
تواجه الجامعات البريطانية واحدة من أكثر
مراحلها المالية حساسية في السنوات الأخيرة، مع تراجع حاد في طلبات تأشيرات الطلبة
الدوليين، وتزايد التحذيرات من أن استمرار هذا الاتجاه قد ينعكس على الوظائف
والبرامج الأكاديمية، بل ويضع بعض المؤسسات أمام خطر التعثر المالي أو فقدان
قدرتها على الاستمرار.
اقرأ أيضا: هل الذكاء الاصطناعي هو حلّ كل المسائل والمشاكل الطبية والصحية؟
وتأتي الأزمة في وقت تبدو فيه الصورة أكثر
تعقيداً: فالإقبال المحلي على التعليم الجامعي لا يزال قوياً، إذ قُبل عدد قياسي
من طلاب الصف السادس في إنجلترا في جامعاتهم التي اختاروها أولاً، لكن الجامعات
تعتمد بصورة متزايدة على الإيرادات التي يوفرها الطلبة الدوليون لتعويض ضعف
التمويل المحلي وارتفاع تكاليف التشغيل.
تراجع التأشيرات يرفع مستوى الإنذار
ووفق تقرير لصحيفة “الغاردأيان”
اليوم، فقد ظهرت أحدث بيانات وزارة الداخلية البريطانية أن طلبات تأشيرات الدراسة
الرئيسية بلغت 396 ألف طلب في السنة المنتهية في يونيو/حزيران 2026، بانخفاض 8% عن
العام السابق. وكانت البيانات الشهرية قد أظهرت بالفعل اتجاهاً هبوطياً متواصلاً،
مع بلوغ الطلبات 399.7 ألفاً في السنة المنتهية في مايو/أيار، أي أقل بـ6% من
الفترة المقابلة.
وتكتسب الأرقام أهمية أكبر لأن الطلبات تبلغ
عادة ذروتها في الصيف، قبيل بدء العام الأكاديمي البريطاني. لذلك فإن استمرار
التراجع خلال أشهر الاستقدام الرئيسية يمكن أن يترجم إلى انخفاض ملموس في أعداد
الملتحقين فعلياً بالجامعات خلال الخريف.
وبحسب الأرقام التي نقلها تقرير “الغارديان”،
انخفضت طلبات تأشيرات الطلبة حتى نهاية يوليو/تموز بنحو 11% على أساس سنوي. وتحذر
بعض الجامعات من أن التراجع في أعداد الطلبة الدوليين المقبولين أو الملتحقين قد
يصل في مؤسسات معينة إلى 30% إذا استمر الاتجاه الحالي.
ولا يعني انخفاض طلبات التأشيرات بنسبة
معينة بالضرورة انخفاضاً مماثلاً في التسجيلات النهائية، لكن العلاقة بين المؤشرين
تجعل صيف 2026 اختباراً حاسماً للجامعات التي بنت جزءاً متزايداً من نماذجها
المالية على استقطاب الطلبة من الخارج.
معادلة مالية باتت أكثر هشاشة
الأزمة الحالية ليست وليدة تراجع الطلبة
الدوليين وحده. فالجامعات البريطانية، ولا سيما في إنجلترا، تواجه منذ سنوات مشكلة
تآكل القيمة الحقيقية لرسوم الطلبة المحليين.
فقد بقي الحد الأقصى لرسوم الدراسة الجامعية
للطلبة المحليين عند 9,250 جنيهاً إسترلينياًمنذ 2017/18، قبل أن يرتفع للمرة
الأولى إلى 9,535 جنيهاً في 2025/26. وبحسب مكتبة مجلس العموم، أدى التضخم إلى
تراجع كبير في القيمة الحقيقية لهذه الإيرادات، ما زاد الضغوط على الاستدامة
المالية لمؤسسات التعليم العالي.
وبالتالي أصبحت الرسوم التي يدفعها الطلبة
الدوليون مصدراً بالغ الأهمية للإيرادات غير المقيدة نسبياً، خصوصاً أن الجامعات
تستطيع في العادة فرض رسوم أعلى بكثير على الطلبة القادمين من الخارج.
