
استعاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
اسم شيخ المجاهدين الليبيين عمر المختار، عقب زيارته قبره في مدينة بنغازي،
مستحضراً شخصية تحولت، بعد نحو قرن من مقاومتها للاحتلال الإيطالي، إلى أحد أبرز
رموز السيادة والكرامة الوطنية في ليبيا.
اقرأ أيضا: رئيس الاتحاد الإفريقي : مستقبل إنفانتينو يجب أن يُحسم عبر الانتخابات
وجاءت زيارة فيدان لقبر المختار في سياق
حراك تركي متزايد تجاه الملف الليبي، لا يقتصر على العاصمة طرابلس وحكومة الوحدة
الوطنية، بل يمتد إلى شرق البلاد وشخصياته السياسية والعسكرية، في مؤشر على سعي
أنقرة إلى بناء مقاربة أكثر اتساعاً تجاه بلد ما زال يعيش انقساماً مؤسسياً
وسياسياً رغم توقف الحرب الواسعة.
ويكتسب اختيار ضريح عمر المختار في بنغازي
أهمية خاصة؛ فالمدينة تقع في شرق ليبيا، وهي المنطقة التي ارتبط بها تاريخياً جزء
كبير من إرث المقاومة التي قادها المختار ضد الاحتلال الإيطالي، كما أنها اليوم
مركز نفوذ رئيسي للقيادة العامة بقيادة خليفة حفتر.
“رمز يتجاوز
ليبيا”
اللافت في استحضار فيدان للمختار أن الرجل
لم يعد مجرد شخصية تاريخية ليبية، بل أصبح رمزاً عابراً للحدود في الذاكرة العربية
والإسلامية، خصوصاً في ما يتعلق بمقاومة الاستعمار والدفاع عن استقلال القرار
الوطني.
ولد عمر المختار عام 1858 في البطنان،
وانخرط في مقاومة الاحتلال الإيطالي الذي بدأ غزوه ليبيا عام 1911. وعلى مدى سنوات
طويلة، قاد عمليات المقاومة في برقة، مستفيداً من معرفته الدقيقة بجغرافيا المنطقة
ومن شبكة اجتماعية وقبلية واسعة.
وفي عام 1931 وقع المختار في الأسر بعد
اشتباك مع القوات الإيطالية، ثم حوكم محاكمة صورية وأُعدم شنقاً في ساحة بمدينة
سلوق في 16 سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
لكن الإعدام لم يضع نهاية لحضوره؛ بل أسهم،
على العكس، في ترسيخ صورته باعتباره رمزاً للمقاومة الليبية. وبقيت عباراته وسيرته
حاضرة في الذاكرة الشعبية، فيما تحول اسمه إلى أحد أكثر الرموز ارتباطاً بالهوية
الوطنية الليبية.
وفي السنوات اللاحقة، اكتسب المختار حضوراً
أوسع في العالم العربي، ولا سيما بعد فيلم “أسد الصحراء” الذي تناول
سيرته ومقاومته للاحتلال الإيطالي، ليصبح اسمه معروفاً لدى أجيال لم تعش الحقبة
التي واجه فيها القوات الإيطالية.
لماذا الآن؟
لا يمكن فصل زيارة فيدان لضريح المختار عن
التطورات التي شهدتها السياسة التركية تجاه ليبيا خلال السنوات الأخيرة.
فتركيا كانت من أبرز الداعمين لحكومة طرابلس
خلال الحرب التي اندلعت حول العاصمة عام 2019، وأسهم تدخلها العسكري في تغيير
موازين القوى ومنع قوات خليفة حفتر من السيطرة على طرابلس.
لكن أنقرة عملت لاحقاً على توسيع اتصالاتها
لتشمل شخصيات من شرق ليبيا، في مسار بدا أكثر وضوحاً خلال عامي 2024 و2025، مع
اتصالات متزايدة مع شخصيات محسوبة على معسكر الشرق.
وفي 24 يوليو/تموز 2026، التقى فيدان في
أنقرة الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، في اجتماع
أكدت وزارة الخارجية التركية انعقاده من دون أن تكشف تفاصيل المباحثات.
ويأتي ذلك بعد أن أصبحت أنقرة تتحدث بصورة
أكثر وضوحاً عن ضرورة دعم المسار السياسي والمصالحة الوطنية في ليبيا، بالتوازي مع
حفاظها على مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية في البلاد.
