الكاتب الصحفي عزت ابراهيم يكتب عن الكتاب الأكثر جدلا هذا العام «لوبي إسرائيل»: «الفصل الأول.. لوبي لا يشبه أحدا»
اقرأ أيضا: الأهلي يخسر أمام يوروبا الإسباني بهدفين مقابل هدف
استعرض الكاتب الصحفي عزت إبراهيم رئيس تحرير صحيفة الأهرام ويكلي فصول من كتاب «لوبي إسرائيل» الذي وصفه في منشور عبر صفحته الشخصية بأنه «واحد من الكتب المثيرة للجدل هذا العام»، والذي كتبه الصحفي الاستقصائي إيلي كليفتون وأستاذ العلوم السياسية إيان لوستيك.
ونشر «إبراهيم» عن الفصل الأول للكتاب والذي عنون له بـ «لوبي لا يشبه غيره»، وسأل «كيف أصبحت إسرائيل الحالة الأكثر استثنائية في السياسة الخارجية الأمريكية».
لوبي لا يشبه غيره
وكتب «إبراهيم»: «عندما وقف بنيامين نتنياهو أمام مجلسي الكونجرس في الثالث من مارس 2015، لم يكن يلقي خطابا بروتوكوليا لرئيس حكومة أجنبية، جاءت دعوته من القيادة الجمهورية من دون تنسيق مسبق مع إدارة باراك أوباما، وكان هدفه المعلن مواجهة الاتفاق النووي الذي كان الرئيس الأمريكي نفسه يسعى إلى إبرامه مع إيران، استغرق خطاب نتنياهو 42 دقيقة، وقاطعه أعضاء الكونجرس بالتصفيق 38 مرة، بينها 23 مرة وقفوا فيها على أقدامهم، وبعد تسع سنوات، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى القاعة نفسها في يوليو 2024، وسط حرب غزة ومقاطعة عدد ملحوظ من الديمقراطيين، فتحدث 53 دقيقة، وقوطع بالتصفيق 74 مرة، بينها 53 وقفة تصفيق، يكاد المشهد الأخير يعني وقفة تصفيق كاملة في كل دقيقة، لا تقدم هذه المشاهد مجرد صورة عن مزاج الكونجرس، إنها تقدم مدخلا إلى علاقة ثنائية لا تشبه، في درجة حميميتها السياسية، أي علاقة أمريكية أخرى مع دولة أجنبية».
وأضاف: «تدعم الأرقام هذا الانطباع، منذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى الفترة التي يغطيها الكتاب، خاطب قادة أجانب جلسات مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ 79 مرة، ذهبت ثماني من هذه الدعوات إلى رؤساء أو رؤساء حكومات إسرائيليين، أكثر من أي دولة أخرى، ومنذ 1995 وحده ألقى قادة أجانب 37 خطابا أمام جلسات مشتركة، بينها خمسة لقادة إسرائيليين، أما نتنياهو نفسه فقد تحدث أمام الكونجرس أربع مرات، متجاوزا ونستون تشرشل الذي خاطبه ثلاث مرات».
وتابع: «يبدأ كليفتون ولوستيك تحليلهما من مكان أبعد بكثير عن إسرائيل: خطاب جورج واشنطن الوداعي عام 1796، خصص الرئيس الأمريكي الأول 11 فقرة من أصل 50 للتحذير من التعلقات العاطفية بالدول الأجنبية، لم يكن واشنطن يرفض وجود جماعات المصالح، فقد قام النظام الأمريكي كله على افتراض أن الفئات المختلفة ستنظم نفسها وتسعى إلى تحقيق ما تعتبره مصالحها، كان يخشى نوعا محددا من الانحياز: أن تتشكل داخل الولايات المتحدة جماعة شديدة التنظيم والالتزام تجاه دولة أجنبية من دون أن تقابلها قوة سياسية مشابهة، فتبدأ مصالح الدولة الأخرى في الاندماج تدريجيا في تصور الأمريكيين لمصلحتهم الوطنية».
