تاريخ إنجلترا الاجتماعي في ثمانينيات القرن العشرين بعيون رواية «عالم رائع» للكاتب ديفيد لودج| صور

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تجري أحداث رواية عَمَلٌ رَائِعٌ في عام 1986م، داخل مدينة رَميدج، تلك المدينة الصناعية المتخيَّلة التي تُجسِّد ملامح إنجلترا في مرحلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. وفي هذا الفضاء الروائي، يصوغ الكاتب مواجهةً ثرية بين عالمين يبدوان متباعدين في الرؤية والقيم: عالم الجامعة بما يحمله من نزعةٍ تأملية وفكرٍ نظري، وعالم الصناعة بما تحكمه اعتبارات الربح والإنتاج والفاعلية.

اقرأ أيضا: مديرية العمل بالأقصر تكثف حملاتها التفتيشية والتوعوية لتعزيز السلامة والصحة المهنية بالمنشآت

موضوعات مقترحة

ما وراء الميتافيرس.. مسيرة الحماية القانونية للملكية الفكرية وتحديات الأصول الرقمية

وتتبلور هذه المواجهة عبر مبادرة حكومية تُعرف باسم مخطط الظل الإداري، وهو برنامجٌ استُحدث لرأب الهوة بين المؤسستين الأكاديمية والصناعية، من خلال إتاحة الفرصة لأستاذ جامعي كي يُلازم مديرًا تنفيذيًا في أحد المصانع، فيراقب تفاصيل عمله اليومية ويشاركه خبراته المهنية عن كثب.

ومن خلال هذا التفاعل القسري بين شخصيتين تنتميان إلى منظومتين فكريتين متغايرتين، تنكشف الرواية عن شبكة معقدة من التوترات الثقافية، والمفارقات الاجتماعية، والأسئلة العميقة حول طبيعة المعرفة، وجدوى التخصص، وإمكان التوفيق بين الفكر النظري ومتطلبات سوق العمل.

تجمع المصادفة—أو بالأحرى مخطط الظل الإداري الذي تنهض عليه الرواية—بين شخصيتين تنتميان إلى عالمين متنافرين في الرؤية والقيم. الأولى هي روبن بنروز، محاضِرة جامعية مؤقتة تتمتع بذكاء لافت وثقافة موسوعية، متخصصة في الأدب الفيكتوري، واللوجوسية، والنظرية التفكيكية، كما تتبنى رؤى ماركسية يسارية ومواقف نسوية راديكالية تُشكِّل منظورها الفكري والنقدي. أما الثانية فهي فيك ويلكوكس، مدير تنفيذي عصامي وحازم لمصنع هندسي يُعرف باسم برينجلز، يجسد نموذج رجل الأعمال البراجماتي الذي يقيس قيمة الأشياء بميزان الإنتاجية والربحية والكفاءة الاقتصادية.

الكاتب ديفيد لودج

ومن هذا المنطلق، لا يرى في الأدب والعلوم الإنسانية سوى ترفٍ فكري لا طائل منه، يفتقر إلى أي مردود عملي. ومنذ اللقاء الأول، تتأسس العلاقة بينهما على شعور عميق بالنفور وسوء الفهم المتبادل. فترى روبن في المصنع الذي يديره فيك صورةً مصغرةً للرأسمالية الجشعة وآلياتها التي تقوم على استغلال الطبقة العاملة وتسليع الإنسان، في حين ينظر فيك إليها بوصفها تجسيداً للنخبة الأكاديمية المنعزلة، التي تحيا داخل أبراجها العاجية، بعيدةً عن إيقاع السوق، ومنفصلةً عن متطلبات الواقع الاقتصادي وقوانينه الصارمة. وهكذا، يتحول لقاؤهما إلى ساحةٍ يتقاطع فيها الفكر والممارسة، والمثال والواقع، والإنساني والتقني، في صدامٍ يكشف هشاشة الأحكام المسبقة، ويمهد تدريجياً لإعادة النظر في المسلمات التي يتشبث بها كلٌّ منهما.

ومع تعاقب الأسابيع، ومواظبتهما على اللقاء كل يوم أربعاء في إطار مخطط الظل الإداري، تبدأ الصور النمطية التي يحملها كلٌّ منهما عن الآخر في التصدع والانحسار. فسرعان ما تدرك روبن أن إدارة المصنع لا تختزل في السعي المحموم وراء تعظيم الأرباح، كما كانت تظن، بل هي مسؤولية معقدة تستلزم قدراً كبيراً من الكفاءة، والابتكار، والقدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تحت وطأة ضغوط اقتصادية خانقة، ولا سيما في ظل الأزمات الصناعية التي عصفت ببريطانيا خلال ثمانينيات القرن العشرين، حيث أصبح الحفاظ على وظائف العمال واستمرار المؤسسة تحدياً لا يقل أهمية عن تحقيق المكاسب المالية.