وكان فيدان قد أكد، في مقابلة مع «سي إن إن
تورك» في يوليو/تموز، أن ليبيا تمثل جزءاً من مساحة أوسع للسياسة التركية في
أفريقيا، مشيراً إلى أن تركيا تنتهج في ليبيا سياسة نشطة في المجالات السياسية
والاقتصادية والأمنية.
كما أكد خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي في
أبريل/نيسان أن تركيا تدعم بصورة كاملة جهود المصالحة الوطنية الجارية في ليبيا،
وأنها ترى في تجاربها الإقليمية في تسوية النزاعات خبرة يمكن توظيفها في ملفات
أخرى.
Libya bağımsızlık mücadelesinin bayraktarı, sömürgeciliğe karşı izzet ve kararlılıkla direnen Ömer Muhtar’ın Bingazi’deki anıt mezarını ziyaret ettik.İslam dünyasının ortak kahramanlarından olan, inanç ve idealleri uğruna hayatını cephelerde geçiren, kendinden sonraki nesillere… pic.twitter.com/FKOmVwXrIr
— Hakan Fidan (@HakanFidan) August 12, 2026
من طرابلس إلى بنغازي
على مدار سنوات، ارتبط الحضور التركي في
ليبيا بصورة أساسية بالمنطقة الغربية، وبحكومة طرابلس والجهات العسكرية والأمنية
المتحالفة معها.
غير أن التحرك التركي بات يحمل بعداً
مختلفاً مع الانفتاح على شرق ليبيا.
ويظهر ذلك في اللقاءات المتتالية بين
مسؤولين أتراك وشخصيات من معسكر الشرق، وصولاً إلى لقاء فيدان بصدام حفتر في أنقرة
الشهر الماضي. كما أن تركيا شاركت، إلى جانب مصر والسعودية والولايات المتحدة، في
نقاشات إقليمية بشأن ليبيا خلال اجتماع عقد في القاهرة في يونيو/حزيران 2026.
وهنا تبرز رمزية ضريح عمر المختار باعتباره
نقطة تلتقي فيها سرديتان: الأولى تاريخية تتعلق بالمقاومة الليبية للاحتلال،
والثانية سياسية معاصرة تتعلق بمحاولة الأطراف الدولية والإقليمية مخاطبة مختلف
مكونات المشهد الليبي.
ففي بلد منقسم بين مؤسسات وقوى في الغرب
وأخرى في الشرق، يمكن لزيارة شخصية بحجم المختار أن تحمل رسالة سياسية غير مباشرة
مفادها أن التعامل مع ليبيا لا يمكن أن يمر عبر جزء واحد من جغرافيتها أو نخبها
السياسية.
تركيا والشرق الليبي.. صفحة جديدة؟
لا يعني الانفتاح التركي على شرق ليبيا أن
أنقرة تخلت عن تحالفاتها ومصالحها في الغرب.
بل تبدو السياسة التركية أقرب إلى محاولة
إدارة التوازنات الليبية بدلاً من الاكتفاء بالاصطفاف مع طرف واحد.
وهذا التحول له أسباب عدة. أولها أن الانقسام الليبي طال أكثر مما كان
متوقعاً، وأصبح من الصعب تصور تسوية مستقرة من دون تفاهمات تشمل القوى الفاعلة في
الشرق والغرب معاً.
وثانيها أن شرق ليبيا بات يحتل موقعاً مهماً
في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالأمن والطاقة وإعادة الإعمار.
وثالثها أن تركيا لا تريد أن تترك الساحة
الشرقية لقوى إقليمية أخرى، خصوصاً مصر والإمارات وروسيا، وهي أطراف تمتلك منذ
سنوات علاقات وثيقة مع معسكر الشرق.
وفي هذا السياق، فإن التواصل التركي مع صدام
حفتر لا يبدو حادثة منفصلة؛ فقد شهدت الفترة الأخيرة لقاءات واتصالات تركية مع
شخصيات مرتبطة بالشرق، فيما تتحدث تحليلات ليبية عن توسيع أنقرة حضورها الاقتصادي
والاستثماري في مدن مثل بنغازي والبيضاء وشحات وطبرق.
