أوروبا للعيشة مش للتحويشة – الأسبوع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هناك جملة أصبحت تتردد كثيرًا بين المهاجرين في أوروبا وهى “أوروبا للعيشة مش للتحويشة”، والحقيقة أن هذه الجملة تختصر جانبا مهما من واقع الحياة الأوروبية اليوم من دون أن تعني بالضرورة أن الحياة في أوروبا سيئة أو أن المقارنة بينها وبين مصر عادلة من الأساس فكل مجتمع له ظروفه وكل شخص له أولوياته وما يناسب إنساناً قد لا يناسب غيره فالجملة قد تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها بالنسبة لكثير من المهاجرين تلخص تجربة سنوات كاملة.

اقرأ أيضا: الداخلية تكشف حقيقة ادعاء مواطن اقتحام منزله وتحرير مخالفة كهرباء

وأنا هنا لا أقارن بين الحياة في مصر والحياة في أوروبا ولا أقول إن مكاناً أفضل من الآخر فالمقارنة أصلًا ليست بهذه البساطة لأن الإنسان لا يقارن أسعاراً ورواتب فقط بل يقارن أماناً واستقراراً وخدمات وحقوقاً ونمط حياة وفرصا ومستقبلاً لكن هناك شيئاً واحداً أصبح واضحاً جداً خلال السنوات الأخيرة فالحياة في أوروبا أصبحت أغلى بكثير والراتب الذي كان يمنح الإنسان مساحة جيدة للادخار لم يعد يفعل ذلك بنفس القوة هذه حقيقة يصعب تجاهلها تكلفة الحياة هنا ارتفعت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة بينما لم ترتفع الرواتب بنفس السرعة منذ الحرب الروسية الأوكرانية شهدت أوروبا موجات متتالية من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء والإيجارات والخدمات وحتى مع تراجع بعض معدلات التضخم مقارنة بذروتها فإن المشكلة بالنسبة للمواطن والمهاجر ليست فقط في سرعة ارتفاع الأسعار وإنما في أن الأسعار عندما ترتفع إلى مستوى جديد لا تعود بسهولة إلى ما كانت عليه.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية الراتب الذي كان يكفي لم يعد يكفي بنفس الطريقة فى المقابل قد يحصل شخص على راتب يبدو جيداً على الورق لكنه عندما يبدأ في دفع الإيجار والمواصلات والطعام والتأمين والفواتير والضرائب ومصاريف الحياة اليومية يكتشف أن الجزء المتبقي من راتبه لا يوجد أو أقل بكثير مما كان يتوقع وفي المدن الكبرى تحديداً يصبح الإيجار وحده بنداً قادراً على ابتلاع الجزء الأكبر من الدخل إيجار الغرفة فى لندن حالياً 800 جنيه إسترليني إيجار ستديو صغير 1300 إيجار غرفة وصالة 1700 إيجار شقة غرفتين وصالة 2200 جنيه إسترلينى ومتوسط الرواتب من 1600 إلى 2000 قبل استقطاع 24% ضرائب بالإضافة لمائة جنيه تأمينات غير الفواتير والمواصلات والمعيشة بأسعارها المرتفعة وهذا يضع المهاجر أمام معادلة صعبة.

لكن هناك مهاجرون يحصلون على رواتب محترمة جداً ومع ذلك يشعرون أنهم لا يدخرون بالقدر الذي كانوا يتخيلونه لماذا.. ؟؟

لأن الراتب يدخل من باب بينما المصاريف تنتظره من كل الأبواب كما ذكرت إيجار مرتفع، كهرباء وتدفئة مواصلات طعام تأمين ضرائب، هاتف وإنترنت ملابس مصاريف الأطفال، احتياجات طارئة ثم تأتي المصاريف التي لا تظهر في أي خطة مالية إصلاح سيارة طبيب أسنان رحلة مناسبة جهاز يحتاج إلى تغيير أو شهر ترتفع فيه المصاريف فجأة فتعمل كثيراً لكي تحافظ على مستوى معيشي مقبول لكنك لا تعمل بالضرورة لكي تبني ثروة ومن الممكن قد تستطيع أن تدفع التزاماتك وتعيش بشكل محترم وتسافر من وقت لآخر وتشتري احتياجاتك ولكن عندما تنظر إلى حسابك في نهاية الشهر تجد أن المبلغ الذي استطعت الاحتفاظ به لا يعكس حجم المجهود الذي بذلته طوال الشهر.