وفي المقابل، يبدأ فيك في اكتشاف جانب آخر من شخصية روبن، فيأسره اتساع أفقها الفكري، ونفاذ بصيرتها، وقدرتها الفائقة على تفكيك الظواهر وتأويلها. وللمرة الأولى في حياته، يجد نفسه مأخوذاً بشخص يتقن لغة الأفكار والاستعارات بقدر ما يتقن هو لغة الأرقام والتقارير، فينفتح أمامه عالم ظل غريباً عنه طويلاً. ويزداد هذا الانجذاب حدةً حين يقارنه بجفاف حياته الزوجية؛ إذ تعيش زوجته مارجوري أسيرة روتين يومي خانق، وتلجأ إلى المهدئات، ولا سيما الفاليوم، هرباً من فراغها الوجودي، الأمر الذي يفاقم شعوره بالعزلة العاطفية ويجعله أكثر استعداداً للتجاوب مع الحضور الفكري والإنساني الذي تمثله روبن.

وتبلغ هذه العلاقة الملتبسة ذروتها خلال رحلة عمل مشتركة إلى معرضٍ صناعي في مدينة فرانكفورت الألمانية، حيث تتداعى الحواجز النفسية والفكرية التي طالما فصلت بينهما، وتُفضي سلسلة من اللحظات الحميمة إلى علاقة عاطفية غير متوقعة. غير أن هذه التجربة الواحدة تكتسب دلالتين متباينتين، بل متعارضتين، في وعي كلٍّ منهما. ففي حين يرى فيها فيك نقطة تحول حاسمة في حياته، ويستسلم لمشاعر حب عميقة، متخيلاً أنه وجد في روبن الخلاص من خوائه العاطفي ورتابة وجوده، تتعامل روبن معها بمنطقها النقدي المعتاد، فتقرأها بوصفها تجربة عابرة فرضتها استثنائية المكان والظرف، وترفض أن تمنحها من المعنى ما يتجاوز حدودها الآنية. وإذ تظل وفيةً لرؤيتها العقلانية ونزعتها التفكيكية التي تُشكك في الثوابت واليقينيات، فإنها تقاوم الانجراف وراء العاطفة، رافضةً تحويل تلك الليلة إلى بداية لارتباط دائم أو إلى سردية رومانسية تقليدية.

وبموازاة هذا المسار العاطفي، تعيش روبن حالةً مستمرة من القلق المهني وعدم اليقين؛ إذ تأتي تجربتها الأكاديمية في مرحلة تشهد فيها الجامعات البريطانية تقليصاً حاداً في التمويل العام نتيجة السياسات الاقتصادية التي انتهجتها حكومة مارجريت تاتشر، الأمر الذي جعل الحصول على وظيفة أكاديمية دائمة أشبه بحلم بعيد المنال. ويتجسد هذا الواقع المأزوم بوضوح في شخصية تشارلز، الحبيب السابق لروبن وزميلها في الوسط الأكاديمي، الذي يختار في النهاية الاستسلام لـروح العصر، فيغادر الجامعة متخلياً عن طموحه العلمي، ويلتحق بعالم المصارف الاستثمارية في حي السيتي المالي بلندن. والمفارقة أن تشارلز لا ينظر إلى هذا التحول بوصفه تخلياً عن مبادئه الفكرية، بل يبرره بمنطق ما بعد الحداثة، معتبراً الرأسمالية مجرد نظام آخر من أنظمة العلامات والخطابات، أو لعبةً سيميائية لا تختلف، في جوهرها، عن سائر البنى الخطابية التي تُنتج المعنى وتعيد تشكيله.

اقرأ أيضا: خطوة بخطوة.. آليات تقديم الخدمات الحكومية ومراحل إنجازها بيان عملي في الوادي الجديد

وتبلغ الرواية ذروة توترها الدرامي عبر سلسلة من التحولات المفاجئة التي تعصف بحياة بطليها، فتقلب موازينهما الاجتماعية والنفسية رأساً على عقب. فمن جهة، يتعرض فيك ويلكوكس لضربة قاصمة حين تطيح به مؤامرات إدارية داخل الشركة الأم، فيُعزل على نحو مفاجئ من منصبه مديراً للمصنع، ويجد نفسه وجهاً لوجه أمام البطالة بعد أن كان أحد أبرز رموز النجاح الصناعي. ولا تمثل هذه النكسة مجرد خسارة لوظيفة مرموقة، بل انهياراً كاملاً لهُويته؛ إذ كان يعرّف ذاته من خلال العمل والإنجاز والإنتاج، فإذا به يفقد الركائز التي قامت عليها شخصيته طوال حياته المهنية. وعلى النقيض من ذلك، تشهد حياة روبن تحولاً دراماتيكياً معاكساً؛ إذ يرحل عمها الثري المقيم في أستراليا، تاركاً لها إرثاً مالياً كبيراً يبدد دفعةً واحدة هواجسها الاقتصادية المزمنة. ويمنحها هذا الإرث استقلالاً مادياً كاملاً، محرراً إياها من شبح البطالة الأكاديمية ومن الضغوط التي طالما فرضتها هشاشة سوق العمل الجامعي. وهكذا، تعمد الرواية إلى قلب الأدوار بين الشخصيتين؛ فبينما يفقد رجل الصناعة الأمن الاقتصادي الذي طالما عوّل عليه، تنال الأكاديمية التي كانت تعيش على هامش الاستقرار المالي حريةً لم تكن تتوقعها، في مفارقة روائية تكشف هشاشة اليقين، وتقلبات المصير، واستحالة الركون إلى ثبات المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية.