واستطرد الكاتب الصحفي عزت إبراهيم في استعراضه للكتاب: «وتأتي إحدى أكثر مجموعات البيانات دلالة من الكونجرس نفسه. بين 1973 و2013 قدم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ 938 مشروع قانون وقرارا غير متعلق بالاعتمادات المالية يدعم إسرائيل، تجاوز هذا العدد مجموع الإجراءات المماثلة المتعلقة بمصر والأردن وكوريا الجنوبية وبريطانيا والهند واليابان مجتمعة، وفي يوليو 2023 صوت مجلس النواب بأغلبية 412 مقابل 9 على قرار يؤكد استمرار الدعم لإسرائيل ويعلن أنها ليست دولة عنصرية ولا دولة فصل عنصري، وبعد اندلاع حرب غزة، أقر المجلس في أبريل 2024 حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 14.3 مليار دولار بأغلبية 366 مقابل 58، ثم مرر بأغلبية 377 مقابل 44 قرارا يدين عبارة «من النهر إلى البحر، فلسطين ستكون حرة» باعتبارها معادية للسامية».
التأثير على السياسة الأمريكية
وتابع: «وتظهر الاستثنائية نفسها في الأمم المتحدة، ففي مايو 2017 وقع أعضاء مجلس الشيوخ المئة رسالة واحدة إلى الأمين العام للأمم المتحدة للاحتجاج على ما اعتبروه تحيزا ضد إسرائيل، وفي أكتوبر 2015 صوتت 191 دولة لمصلحة إنهاء الحصار الأمريكي على كوبا ولم تقف في الجانب الآخر سوى الولايات المتحدة وإسرائيل، وبعد شهر صوتت 155 دولة مقابل سبع لمصلحة قرار يدعو إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ووجدت واشنطن نفسها مرة أخرى إلى جانب إسرائيل داخل أقلية دولية محدودة، لا يجمع ملفا كوبا وإسرائيل شيء تقريبا من الناحية الاستراتيجية، لكن كليهما يكشف كيف تستطيع جماعة ضغط شديدة التنظيم أن تجعل السياسة الأمريكية بعيدة عن الاتجاه الدولي العام. وتقع اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة، AIPAC، في قلب هذه البنية، بدأت المنظمة في أوائل الخمسينيات تحت اسم American Zionist Committee for Public Affairs، واتخذت اسمها الحالي عام 1959».
ولفت إلى أنه «بحلول 2025 كانت تقول إن عضويتها وصلت إلى خمسة ملايين شخص، وفي 2009 كان إنفاقها السنوي على الضغط في واشنطن يقارب ثلاثة أضعاف إجمالي ما أنفقته أكبر ثماني منظمات يهودية أخرى تعمل في مجال المناصرة المرتبطة بإسرائيل، ومع ذلك لا تساوي AIPAC اللوبي كله، فالمنظومة تشمل شبكات مانحين، ولجان عمل سياسي، ومراكز بحوث، ومنظمات قانونية وإعلامية ومؤسسات دينية وخيرية، بينما تقوم AIPAC بدور المركز الأكثر انتظاما في مراقبة الكونجرس وبناء العلاقات مع أعضائه. وتكشف سمعة المنظمة داخل واشنطن عن حجم هذه المكانة، في استطلاع أجرته مجلة Fortune عام 1997 وشمل 2200 شخص من أعضاء الكونجرس وموظفيه ومسؤولي السلطة التنفيذية، جاءت AIPAC في المرتبة الثانية بين أكثر من مئة جماعة ضغط، ولم تتقدم عليها سوى AARP، المنظمة العملاقة للمتقاعدين الأمريكيين».