ومن هنا تأتي حساسية أي انخفاض في أعدادهم:
فقدان مئات أو آلاف الطلبة الدوليين لا يعني فقط تراجع عدد الطلاب في القاعات، بل
يعني فقدان إيرادات يمكن أن تستخدمها الجامعة في تمويل التدريس والبحث العلمي
والموظفين والبنية التحتية، وفي بعض الحالات دعم البرامج ذات التمويل المحلي
المحدود.
رسم حكومي جديد يزيد مخاوف القطاع
في قلب المواجهة بين الجامعات وحكومة حزب
العمال يوجد رسم الطلبة الدوليين الذي سيُفرض على مؤسسات التعليم العالي في
إنجلترا اعتباراً من أغسطس/آب 2028.
وتنص السياسة الحكومية على دفع 925 جنيهاً
إسترلينياً سنوياً عن كل طالب دولي، مع إعفاء أول 220 طالباً دولياً في كل مؤسسة.
ومن المقرر أن تُحصّل الأموال عبر مكتب الطلبة وأن يعاد استثمارها في قطاع التعليم
العالي والمهارات، بما في ذلك إعادة تقديم منح إعانة موجهة للطلبة من الفئات
المحرومة.
وتقول الحكومة إن الرسم مصمم لضمان مساهمة
الطلبة الدوليين في المجتمعات التي يدرسون فيها، وإنه سيُعاد توجيه العائد إلى
التعليم والمهارات. كما تشير إلى أن الرسوم الجامعية المحلية سترتفع تدريجياً بما
يتماشى مع التضخم، وهو ما يفترض أن يعزز موارد الجامعات على المدى المتوسط.
لكن مسؤولي الجامعات يرون أن فرض تكلفة
إضافية على استقدام الطلبة الدوليين، في الوقت الذي تتنافس فيه بريطانيا مع دول
مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة على الطلبة العالميين، قد يضر بجاذبية
القطاع ويزيد من صعوبة استعادة الحصة البريطانية من السوق الدولية.
وتقدّر وزارة التعليم أن الرسم، في حد ذاته،
سيؤدي إلى خسارة دخل للقطاع بنحو 70 مليون جنيه إسترليني في عامه الأول، وفق تقييم
الأثر الحكومي. كما قد يؤدي إلى انخفاض في أعداد الطلبة الدوليين، وهو ما يعني أن
التكلفة المالية الحقيقية بالنسبة للجامعات قد تكون أوسع من قيمة الرسم المدفوعة
مباشرة.
تحذير من خطر ذهاب جامعة إلى القاع
يرى ديفيد ويليتس، وزير الجامعات المحافظ
السابق وأحد مهندسي نظام الرسوم الجامعية المرتفعة، أن الضغوط المالية التي تتعرض
لها الجامعات باتت جدية إلى درجة لا يمكن تجاهلها.
ويعزو ويليتس جانباً كبيراً من المشكلة إلى
سنوات تجميد الرسوم المحلية، محذراً من أن الخطر لا يقتصر على احتمال تعثر مؤسسة
جامعية، بل يمتد إلى تراجع جودة التجربة التعليمية نفسها إذا اضطرت الجامعات إلى
تقليص الإنفاق والموظفين والبرامج.
وتكشف هذه المخاوف عن انتقال الأزمة من
مستوى الحسابات المالية إلى مستوى مستقبل العرض الأكاديمي البريطاني: ماذا يحدث
عندما لا تعود الجامعة قادرة على تمويل عدد كافٍ من المدرسين؟ وماذا يحدث للمواد
ذات الطلب المحلي المحدود لكنها ذات قيمة أكاديمية أو اجتماعية كبيرة؟
أولى النتائج تظهر في البرامج والوظائف
أبرز المؤشرات على عمق الأزمة يأتي من
قرارات الجامعات بتقليص البرامج والوظائف. فجامعة إكستر أعلنت، في خطوة فورية، إلغاء برامج في
الجغرافيا في حرم Penryn في كورنوال، بما في ذلك برامج كان طلاب أنهوا مرحلة
التقديم قد تقدموا إليها بالفعل. وجاء القرار في سياق ضغوط مالية متزايدة على
الجامعات البريطانية، بما فيها جامعات مجموعة راسل البحثية.
ولا تبدو العلوم الإنسانية والاجتماعية
وحدها معرضة للخطر. فعندما تبدأ الجامعات في تقليص البرامج الأقل قدرة على توليد
الإيرادات أو ذات أعداد الطلاب الصغيرة، فإن آثار الأزمة يمكن أن تنتقل تدريجياً
من الميزانيات إلى هيكل التعليم الجامعي نفسه.
