لا شيء يبقى على حاله للأبد. الكون في تغير دائم. عدو اليوم صديق الغد، وصديق اليوم عدو الغد. تشهد صفحات التاريخ تأكيداً للعبارات التي ذكرتها. كم من حروب استعرت عقوداً، وعندما انطفأت مدّت الأيدي بالسلام. أقربها الحرب العالمية الثانية، مات 50 مليون إنسان من بلاد عديدة ودُمّرت بلاد بالكامل، وبعد انتهاء الحرب وانقسام ألمانيا، صار جزءها الشرقي في حضن الاتحاد السوفيتي صاحب الجيش الذي احتل عاصمتها برلين، وصار جزءها الغربي في حضن الحلفاء الذين نهضوا بها كطائر العنقاء من حرب لم يشهد التاريخ لها مثيلاً.
اقرأ أيضا: مروحة السقف أم التكييف؟.. الطريقة الأوفر لتبريد البيت
من قبل، شرذمت الحروب النابليونية أوروبا، واجتمع الكبار فيها في ذلك الوقت ووضعوا نظاماً كان امتداداً وتعديلاً للنظام الذي وُضع في وستفاليا لحكم العالم، ورغم أن فرنسا كانت العدو لأوروبا، إلا أن الوفاق دام بعد مؤتمر فيينا في أوروبا لعقود طويلة، رغم القتل والتدمير.
وإذا تصورنا المشهد بعد الحرب الأمريكية على إيران، عندما تخبو ألسنة اللهب في سماء الخليج، وتسترد الصحراء هدوءها المهيب، هل سيكون نفسه الذي سبق الحرب، أم سيكون أشبه بلوحة تشويهية أعادت تشكيل ملامحها الأعاصير؟ هل سيمحى ما كان، أم ستعاد صياغته في صورة مغايرة؟
كانت الحرب الأمريكية على إيران مرآة كاشفة، لم تخفِ تجاعيد العلاقات الإيرانية العربية، إنما جعلتها غائرة أكثر. ما إن اخترقت الصواريخ الإيرانية أجواء دول الخليج العربية، مستهدفة قواعد عسكرية أمريكية على أرضها، حتى كشفت عن التوتر المزمن الذي بذلت الأطراف جهدها لتلميعه في كواليس الدبلوماسية، ليتحول إلى شقوق عميقة في جدران الثقة، لم تكن طهران لتغفل عنه، ولا الدول العربية لتتجاوزه.
الحرب لم تخلق عداوات، إنما أعادت إحياء عداوات ظلت كامنة في اللاوعي الجمعي للطرفين، كجمر تحت الرماد. إيران التي ترى في ضرب القواعد الأمريكية رسالة وجود وردع، غفلت أن الصواريخ حين تسقط على أراضٍ عربية، وإن كانت تضرب أهدافاً أمريكية، فإنها تسقط أيضاً على مشاعر شعوب ترى في تلك الجغرافيا امتداداً لبيتها الكبير. فهل يمكن للعلاقات، بعد أن خدشها السلاح الإيراني، أن تعود إلى سابق عهدها؟
اقرأ أيضا: آخر تحديث لسعر الدولار أمام الجنيه داخل بنوك مصر
يرى المحللون أن العودة إلى ما كان منذ خمسين عاماً، عندما كانت طهران صديقاً هادئاً على الضفة الشرقية للخليج، أشبه بالحنين إلى سراب. الزمن تغير، إيران اليوم ليست إيران الأمس، لا في طموحاتها المستقبلية، ولا في دورها الإقليمي المتمدد عبر وكلائها، ولا في خطابها الذي يزاوج بين الفخر الفارسي والإرث الثوري. لذا فالعودة إلى الماضي مستحيلة، لكن يمكن إعادة تعريف العلاقة على أسس جديدة، أكثر براجماتية، لكنها ستستغرق وقتاً حتى تعود إلى دفئها السابق.
المؤكد أن من نتائج هذه الحرب أن العرب سيعيدون رسم سياساتهم تجاه إيران والمنطقة بأكملها، وحتى تجاه أمريكا. لقد أدركوا أن الاستمرار في سياسة الترقب وردة الفعل لم يعد مجدياً، وأن السلام مع إيران لا يعني الاستسلام لها، بل يعني إيجاد معادلة توازن بين القوة والاعتراف المتبادل بالمخاوف. ربما يدفعهم ما عرفوه خلال الحرب إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية، والانفتاح على حوار إقليمي شامل لا يستثني طهران، لكن من موقع قوة جماعية، لا من منطلق ضعف أو استرضاء. إنهم يدركون أن ترك المنطقة تحت هيمنة إيرانية كاملة، قبولاً بالأمر الواقع، بمثابة تبادل لعب الأدوار بين سيد قديم وآخر جديد.
ما بعد الحرب ليس نهاية المطاف في العلاقات بين الدول، بل بداية فصل جديد من الحسابات المعقدة. ستبقى العلاقات الإيرانية العربية معلقة بين جاذبية المصالح الاقتصادية، التي تتوق إلى التعاون في مجالات الطاقة والاستثمار، وربما بعض النفور والخلافات الجيوسياسية التي تذكر الأطراف بأن السلام في الخليج لا يبنى على رمال متحركة، بل على أسس من الاحترام المتبادل والاعتراف بالحقوق. لن تعود الأمور كما كانت، لأن الحرب غيرت الخريطة الذهنية لأجيال كاملة، لكنها قد تشهد من الجميع إدراكاً أن استمرار الصراع ليس ربحاً لأي طرف، وأن ارتسام نظام إقليمي جديد، لا تهيمن فيه دولة وحدها، ولا يتخلى فيه العرب عن دورهم، هو السبيل لتفادي حروب مستقبلية قد تكون أكثر تدميراً. هكذا تظل المنطقة، كما كانت دوماً، مسرحاً للتناقضات، مسرحاً ينتظر مخرجاً حكيماً يكتب نهاية دراما تحقق السلام والتنمية للجميع.
اقرأ أيضا: الأهلي ينهي مرانه المسائي في إسبانيا استعدادًا لمباراة «يوروبا» غدًا