دهشة وإحباط في الكونجرس
وأوضح: «وكان جورج شولتز، وزير الخارجية في إدارة رونالد ريجان بين 1982 و1988، أكثر صراحة في وصف أثرها، إذ قال لاحقا إنه شعر بالدهشة والإحباط من قدرتها داخل الكونجرس، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأي محاولة لمناقشة خفض المساعدات الموجهة إلى إسرائيل. ويضيف عالم السياسة كيرك بيتي بعدا أكثر تفصيلا إلى الصورة. اعتمد في كتابه Congress and the Shaping of the Middle East على أكثر من مئة مقابلة مع موظفين كبار وصغار في الكونجرس، ووجد أن أعضاء المجلسين يواجهون بصورة متكررة تصويتات وقرارات تعمل عمليا كاختبارات لمواقفهم من إسرائيل، وأن مكاتبهم تدرك حجم المخاطرة السياسية المرتبطة بمخالفة AIPAC في القضايا الأساسية، ونقل عن موظف مخضرم في لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ قوله إن أحدا لن يقتطع أموالا من الاعتمادات الخاصة بإسرائيل لأن «لا أحد انتحاري إلى هذه الدرجة».
وأشار إلى أنه «ينتقل النقاش من مقدار الدعم إلى كيفية إنتاجه، لا تحتاج جماعة الضغط إلى أن تملي التعليمات على كل مشرع في كل مرة، يكفي أن يصبح العقاب المحتمل معروفا، وتقدم حالة السيناتور الجمهوري تشارلز بيرسي من إلينوي أحد أشهر الأمثلة، وكان بيرسي عضوا بارزا في مجلس الشيوخ وجرى التعامل معه في وقت ما باعتباره شخصية رئاسية محتملة، لكنه أيد بيع طائرات الإنذار المبكر AWACS إلى السعودية واتخذ مواقف أكثر استقلالا عن الخط المؤيد لإسرائيل»
وكشف أنه «في انتخابات 1984 تدفق نحو 1.8 مليون دولار من مساهمات مرتبطة بالشبكات المؤيدة لإسرائيل لدعم الحملة المضادة له، وهو رقم استثنائي بمقاييس ذلك الوقت، خسر بيرسي المقعد، وبعد سنوات أصبحت واشنطن تتحدث عن «Percy factor»: مصير سياسي واحد يتحول إلى رسالة لبقية السياسيين، ويظهر المنطق نفسه في حالات أكثر حداثة، ولا تقتصر أهدافه على السياسيين غير اليهود، شهدت الثمانينيات حملات ضد السيناتورين اليهوديين تشيك هيخت وإدوارد زورينسكي بسبب ما اعتبرته الدوائر المؤيدة لإسرائيل مواقف غير كافية في بعض الملفات، وفي 2022 أنفقت AIPAC ملايين الدولارات في الانتخابات التمهيدية التي انتهت بخسارة عضو الكونجرس الديمقراطي آندي ليفين من ميشيجان، وهو رئيس سابق لمعبده اليهودي وصهيوني أعلن انتقاده سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية».
رقم قياسي في السباق على مجلسي النواب والشيوخ
كما أشار إلى أنه «في انتخابات 2024 أنفقت الجهات المرتبطة بـAIPAC رقما قياسيا بلغ نحو 45 مليون دولار على سباقات مجلسي النواب والشيوخ، وتركز جانب مهم منه على إسقاط النائبين التقدميين جمال بومان وكوري بوش، وهما من أوائل الأصوات في الكونجرس التي طالبت بوقف إطلاق النار في غزة»، موضحا: «وتفسر هذه الوقائع لماذا لا يحتاج النفوذ إلى كتلة انتخابية يهودية كبيرة في كل دائرة، بل قد يصبح التأثير المالي أكثر قوة في الولايات أو الدوائر التي يهتم ناخبوها قليلا بالشرق الأوسط، لا يحصل عضو الكونجرس هناك على مكافأة انتخابية مهمة إذا رفض التوقيع على رسالة تدعم إسرائيل، في حين يستطيع خصمه الحصول على موارد كبيرة إذا قررت شبكة منظمة معاقبته».
