. كما طالب بإنهاء الحروب في لبنان وغزة، وهي مطالب تتجاوز ما ورد في مذكرة التفاهم السابقة.
وبذلك، لا تبدو عودة رضائي وتعيينات خامنئي الجديدة إعلاناً عن التخلي عن الدبلوماسية، بقدر ما تمثل إعادة تعريف لشروط التفاوض. فطهران، وفق هذا التصور، تريد أن تدخل أي مفاوضات وهي تمتلك أدوات ضغط أكبر، وتحتفظ بقدرة على تحمل حرب طويلة ورفع كلفتها على خصومها.
اقرأ أيضا: بكلفة 2,1 مليون دينار.. تربية عجلون تتسلم مدرسة حي سكرين الثانوية المختلطة الجديدة