وهنا تبرز مفارقة: الجامعة قد تكون قادرة
على الحفاظ على بعض التخصصات ذات الطلب الدولي المرتفع، بينما تصبح تخصصات أخرى ـ
حتى إن كانت مهمة للبحث والثقافة والاقتصاد المحلي ـ أكثر عرضة للإغلاق أو الدمج.
كل خمسة طلبة دوليين يؤثرون في وظيفة جامعية
يحذر البروفيسور شيتج كابور، نائب رئيس كلية كينغز لندن من أن انعكاس انخفاض أعداد الطلبة
الدوليين على القوى العاملة الجامعية سيكون أمراً لا مفر منه إذا استمر التراجع.
وبحسب تقديره، فإن كل خمسة طلبة دوليين يمكن
أن يكون لهم تأثير على وظيفة جامعية واحدة. وبذلك، فإن الانكماش في أعداد القادمين
من الخارج لا يظهر فقط في جداول الإيرادات، وإنما يمكن أن يترجم إلى تقليص أعداد
العاملين وتراجع قدرة الجامعات على الحفاظ على برامجها.
ويحذر قادة جامعات من أن التأثير قد يصبح
أكثر وضوحاً في الخريف، عندما تتضح أرقام التسجيل الفعلية، وليس مجرد طلبات
التأشيرات.
الجامعات المحلية لا تزال تستقطب الطلاب
وسط هذا المشهد القاتم، توجد نقطة مضيئة
نسبياً: الطلب المحلي على التعليم الجامعي لم ينهَر. ففي إنجلترا، سُجل رقم قياسي بلغ نحو 194,800 من أبناء
الثامنة عشرة ممن حصلوا على قبول في جامعتهم الأولى، بالتزامن مع تحسن نتائج
مستويات “المستوى
المتقدم” (A-level).
لكن مسؤولي الجامعات يرون أن قوة الطلب
المحلي لا تكفي وحدها لتعويض خسائر محتملة في سوق الطلبة الدوليين، خصوصاً في ظل
الفارق الكبير بين الإيرادات المرتبطة بالطالب المحلي والطالب الدولي، وفي ظل
الضغوط التي تراكمت على ميزانيات الجامعات خلال السنوات الماضية.
وهذا يعني أن نجاح الجامعات في جذب الطلاب
البريطانيين قد يخفف من الصدمة، لكنه لا يلغي الخلل البنيوي في نموذج التمويل.
الجامعات البحثية الكبرى تدق ناقوس الخطر
مجموعة راسل، التي تضم الجامعات البحثية
الأكثر كثافة في المملكة المتحدة، تقول إن الجامعات البريطانية لا تزال قادرة على
جذب الطلبة الدوليين الموهوبين، لكنها تواجه سوقاً عالمية شديدة التنافس.
وحذرت ليبي هاكيت، الرئيسة التنفيذية
للمجموعة، من أن سلسلة من القرارات الحكومية، وفي مقدمتها رسم الطلبة الدوليين، قد
تقوض نجاح القطاع.
وتشير المجموعة إلى أن تراجع أعداد الطلبة
الدوليين لا يمثل خسارة للجامعات فحسب، بل للاقتصاد البريطاني أيضاً، مقدرةً أن
المملكة المتحدة فقدت منفعة اقتصادية صافية تقارب 3 مليارات جنيه إسترليني نتيجة
انخفاض أعداد الطلبة الدوليين.
وتنبع أهمية الطلبة الدوليين للاقتصاد
البريطاني من كون إنفاقهم لا يقتصر على الرسوم الجامعية؛ فهم ينفقون أيضاً على
السكن والنقل والطعام والخدمات، كما يساهمون في النشاط الاقتصادي للمدن الجامعية
والمناطق المحيطة بها.
جامعات المملكة المتحدة: هذه الأرقام يجب أن تكون جرس إنذار
وصفت فيفيان ستيرن، الرئيسة التنفيذية لـ” جامعات المملكة المتحدة” أرقام تأشيرات الطلبة
بأنها “جرس إنذار” لصانعي السياسات.