وشدد على أنه «كلما كان السباق أصغر، ارتفعت قيمة كل دولار، ويقدم النائب الديمقراطي ريتشي توريس، الذي يمثل إحدى أفقر مناطق البرونكس ويعد في الوقت نفسه من أكثر أعضاء الكونجرس التصاقا بالمواقف المؤيدة لإسرائيل، مثالا على أن الجغرافيا الديموغرافية وحدها لا تفسر قوة العلاقة».
وتابع: «كان توم داين، المدير التنفيذي لـAIPAC بين 1980 و1993، واضحا بشأن أهمية المال، ونقل عنه في 1991 أن القوة السياسية للشبكات المؤيدة لإسرائيل لا تنبع أساسا من «الصوت اليهودي» وإنما من المال السياسي، وأن تدفقه في الوقت والمقدار المناسبين يستطيع التأثير في نتائج عدد من سباقات مجلس الشيوخ. ووفقا لروايته، كانت الشبكة توجه خلال الثمانينيات والتسعينيات مساهمات تعادل نحو 10 إلى 15 في المئة من ميزانية الحملة النموذجية لعضو الكونجرس، ويقدم تسجيل مسرب من عام 1992 نافذة نادرة على هذه الثقافة، تحدث ديفيد شتاينر، رئيس AIPAC آنذاك، هاتفيا مع رجل الأعمال حاييم كاتس من دون أن يعرف أن المكالمة تسجل، تحدث عن النفوذ في التعيينات الرئاسية والتشريع، وعن قيمة مكافأة السياسيين الذين يثبتون ولاءهم».
المعيار الأساسي للترشح
وأوضح أن «داين» أشار إلى المعيار الأساسي لا يتعلق بكون المرشح يهوديا أو غير يهودي، وإنما بسجله تجاه إسرائيل، فإذا كان سياسي غير يهودي جيدا لإسرائيل، فإن دعمه ضد منافس يهودي يمكن أن يرسل رسالة أكثر فاعلية: من يلتزم بالخط يحصل على الدعم. وشرح كذلك أن مساهمة تتراوح بين خمسة آلاف وعشرين ألف دولار يمكن أن تكون شديدة الأهمية في ولاية صغيرة حتى لو بدت محدودة في سباق قومي كبير، واستقال شتاينر بعد نشر التسجيل وتنصلت AIPAC من تصريحاته، غير أن الواقعة كشفت منطق توزيع الموارد: توجيه المال حيث يحقق أكبر عائد سياسي.
وقدمت قضية ستيفن روزن بعد أكثر من عقد نافذة ثانية، كان روزن أحد أبرز مسؤولي السياسة الخارجية في AIPAC قبل أن يتورط مع موظف آخر في قضية تتعلق بمعلومات دفاعية مصنفة ونقلها إلى مسؤولين إسرائيليين.
فصلته المنظمة، رغم أنها كانت قد منحته قبل ذلك بفترة قصيرة مكافأة قدرها سبعة آلاف دولار رفع دعوى تشهير طالب فيها بـ21 مليون دولار وقال إن الأساليب التي تعرض للملاحقة بسببها لم تكن خروجا على سياسة المنظمة، وإنما جزءا من العمل الذي أداه طوال 23 عاما.
وأسقطت الحكومة لاحقا القضية الجنائية، ولم تصل المعركة المدنية إلى محاكمة كاملة، تكمن أهمية القضية في أن النزاع الداخلي كشف تصور الموظفين أنفسهم لطبيعة العمل وحدود ما يعد سلوكا استثنائيا أو عاديا داخله.