وهنا يبدأ السؤال هل أنا فعلاً أعيش حياة أفضل اقتصادياً أم أنني فقط أعيش حياة مستقرة بالفعل أوروبا تمنحك أشياء أخرى غير المال ورغم كل ذلك من الظلم اختزال تجربة الحياة في أوروبا في موضوع الادخار فقط، فهناك أشياء كثيرة تجعل الحياة هنا جذابة أنظمة صحية وتعليمية قوانين تحمي العامل بنية تحتية قوية مواصلات منظمة في كثير من المدن مساحات عامة احترام نسبي للوقت والنظام وأمان واستقرار يجعل الإنسان يعرف إلى حد كبير ما له وما عليه كما أن بعض الدول الأوروبية توفر للمواطن والمقيم قدراً من الخدمات الاجتماعية التي لا يمكن قياسها ببساطة في صورة كم ادخرت في البنك.

لذلك فإن قيمة الحياة في أوروبا لا تُقاس بالراتب وحده لكن في المقابل الاستقرار ليس هو نفسه الثراء والراتب المرتفع ليس بالضرورة معناه أنك قادر على تكوين ثروة وهذه نقطة مهمة جداً لكل من يفكر في الهجرة فكثير من الناس جاءوا إلى أوروبا وفي أذهانهم صورة قديمة، اعمل بجد احصل على راتب جيد ادفع مصاريفك ثم أرسل جزءا من المال إلى أهلك وبعد عدة سنوات يكون لديك مبلغ محترم أو مشروع أو عقار هذه المعادلة كانت ممكنة لبعض الناس بالفعل ولا تزال ممكنة في حالات معينة خصوصاً لمن يعمل في مهن ذات دخل مرتفع أو يعيش في مدينة أقل تكلفة أو يمتلك أكثر من مصدر للدخل لكنها لم تعد قاعدة عامة فاليوم المهاجر الذي يعيش وحده ويدفع إيجاراً مرتفعاً قد يجد نفسه يعمل طوال الشهر لكي يغطي تكاليف الحياة فقط وإذا كان لديه أسرة وأطفال فالمعادلة تصبح أكثر صعوبة لذلك لم تعد كلمة المرتب وحدها كافية للحكم على جودة الحياة.

اقرأ أيضا: الطرق والنقل بالقاهرة: استلام أعمال رصف شارع الطرابيشي بنطاق حي الوايلي

السؤال الأهم هو كم يتبقى من راتبك بعد أن تدفع الثمن حياتك فالمشكلة ليست في الراتب فقط بل في تكلفة الحياة من ناحية أخرى قد يحصل شخصان على نفس الراتب لكن مستوى حياتهما يكون مختلفاً تماماً شخص يعيش في مدينة أوروبية صغيرة وإيجاره معقول وشخص آخر يعيش في عاصمة أوروبية وإيجاره يلتهم نصف راتبه الأول قد يستطيع ادخار مبلغ جيد كل شهر بينما الثاني قد يجد صعوبة في توفير حتى بضع مئات من الجنيهات لهذا السبب عند الحديث عن الهجرة إلى أوروبا لا ينبغي أن نسأل فقط كم الراتب بل يجب أن نسأل كم الإيجار كم الضرائب كم تكلفة المواصلات كم الطعام وهل يوجد فائض حقيقي بعد كل ذلك، فالراتب الكبير في مدينة غالية قد يكون أقل قيمة من راتب متوسط في مدينة تكاليفها منخفضة فلماذا يشعر كثير من الناس بأنهم لا يتحسنون مالياً لأن الإنسان لا يقيس دخله بالأرقام فقط بل يقيسه بقدرته على تحقيق أهدافه إذا زاد راتبك لكن زادت معه الإيجارات والطعام والفواتير والمواصلات فقد تشعر أنك تعمل أكثر ولكنك لا تتقدم بالسرعة التي توقعتها.

وهذا الشعور أصبح واضحاً لدى كثير من الناس في أوروبا إذاً لم تعد المشكلة أن الإنسان لا يستطيع شراء الطعام أو دفع الإيجار وإنما أن الهامش المتبقي بعد الضروريات أصبح ضيقاً

وهذا الهامش هو الذي كان يُستخدم في الماضي لبناء المستقبل ادخار استثمار شراء منزل مساعدة الأسرة تأسيس مشروع أو حتى تكوين صندوق للطوارئ وعندما يختفي هذا الهامش يتحول الإنسان تدريجياً من شخص يبني مستقبله إلى شخص يحاول فقط الحفاظ على وضعه الحالي فهل معنى ذلك أن الهجرة إلى أوروبا.

لم تعد تستحق ليس بالضرورة الهجرة ليست صفقة مالية واحدة تناسب الجميع.

اقرأ أيضاًخالد مصطفى: ربنا بعت لنا الرئيس السيسي في 2013 لينقذ البلد من الظلام

اقرأ أيضا: أسعار السلع الغذائية والبيض في الأسواق اليوم الجمعة 14 أغسطس 2026

‫0 تعليق