وتدعو ستيرن الحكومة إلى التخلي عن فكرة فرض
الضريبة على الرسوم الدولية، معتبرة أن القطاع يحتاج في هذه المرحلة إلى الاستقرار
واستعادة قدرته التنافسية دولياً.
وتعكس هذه الدعوة مفارقة سياسية صعبة أمام
حكومة حزب العمال: فمن جهة، تريد الحكومة ضبط الهجرة وتقليل الضغوط المرتبطة
بأعداد القادمين إلى بريطانيا؛ ومن جهة أخرى، تريد الحفاظ على جامعة بريطانية
عالمية قادرة على جذب الطلبة والباحثين والمواهب من الخارج.
المشكلة أن الجامعات تعتمد على الاستقدام
الدولي لتدعيم مواردها، في حين أن سياسة الهجرة أصبحت أكثر تشدداً.
الحكومة بين ضبط الهجرة وحماية الجامعات
الحكومة لا تقبل توصيف الوضع باعتباره
انهياراً وشيكاً للقطاع. فهي تشير إلى أن رفع سقوف الرسوم المحلية في السنوات
المقبلة، وربط الزيادات المستقبلية بمعايير الجودة، سيمنح الجامعات موارد إضافية.
وقد قالت جاكي سميث، وزيرة المهارات
المسؤولة عن ملف التعليم العالي، إن الحكومة مهتمة بضمان حصول الطلاب على قيمة
حقيقية مقابل ما يدفعونه، وإن أي زيادات مستقبلية في الرسوم يمكن أن ترتبط بجودة
التدريس.
وتشير الحكومة أيضاً إلى أن رفع حدود الرسوم
بما يتماشى مع التضخم في الأعوام 2025/26 و2026/27 و2027/28 يمكن أن يولد للجامعات
نحو 6 مليارات جنيه إسترليني إضافية على مدى خمس سنوات، مقابل تكلفة متوقعة للرسم
الدولي تقل عن مليار جنيه خلال الفترة نفسها.
لكن الجامعات تجادل بأن هذه المقارنة لا تحل
المشكلة الآنية: فالطلبة الدوليون يمثلون مصدراً للإيرادات الآن، بينما يبدأ رسم
الطلبة الدوليين في 2028، كما أن ارتفاع الرسوم المحلية لا يعوض بالضرورة انخفاض
أعداد الطلبة القادمين من الخارج أو تكاليفه غير المباشرة.
ليس كل بريطاني في الوضع نفسه
ومن المهم التمييز بين المملكة المتحدة
وإنجلترا في هذه القضية. فسياسة
التعليم العالي والرسوم الدراسية تمثل اختصاصاً مفوضاً بدرجات مختلفة داخل المملكة
المتحدة، ولذلك فإن رسم الطلبة الدوليين الجديد يخص مؤسسات التعليم العالي في
إنجلترا، وليس نظاماً موحداً يطبق بالطريقة نفسها في جميع أنحاء المملكة المتحدة.
اقرأ أيضا: الأردن ضمن مباحثات إقليمية لتوسيع حركة الترانزيت
وهذا يضيف بعداً تنافسياً آخر: إذا أصبحت
الدراسة في إنجلترا أقل جاذبية أو أكثر كلفة بالنسبة للطالب الدولي، فقد تستفيد
مؤسسات جامعية في أجزاء أخرى من المملكة المتحدة، أو جامعات منافسة في دول أخرى،
من هذا التحول.
أزمة نموذج تمويل أكثر منها أزمة تسجيل فقط
القراءة الأوسع للأرقام تشير إلى أن المشكلة
الأساسية ليست مجرد انخفاض مؤقت في أعداد الطلبة الدوليين، وإنما هشاشة نموذج
تمويل الجامعات. فالجامعات
تحتاج إلى إيرادات مستقرة يمكن التنبؤ بها لتمويل موظفين ومبانٍ ومختبرات وبنية
بحثية تستمر تكلفتها حتى عندما ينخفض عدد الطلاب. وعندما تعتمد المؤسسة على تدفق
متزايد من الطلبة الدوليين لتعويض ضعف القيمة الحقيقية للرسوم المحلية، فإن أي
صدمة في سوق الاستقدام الخارجي تصبح صدمة مباشرة في الميزانية.