ولفت إلى أنه «شهادات السياسيين والموظفين السابقين تراكمت، وقال النائب الديمقراطي جيم موران إن AIPAC لا تسامح من يتحداها وإنها قادرة على تدميره سياسيا، وبعد 39 عاما في مجلس الشيوخ، انتظر فريتز هولينجز حتى أعلن تقاعده عام 2004 ليقول إن واشنطن لا تستطيع عمليا أن تمتلك سياسة تجاه إسرائيل تختلف كثيرا عما تقبله AIPAC وعندما حاول الرئيس جيرالد فورد وهنري كيسنجر عام 1975 إجراء «إعادة تقييم» للسياسة تجاه إسرائيل، وقع 76 عضوا من أصل مئة في مجلس الشيوخ رسالة مؤيدة لإسرائيل قبل عقد جلسات استماع كاملة أو الاستماع بصورة تفصيلية إلى الإدارة».
ونقل السيناتور تشارلز ماثياس لاحقا عن أحد زملائه قوله إن الضغط كان شديدا إلى درجة أنه استسلم، وعن آخر أن توقيع رسالة واحدة أسهل من الرد على خمسة آلاف رسالة من الناخبين والناشطين. وحتى عندما عجز الكونجرس عن التوافق على ملفات داخلية أساسية، بدا ملف إسرائيل أحيانا خاضعا لقواعد مختلفة، يستشهد الكتاب بمايك لوفرين، الذي عمل 28 عاما موظفا كبيرا في الكونجرس، وهو يتذكر عام 2014 حين كانت المؤسسة التشريعية تعاني شللا واسعا، ثم تحرك مجلس الشيوخ بسرعة لإضافة 225 مليون دولار إلى برنامج القبة الحديدية.
واعترض السيناتور الجمهوري توم كوبيرن لأن الإنفاق لم يقابله خفض في بند آخر، ثم جرى تجاوز اعتراضه وأقر المجلس التمويل بالإجماع. ومع ذلك لا يقوم التفسير كله على المال أو الخوف الانتخابي، توجد ثلاث حجج بديلة تفسر العلاقة الخاصة: القيمة الاستراتيجية لإسرائيل، التقارب الثقافي والقيمي بين المجتمعين، وتأثير تفضيلات الرئيس ومستشاريه في صياغة السياسة الخارجية.
اختبار واضح للنظرية
وتستحق الحجة الاستراتيجية اهتماما خاصا، ففي 1990 نشر عالم السياسة أ. إف. ك. أورجانسكي كتابا وصف فيه العلاقة بأنها «صفقة الـ36 مليار دولار»، ورأى أن حجم الدعم يعكس القيمة التي تقدمها إسرائيل للولايات المتحدة في مواجهة النفوذ السوفيتي في الشرق الأوسط، وأن دور جماعات الضغط ثانوي.
وضع أورجانسكي، ضمنا، اختبارا واضحا لنظريته: إذا اختفى الاتحاد السوفيتي، يجب أن تنخفض الحاجة الاستراتيجية إلى إسرائيل وينخفض معها الدعم. وانهار الاتحاد السوفيتي بعد ذلك مباشرة، ولم تنخفض المساعدات بالطريقة التي تتطلبها الفرضية، وظلت المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بين 1991 و1998 عند مستوى يزيد على ثلاثة مليارات دولار سنويا في كل عام تقريبا، وتجاوزت أربعة مليارات في عام واحد، مثل ذلك تجربة طبيعية مهمة: اختفى أحد أهم التفسيرات الاستراتيجية التي استخدمت لتبرير الدعم، وبقي نمط المساعدات مستقرا إلى حد بعيد.
تعاون استخباري بين أمريكا وإسرائيل
ولا يعني ذلك أن إسرائيل لا تقدم قيمة استراتيجية للولايات المتحدة، فهناك تعاون استخباري، واختبار لأنظمة السلاح، ومشتريات دفاعية، وعمليات تتقاطع فيها المصالح.