وفي خاتمة الرواية، يختار فيك أن ينهض من كبوته، فيؤسس مشروعاً تجارياً مستقلاً يكون بدايةً جديدة لمسيرته المهنية بعيداً عن قيود المؤسسة التي لفظته. وفي المقابل، تقرر روبن توظيف جزء من الإرث الكبير الذي آل إليها في تمويل مشروعه الناشئ، مستثمرةً ما تملكه من موارد مالية وعلاقات اجتماعية لتوفير رأس المال اللازم لانطلاقه. وهكذا، تتحول العلاقة بينهما من مجرد تقارب عاطفي إلى شراكة عملية تقوم على الثقة المتبادلة والدعم المتبادل. وتختتم الرواية أحداثها بنهاية تنطوي على قدرٍ لافت من المفارقة الساخرة؛ إذ تحيد عن النموذج التقليدي للرواية الفيكتورية، فلا تُتوَّج قصة البطلين بالزواج بوصفه الخاتمة الحتمية للعلاقة العاطفية. وبدلاً من ذلك، يحتفظ كلٌّ منهما باستقلاله ومساره الخاص، مع بقاء رابطة مهنية ومالية وثيقة تجمع بينهما. وفي الوقت نفسه، تنال روبن أخيراً فرصةً للعمل في وظيفة أكاديمية، لتستعيد موقعها داخل المؤسسة الجامعية التي كادت أن تلفظها. وبذلك ينتهي كل من البطلين إلى عالمه الذي ينتمي إليه، غير أن كلاً منهما يغادر التجربة وقد تبدلت رؤيته للآخر ولذاته؛ فقد ترك هذا اللقاء الاستثنائي أثراً عميقاً لا يُمحى في وعيهما، ووسّع فهمهما للحياة بما يتجاوز الثنائيات التي بدت، في البداية، عصية على المصالحة: الفكر والعمل، والجامعة والصناعة، والمثال والواقع.

في المحصلة النهائية، تُقدِّم رواية عَمَلٌ رَائِعٌ دفاعاً عميقاً وذكياً عن القيمة المستمرة للأدب والعلوم الإنسانية في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو منطق المنفعة والكفاءة الاقتصادية. فمن خلال الجمع بين روبن بنروز وفيك ويلكوكس، يوضح ديفيد لودج أن الجامعة لا يمكن أن تظل منعزلة عن قضايا المجتمع وتحولاته الواقعية، كما أن عالم الصناعة والسوق لا يستطيع الاستغناء عن البعد النقدي والأخلاقي الذي توفره المعرفة الإنسانية. ولا تقوم الرواية على تبني موقف أحادي أو الانحياز إلى أحد الطرفين، بل تكشف محدودية كل عالم حين ينغلق على ذاته؛ فالنظرية تحتاج إلى اختبار الواقع، والممارسة العملية تحتاج إلى بصيرة الفكر والتأمل. ومن خلال هذا التفاعل الجدلي بين الأكاديمية والصناعة، وبين التجريد النظري والخبرة الحياتية، يحول لودج التناقضات الكبرى في المجتمع المعاصر إلى مادة روائية ثرية تجمع بين السخرية والعمق الفكري والمتعة الجمالية.

وهكذا تترك رواية عملٌ رائع القارئ أمام سؤال أخلاقي ومعرفي مفتوح: كيف يمكن للإنسان أن يجد توازناً بين ضرورات الواقع المادي وحاجاته الفكرية والروحية في عالم لا يتوقف عن التغير؟ إنها رواية تدعو القارئ، سواء امتلك أدوات النقد الأكاديمي أم قرأها بصفته متلقياً عادياً، إلى البحث عن المعنى الإنساني الكامن وراء التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل حياته.

الأستاذ الدكتور أشرف إبراهيم زيدان
أستاذ ورئيس قسم اللغة الإنجليزية بجامعة بورسعيد

الأستاذ الدكتور أشرف زيدان

اقرأ أيضا: «الزراعة»: إصدار 15 موافقة فنية لإقامة مشروعات جديدة للإنتاج الحيواني والداجني

‫0 تعليق