ويزداد الخطر عندما تتزامن ثلاثة عوامل:
1 ـ تراجع أعداد الطلبة الدوليين نتيجة تغيرات الهجرة
والمنافسة الدولية.
2 ـ ارتفاع تكاليف التشغيل والموظفين بعد سنوات من التضخم.
3 ـ تآكل القيمة الحقيقية للرسوم المحلية رغم الزيادات
الأخيرة.
وعند اجتماع هذه العوامل، تصبح إجراءات مثل
تجميد التوظيف، وتقليص الموظفين، وإغلاق برامج صغيرة، ودمج الأقسام، ثم إعادة
هيكلة المؤسسات، خيارات مالية وليست أكاديمية بالضرورة.
الاختبار الحاسم سيكون في الخريف
تظل أرقام يوليو/تموز مؤشراً مبكراً، لا
حكماً نهائياً على العام الجامعي. فبيانات وزارة الداخلية نفسها توضح أن طلبات
تأشيرات الدراسة موسمية وتبلغ ذروتها في أغسطس قبل بدء العام الأكاديمي. كما أن
الأرقام الشهرية أولية ويمكن تعديلها لاحقاً ضمن الإحصاءات الفصلية النهائية.
لذلك سيكون شهرا سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين
الأول حاسمين للإجابة عن ثلاثة أسئلة:
أولاً ـ كم من التراجع في طلبات التأشيرات
سيتحول فعلياً إلى انخفاض في التسجيل؟
ثانياً ـ هل سيكون الانخفاض موزعاً
بالتساوي، أم ستتعرض جامعات معينة – خصوصاً التي تعتمد بصورة كبيرة على الطلبة
الدوليين – لضربة أكبر بكثير؟
ثالثاً ـ هل ستتدخل الحكومة لتخفيف بعض
سياساتها، أم ستواصل الجمع بين تشديد نظام الهجرة وفرض الرسم الدولي مع التعويل
على رفع الرسوم المحلية لإنقاذ ميزانيات الجامعات؟
معركة على مستقبل الجامعة البريطانية
القضية في نهاية المطاف تتجاوز الحسابات
المحاسبية للجامعات. فالتعليم العالي البريطاني يمثل أحد أهم قطاعات القوة الناعمة
والاقتصاد المعرفي في البلاد، ويجذب مئات الآلاف من الطلبة من مختلف أنحاء العالم،
ويدعم البحث العلمي والوظائف والاقتصادات المحلية.
لكن الحفاظ على هذا الدور يحتاج إلى نموذج
تمويل قادر على تحمل الصدمات. وإذا استمر انخفاض الطلبة الدوليين بالتزامن مع
ارتفاع تكاليف التشغيل وضعف التمويل المحلي، فإن الجامعات قد تجد نفسها مضطرة إلى
الاختيار بين تقليص الخدمات الأكاديمية وبين المخاطرة باستدامتها المالية.
أما الحكومة، فتواجه معادلة أكثر صعوبة: كيف
تحد من الهجرة دون أن تقوض أحد أكبر صادرات بريطانيا التعليمية وأحد أهم مصادر
القوة الاقتصادية للجامعات؟
حتى الآن، لا تشير الأرقام إلى انهيار شامل
للقطاع، لكنها تكشف بوضوح عن ضغوط متراكمة. ومع دخول موسم التسجيل الخريفي مرحلته
الحاسمة، ستتضح ما إذا كان تراجع الطلبة الدوليين مجرد انتكاسة مؤقتة، أم بداية
لتحول طويل الأمد في مكانة بريطانيا على خريطة التعليم العالي العالمي.
الخلاصة
الجامعات البريطانية تدخل خريف 2026 وهي
تواجه اختباراً مزدوجاً: المحافظة على الطلب المحلي القوي، واستعادة ثقة الطلبة
الدوليين في الوقت نفسه. وإذا لم تنجح الحكومة والجامعات في معالجة فجوة التمويل
والتنافسية معاً، فإن أولى الضحايا قد تكون الوظائف والبرامج الأكاديمية؛ أما
الخطر الأكبر، على المدى الطويل، فهو تآكل القدرة التنافسية التي جعلت التعليم
العالي البريطاني أحد أكثر القطاعات جذباً للطلاب العالميين.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: العقبة تروّج لوادي رم وجهةً للسياحة الفلكية عبر فعالية شهب البرشاويات