اقرأ أيضا: مصطفى غريب يروج لمسرحية «ليلة عسل» قبل انطلاق عروضها
الاعتراض أن هذه الفوائد وحدها لا تكفي لتفسير درجة الدعم واستمراره وصعوبة فرض شروط عليه، وينطبق الأمر نفسه على حجة القيم المشتركة، فوجود تقارب ثقافي يمكن أن يخلق بيئة مواتية لإسرائيل، لكنه لا يفسر وحده كيف تتحول هذه البيئة إلى 938 إجراء تشريعيا، أو إلى ملايين الدولارات في انتخابات تمهيدية، أو إلى خوف معلن لدى سياسيين من كلفة الخروج عن الخط.
يتوسع النقاش في قسمه الأخير خارج الكونجرس إلى البيئة التي تنتج السياسة نفسها، وتظهر مراكز الأبحاث، وخصوصا Washington Institute for Near East Policy، باعتبارها جزءا من هذه البنية.
وتحول المعهد إلى محطة مهمة في حركة المسؤولين بين مراكز الأبحاث والحكومة والإعلام، بدأ مارتن إنديك مسيرته في واشنطن مرتبطا بـAIPAC، ثم أصبح المدير التنفيذي المؤسس لـWINEP، وبعد ذلك سفيرا أمريكيا في إسرائيل ومسؤولا كبيرا في إدارتي كلينتون وأوباما، ثم شغل مناصب بارزة في Brookings. وعمل دينيس روس في إدارات ريجان وبوش الأب وكلينتون وأوباما قبل أن يصبح واحدا من أشهر المعلقين على الشرق الأوسط، بينما عمل آرون ديفيد ميلر على الملف مع ستة وزراء خارجية قبل أن ينتقد لاحقا سياسة «لا مفاجآت» التي كان على الدبلوماسيين بمقتضاها إبلاغ إسرائيل مسبقا بالمبادرات المهمة.
في هذا الموقف، يظهر الإنجاز الأعمق للوبي: لم يعد المطلوب فقط التأثير في قرار بعد طرحه، وإنما تحديد الحدود التي يتحرك القرار داخلها قبل أن يبدأ النقاش.
كم يمكن أن تتلقى إسرائيل من المساعدات؟ هل يجوز ربطها بشروط؟ هل يمكن مناقشة الترسانة النووية الإسرائيلية علنا؟ هل المقاطعة أداة احتجاج سياسية مشروعة إذا وجهت إلى إسرائيل؟ هل يمكن وصف بعض سياساتها بأنها فصل عنصري؟ ما مقدار العنف الإسرائيلي الذي يستطيع سياسي أمريكي انتقاده من دون أن تتحول القضية إلى مخاطرة انتخابية؟ هذه هي الحدود التي تفصل الرأي المقبول عن الرأي الذي تصبح كلفته مرتفعة، وجزء مهم من قوة اللوبي يكمن في حراسة هذه الحدود.
ولا يعني هذا أن النفوذ مطلق، وسجل اللوبي هزائم كبيرة في صفقة AWACS مع السعودية عام 1981، ومواجهة جورج بوش الأب بشأن ضمانات القروض والمستوطنات في 1991 و1992، والاتفاق النووي الإيراني عام 2015. غير أن ندرة هذه الحالات أكثر دلالة من وجودها، خصوصا أن كل واحدة تطلبت إنفاقا سياسيا كبيرا من الرئيس الذي خاض المواجهة.
ويجب التوقف عند قيد أساسي في هذه الحجة، ولا تعمل المؤسسات الأمريكية المؤيدة لإسرائيل كجهاز واحد يخضع لقيادة مركزية من الحكومة الإسرائيلية، تتحرك بدرجات متفاوتة من الاستقلال، ويعمل ناشطوها وممولوها وفق معتقداتهم وهوياتهم ومصالحهم، تصل الإشارات بشأن الأولويات، ثم تستخدم المؤسسات أدوات أمريكية خالصة: المال، الانتخابات، حرية التنظيم، مراكز البحوث، الإعلام والضغط التشريعي.
