المناطق العازلة.. حين يتحول التوسع الإسرائيلي إلى انكفاء

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يكن سرّاً
تبنّي الاحتلال الإسرائيلي عقيدة عسكرية جديدة يركز فيها على توسعة وتعزيز مفهومه
للمناطق العازلة لتشمل دول الجوار، نقل فيها الحدود الأمنية إلى أراضي الجوار
الجغرافي (مثل غزة وجنوب لبنان وسوريا)، وذهب أبعد من ذلك تلميحاً وتصريحاً بإنشاء
مناطق عازلة في غور الأردن وصحراء سيناء المصرية.

اقرأ أيضا: كاتس يضع أمن المستوطنات بيد الشرطة وانتهاكات واسعة بالضفة | أخبار

يقابل ذلك “سرّ”
لم يفصح عنه الكيان الإسرائيلي، بأن ما يقوم به من انكفاء نحو المناطق العازلة، ما
هو إلا إدارة لانكفائه الاستراتيجي الأعمق الناجم عن طوفان الأقصى في السابع من تشرين
الأول/أكتوبر 2023، وعن الفشل في إخضاع إيران نهاية شباط/فبراير من العام الحالي
2026.

ذلك أن انكفاء
الاحتلال نحو المناطق العازلة في جنوب سوريا ولبنان أولاً، والضفة الغربية وقطاع
غزة ثانياً، وشرق المتوسط وأوروبا ثالثاً، يعكس استراتيجية دفاعية قلقة بعد فشل
مشروعه في إقامة نظام إقليمي تطبيعي أمني واقتصادي وسياسي يقف على حدود الخليج
العربي ولا ينتهي عنده.

إنه طموح لم
يتحقق، ليُستبدل بمناطق عازلة توسعية، وضفة غربية منهكة، ومنظومة إقليمية عتيقة
مجرّبة بإرثها الاستعماري القريب وتاريخها الثقافي البعيد في قبرص الرومية
واليونان الأوروبية المنقسمة والمتشككة اليوم أكثر من أي يوم مضى بجدوى المشروع
الصهيوني ومشروعيته السياسية والأخلاقية.

انكفاءات
الاحتلال الثلاث إلى المناطق العازلة والضفة الغربية وشرق المتوسط، يقابلها صعود
جيوسياسي إيراني في هرمز وباب المندب، وتقدم تركي باكستاني في بحر العرب وشرق
المتوسط، تُوّج مؤخراً بالإعلان عن اتفاق مكة الثلاثي السعودي التركي الباكستاني؛
الذي أحكم عزلة الهند جيوسياسياً، وأبعد اليونان وقبرص، وحاصر الاحتلال الإسرائيلي
في ساحل المتوسط بعيداً عن الخليج العربي وكياناته، مستفيداً من ضربات إيران
ومقاومة لبنان وفلسطين، وفاتحاً الباب لمنظومة إقليمية أوسع تحتوي إيران وتضمها
إلى اتفاقاتها مستقبلاً.

تقهقر الهند
وتمزق الحزمة الثخينة من المشاريع التطبيعية التي عوّل عليها الكيان الإسرائيلي
والولايات المتحدة لتكريس نفوذ الكيان وهيمنته في منطقة الخليج العربي وشرق
المتوسط، قابله تقدم وانتشار ثلاثي جديد: إيراني جيوسياسي، وتركي سعودي باكستاني
سياسي، وثالث مقاوم كامن ومتحرك في لبنان وفلسطين وسوريا.

هاجس الانهيار
والتقهقر بات المحرك الرئيس للعقيدة العسكرية الإسرائيلية بتبنّيها المناطق
العازلة، غير أن تقديمها كمنجز سياسي وأمني يعكس عجزاً وتقهقراً عن الطموحات
والمشاريع الكبرى الطموحة بشرق أوسط إسرائيلي، وبحثاً يائساً عن إنجاز سياسي وأمني
في موسم الانتخابات الإسرائيلية، في حين أنه إقرار بفشل المشروع الإسرائيلي بشقّيه
السياسي والعسكري التوسعي في كامل الإقليم وأطرافه المترامية.

الاحتلال عاد
ليقاتل بحثاً عن مناطق عازلة في سوريا ولبنان وقطاع غزة، وصولاً إلى غور الأردن
وشرق سيناء، راسماً حدود نفوذه عند حدود المناطق العازلة وفي أراضي الضفة الغربية،
تقهقر يراد له أن يتحول إلى تموضع دائم، غير أن مقتله لا يزال كامناً في تراجع
أمريكي متزامن مع التراجع والانكفاء الإسرائيلي، على نحو يدفع واشنطن للضغط على
الاحتلال الإسرائيلي لتقديم تنازلات في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا، بما
يسمح بتموضع أمريكي مريح شرق المتوسط في مصر والأردن وسوريا واليونان وقبرص.

يأمل نتنياهو
والقادة العسكريون في الكيان الإسرائيلي النجاح في تثبيت المناطق العازلة وإدارة
انكفائها وتراجعها، على نحو لا يهدد مصالح أمريكا في الأردن ومصر وتركيا وسوريا
ولبنان، ويرفع كلفة تموضع واشنطن وانكفائها من الخليج العربي إلى شرق المتوسط في
اليونان وقبرص، وصولاً إلى مصر وقناة السويس.

اقرأ أيضا: عاجل .. الاتحاد النيوزيلندي يسحب دعمه لإنفانتينو ويدعو إلى مراجعة مستقلة

رغم الأمل
والطموحات الإسرائيلية، فإن الخشية من تضارب أولويات واشنطن والكيان الإسرائيلي
عند الحديث عن إدارة الانكفاء نحو شرق المتوسط ومناطقه العازلة عالية المخاطر، ما
أكدته تحركات القوات الأمريكية في “كريات جات-النقب المحتل” يوم
الثلاثاء الفائت، بإعلان قائد المنطقة الوسطى الأمريكية الأدميرال براد كوبر نية
بلاده تولّي زمام الأمور في قطاع غزة بديلاً لجيش الاحتلال الإسرائيلي، لضمان
تنفيذ البنود 15 الخاصة بقطاع غزة.

ختاماً.. ما
يخشاه الاحتلال الإسرائيلي أن لا تفلح انكفاءته نحو المناطق العازلة والضفة
الغربية، فإدارة الانكفاء تواجهها تعقيدات الرغبة الأمريكية باستعادة زمام
المبادرة والسيطرة على القرار الاستراتيجي، بل والتكتيكي الإسرائيلي، قبل أن تخسر
شرق المتوسط كما خسرت الخليج العربي، الذي تحوّل إلى عبء وقصة فشل أمريكية تزداد
كلفتها ومخاطر تحوّلها إلى مستنقع يقوّض مكانة الولايات المتحدة الأمريكية، لما هو
أبعد من منطقة الخليج العربي جنوباً وشرقاً في آسيا والباسيفيك وشمالاً تجاه
المحيط الأطلسي وأوروبا.

x.com/hma36


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: الوحدات يضم عبد المطلب والنعيم لتعزيز صفوفه…

‫0 تعليق