بلاغة الشير وآثارها على المجتمع وثقافته

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها فيس بوك، مجرد أدوات تقنية لنقل الرسائل، فقد تحولت إلى بنية سلوكية تشكل اللغة اليومية وطبيعة العلاقات داخل المجتمع، حيث يتعامل عشرات الملايين من المستخدمين في مصر مع هذه المنصات لمعدلات زمنية متزايدة، مما أدى إلى تشكل قاموس تفاعلي بديل يقوم على الاختزال الرقمي، وهو ما جعل الإشارات الافتراضية تحل محل التواصل اللفظي والمباشر، مستدعية في الوقت نفسه ظواهر ومقابلات مجتمعية قديمة كانت تمارس في الفضاء العام التقليدي.

اقرأ أيضا: انقلاب سيارة فى ترعة الهنادى وإصابة 7 عمال بكدمات وجروح ونقلهم للمستشفى بإسنا

وعند تحليل هذه العناصر من منظور اجتماعي، يتجلى الإيموجي بديلا اختزاليا للغة الجسد والانفعالات المباشرة، بينما أخذ زر الإعجاب دور المجاملة السريعة التي تعفي الفرد من أداء الواجب الاجتماعي التقليدي، أما خاصية إعادة النشر أو الشير، فتؤدي في كثير من الأحيان الوظيفة الجماعية القديمة للتجريس أو الفضح الذي كان يحدث في الحارة أو القرية؛ إذ يتحول السلوك الفردي أو الخلاف الشخصي عبر المشاركة المكثفة إلى استعراض علني تدار فيه المحاكمات المجتمعية السريعة ويشارك فيه الجمهور بالهجوم والعقاب المعنوي على نطاق واسع.

ويتوج هذا النمط السلوكي بطقس الصورة السيلفي التي تعكس تحولا بنيويا نحو مركزية الذات في وعي الفرد المعاصر، فلم تعد الصورة تُلتقط لتوثيق العالم أو الاهتمام بموضوعه، وإنما لتأطير الذات في قلب المشهد ليصبح العالم مجرد خلفية لإثبات الحضور، وبحيث يتحول البحث عن اللايكات إلى وقود نفسي يتغذى عليه الأنا الافتراضي، وتتحول فيه المظاهر إلى بديل عن الأثر الميداني والتفاعل الإنساني الحقيقي.

هذا التحول البنيوي يعيد التذكير بمقولة المفكر الإيطالي أمبرتو إيكو حول منصات التواصل التي منحت حق الحديث بالتساوي للجميع، وهو ما وصفه بثورة البلهاء؛ فعندما تصبح الذات هي مركز الكون الرقمي، تتساوى الآراء الانطباعية والسطحية مع الخبرات العلمية والملاحظات الدقيقة، ومن أبرز مظاهر هذا التغير طريقة التعامل مع النزاعات، فبعد أن كان المجتمع يعتمد قديما على التدخل المباشر للحكماء وكبار العائلات للتهدئة وإصلاح ذات البين، أصبحت التعليقات وسيلة لتأصيل الخلافات وتثبيت الانحيازات الذاتية، مما يكرس الاستقطاب ويضعف النسيج المجتمعي.

وللحد من الأثر السلبي والنفسي لهذه الوسائل وتحويلها إلى عنصر إيجابي يخدم الهوية، يتطلب الأمر العمل على بناء الوعي الرقمي وتطوير مهارات النقد لدى الأفراد، وهو ما يتحقق عن طريق تدريب مستخدمي المنصات على التمييز بين الحقائق العلمية والآراء الانطباعية قبل التفاعل معها أو إعادة نشرها، مما يقلل من تدفق الشائعات ويهدئ من حدة التفاعل العاطفي المتسرع.

اقرأ أيضا: قوات الاحتلال تطلق نيرانا عشوائية باتجاه أحد أحياء قرية معرية جنوب سوريا

كما يبرز دور تفعيل الأنشطة الثقافية والميدانية على الأرض في مراكز الشباب والمكتبات والمؤسسات المجتمعية كعنصر حاسم في هذه المواجهة، إن استعادة الفاعلية المباشرة للثقافة الواقعية تقوّي العلاقات الإنسانية الحقيقية وتحد من الارتهان النفسي الشديد للشاشات والمجتمعات الافتراضية.

وأخيرا، يتطلب الإصلاح ترسيخ المسئولية الأخلاقية والقانونية تجاه السلوكيات الرقمية الضارة، ويأتي في مقدمة ذلك التوعية بخطورة إعادة النشر غير المسئول والتجريس الرقمي، والتأكيد على حماية الخصوصية الفردية لمنع تحول المنصات إلى ساحات مجانية للتشهير، وبما يضمن صيانة الهوية الوطنية واستقرار أفراد المجتمع.

اقرأ أيضا: شركة ميرسك للشحن البحري: مستمرون في العمل بحذر في الشرق الأوسط

‫0 تعليق