بين الأثر والوجود

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

@azmani21
تروي قصة شائعة أنه في أحد أيام عام 1888، نشرت إحدى الصحف الفرنسية، بالخطأ، خبر وفاة ألفرد نوبل، ووصفته بـ«تاجر الموت» بسبب اختراعه الديناميت. ولم يكن نوبل قد توفي آنذاك، إلا أن القصة تقول إنه قرأ للمرة الأولى كيف يمكن أن يختصر الناس حياته وإرثه. ودفعه ذلك، بحسب الرواية المتداولة، إلى إعادة التفكير في الأثر الذي سيتركه خلفه، فخصص معظم ثروته لإنشاء الجوائز التي تحمل اسمه، وتكرّم أصحاب الإنجازات التي تخدم البشرية.
لم يستطع تغيير ما أنجزه في الماضي، لكنه استطاع أن يغيّر أثره في المستقبل.
وهنا تكمن الحكاية التي تعنينا جميعًا؛ فهناك فرق كبير بين أن تكون موجودًا، وأن يكون لوجودك أثر.
قد يمر الإنسان في مكان سنوات طويلة دون أن يتغير شيء بسببه، وقد يمر آخر لفترة قصيرة، لكنه يترك خلفه فكرة، أو قيمة، أو كلمة، أو إنسانًا أصبح أفضل لأنه عرفه. فالوجود يُقاس بمدة البقاء، أما الأثر فيُقاس بما يبقى بعد الرحيل.
ولعل أول أثر ينبغي أن نصنعه هو أثرنا في أنفسنا؛ أن تنظر إلى نفسك كل عام، فتجد أنك تعلمت شيئًا جديدًا، واكتسبت عادة أفضل، وتجاوزت ضعفًا، وطورت مهارة، وأصبحت أكثر نضجًا واتزانًا. أن تكون نسخة أفضل من نفسك، لا نسخة مختلفة منها.
فالنجاح ليس محطة نصل إليها ثم نتوقف، وإنما سلّم نصعد درجاته، وكل درجة ينبغي أن تجعلنا أكثر قدرة على العطاء والتأثير. وما جدوى أن يرتقي الإنسان في منصبه، بينما يتراجع في أخلاقه؟ أو أن يزداد دخله، بينما تتقلص قدرته على إسعاد من حوله؟ أو أن يعرفه الناس أكثر، بينما لا يجد أحد في وجوده قيمة حقيقية؟
ولأن الإنسان لا يعيش وحده، فإن أثره يمتد بالضرورة إلى الآخرين. كلمة تقولها في الوقت المناسب قد تغيّر قرارًا، وتشجيع تمنحه لشخص متردد قد يفتح أمامه طريقًا جديدًا، وقدوة حسنة قد يتعلم منها أبناؤك وزملاؤك دون أن تطلب منهم ذلك.
وأحيانًا لا يحتاج الأثر إلى أكثر من معلّم يؤمن بطالب لم يؤمن بنفسه، أو أب يكرر على مسامع ابنه: «أنا أثق بك»، حتى تصبح هذه العبارة جزءًا من صوته الداخلي. قد لا يعرفهم أحد، لكن أثرهم قد يعيش في أشخاص آخرين لسنوات طويلة.
وتشير بعض الدراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن السلوكيات الإيجابية يمكن أن تنتقل عبر شبكات العلاقات، فتؤثر في الآخرين، بقصد أو من غير قصد. وهذا يعني أن أثرنا قد يتجاوز الأشخاص الذين نعرفهم إلى أشخاص لن نلتقي بهم أصلًا.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم في نهاية كل عام: ماذا حققت؟ بل: ماذا أضفت؟
هل أصبحت أفضل؟ وهل أصبح أحدهم أفضل لأنك كنت موجودًا؟ وهل تركت في المكان الذي مررت به شيئًا أجمل مما وجدته؟
هذه الأسئلة تعيد تعريف النجاح. فالإنجاز ينتهي عندما نحققه، أما الأثر فقد يبدأ أحيانًا بعد أن نغادر المشهد.
وفي النهاية، ليس مطلوبًا أن يغيّر كل إنسان العالم. يكفي أن يغيّر شيئًا في الدائرة التي يعيش فيها؛ أن يترك بيتًا أكثر دفئًا، وفريقًا أكثر تعاونًا، وصديقًا أكثر ثقة، وابنًا أكثر اتزانًا، ومكانًا أجمل مما كان عليه.
فقد لا نستطيع جميعًا أن نكون ألفرد نوبل، لكننا نستطيع أن نعيش بحيث يكون وجودنا إضافة، وأن يكون غيابنا محسوسًا لدى من حولنا.
الحياة لا تُقاس فقط بعدد السنوات التي نعيشها، بل بعدد الآثار الجميلة التي نتركها خلفنا.
الجملة الذهبية
الحضور ينتهي بخروجك من المكان، أما الأثر فقد يبدأ بعد مغادرتك.
دفتر الكاتب
كلما اقتربت من نهاية عام، لا تسأل نفسك فقط: كم تقدمت؟
اسأل أيضًا: ما الأثر الذي تركته؟
فربما يكون هذا هو المقياس الأكثر صدقًا للنجاح.

اقرأ أيضا: قطر تدين بشدة الهجوم الإيراني على ناقلتي نفط إماراتيتين تابعتين لشركة “أدنوك” أثناء عبورهما مضيق هرمز

‫0 تعليق