فكرة السيطرة المباشرة
وهذا يجعل الحجة أكثر تعقيدا من فكرة «السيطرة» المباشرة، لا تحتاج شبكة النفوذ إلى غرفة عمليات موحدة لكي تنتج نتائج متشابهة، يكفي أن تملك موارد واسعة، وأن تركز على قضية محددة أكثر بكثير مما يركز عليها معظم الناخبين، وأن تستطيع مكافأة الحلفاء ومعاقبة الخصوم، وأن تعمل في نظام سياسي أصبحت فيه تكلفة الحملات مرتفعة وقد يكون انتصار المرشح في الانتخابات التمهيدية أهم من المنافسة العامة نفسها.
ماذا تقول الأرقام؟
لهذا تتحدث الأرقام بقوة أكبر من اللغة الأيديولوجية: ثماني خطابات إسرائيلية أمام جلسات مشتركة للكونجرس من أصل 79 لقادة أجانب، أربع منها لنتنياهو وحده؛ 74 جولة تصفيق في خطاب واحد؛ 938 إجراء تشريعيا مؤيدا لإسرائيل خلال أربعين عاما؛ مئة سيناتور على رسالة واحدة؛ 412 مقابل 9 في تصويت؛ 366 مقابل 58 في حزمة مساعدات تبلغ 14.3 مليار دولار؛ نحو 45 مليون دولار من الجهات المرتبطة بـAIPAC في انتخابات الكونجرس عام 2024؛ 1.8 مليون دولار في حملة ضد سيناتور واحد قبل أربعة عقود؛ واستمرار مساعدات عسكرية تتجاوز ثلاثة مليارات دولار سنويا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يفترض أنه أحد المبررات المركزية للعلاقة الاستراتيجية.
لا تثبت واقعة واحدة من هذه الوقائع أن لوبي إسرائيل يحدد السياسة الأمريكية، قوة الحجة تأتي من اجتماعها، فعندما توضع التصويتات إلى جانب الأموال، وشهادات المسؤولين إلى جانب نتائج الانتخابات، واستمرار المساعدات إلى جانب تضاؤل بعض مبرراتها الاستراتيجية، وتدوير الخبراء بين جماعات الضغط ومراكز البحوث والإدارات المتعاقبة، يظهر نمط يصعب تفسيره فقط بعبارات التحالف الطبيعي أو القيم المشتركة.
يعود النقاش في النهاية إلى تحذير جورج واشنطن، لم يكن الرئيس الأول يتخيل AIPAC أو إسرائيل أو نظام الـSuper PACs، لكنه فهم إحدى نقاط الضعف البنيوية في السياسة الخارجية للديمقراطية الأمريكية: تستطيع جماعة صغيرة نسبيا وشديدة التنظيم أن تمتلك تأثيرا يتجاوز وزنها العددي إذا كانت القضية التي تركز عليها لا تحرك معظم الناخبين بالقدر نفسه.
وعندما تصبح كلفة مقاومة هذه الجماعة أعلى من المكافأة التي يحصل عليها السياسي من ناخبيه مقابل مقاومتها، يتغير السلوك قبل أن يبدأ التصويت.
من هذه النقطة كان جوهر القوة: لا يحتاج اللوبي إلى إقناع كل الأمريكيين بإسرائيل، ولا إلى الانتصار في كل مواجهة. يكفي أن يجعل دعم إسرائيل هو الوضع الطبيعي في واشنطن، وأن يجعل الخروج عن هذا الوضع هو القرار الذي يحتاج إلى تفسير وتمويل واستعداد لتحمل العواقب.

اقرأ أيضا: تعرف على بعثة منتخب مصر للجمباز المشاركة في دورة ألعاب البحر المتوسط “تارانتو 2026”