عمر المختار.. ذاكرة مشتركة أم ورقة
دبلوماسية؟
تحمل زيارة ضريح المختار أيضاً سؤالاً أوسع
يتعلق بكيفية توظيف الرموز التاريخية في السياسة الخارجية.
فليست تركيا الدولة الأولى التي يزور أحد
مسؤوليها ضريح المختار. ففي يناير/كانون الثاني 2023، زار القائم بالأعمال
الأميركي في طرابلس آنذاك ليزلي أوردمان ضريح المختار في بنغازي، ووصفه بأنه رمز
لوحدة ليبيا وفخرها الوطني، وربط إرثه بالدعوة إلى توحيد الليبيين والعمل من أجل
الحرية.
كما شهدت السنوات الماضية زيارات لمسؤولين
وسفراء أجانب للضريح، خصوصاً في مناسبات وطنية ليبية.
وتكشف هذه الزيارات عن إدراك متزايد لدى
القوى الخارجية بأن عمر المختار ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، بل جزء من الوجدان
السياسي والوطني الليبي.
لكن الفارق أن زيارة فيدان تأتي في لحظة
مختلفة: تركيا نفسها أصبحت طرفاً مؤثراً في المعادلة الليبية، ولها اتفاقيات أمنية
وبحرية ومصالح اقتصادية، فضلاً عن وجود عسكري معلن في غرب البلاد.
ومن ثم، فإن التوقف أمام ضريح المختار يمكن
أن يُقرأ على مستويين: احترام شخصية تاريخية تحظى بمكانة استثنائية لدى الليبيين،
وفي الوقت نفسه إشارة إلى أن تركيا تريد أن تُظهر استعدادها للتعامل مع ليبيا
بوصفها دولة واحدة لا ساحتي نفوذ منفصلتين.
“مُلهم للأجيال
بعده”
العبارة التي استخدمها فيدان في حديثه عن
عمر المختار تحمل دلالة تتجاوز الإشادة بشخصية تاريخية.
فالمختار، في الوعي الليبي، لم يكن فقط
قائداً عسكرياً؛ بل أصبح نموذجاً للصمود أمام قوة استعمارية أكبر بكثير من إمكانات
المقاومة المحلية.
اقرأ أيضا: موجة فيروس غرب النيل تتسع في اليونان.. 110 إصابات خلال أسبوعين
ومن هنا جاءت استمرارية صورته بعد مقتله.
فالمنفي، على سبيل المثال، استحضر في الذكرى
الـ94 لإعدام المختار عام 2025 سيرته بوصفها رمزاً للكرامة والسيادة ورفض
الاستعمار، داعياً الليبيين إلى تقديم مصلحة الوطن على النزاعات. كما تحولت ذكرى
إعدامه إلى مناسبة رسمية في ليبيا.
وهذا المعنى هو الذي يجعل عمر المختار شخصية
صالحة للاستحضار في لحظة الانقسام الراهنة: رجل قاتل ضد قوة خارجية باسم وطن لم
يكن موحد المؤسسات كما هو مفهوم الدولة الحديثة، لكنه أصبح بعد ذلك أحد أبرز رموز
وحدته الوطنية.
ليبيا بين إرث المختار وانقسام الحاضر
المفارقة أن ليبيا التي تستعيد اليوم اسم
عمر المختار بوصفه رمزاً للوحدة والسيادة، ما زالت تعاني انقساماً سياسياً
ومؤسسياً حاداً.
ففي الغرب توجد حكومة الوحدة الوطنية في
طرابلس، بينما يحتفظ الشرق بمؤسسات وقوى سياسية وعسكرية موازية. وعلى الرغم من
تراجع العمليات العسكرية الواسعة مقارنة بسنوات الحرب، فإن التسوية السياسية
الشاملة لا تزال تواجه عقبات تتعلق بالانتخابات وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية
وتوزيع الموارد.
ومن هنا، فإن أي حديث عن «إرث المختار» لا
يمكن أن يقتصر على الاحتفاء بالماضي، بل يطرح سؤال الحاضر: كيف يمكن تحويل رمز
الوحدة الوطنية إلى مشروع سياسي يفضي إلى إنهاء الانقسام؟
هذا السؤال حاضر بقوة في الخطاب الليبي
نفسه. ففي ذكرى إعدام المختار العام الماضي، دعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي
إلى جعل سيرته «نهجاً، لا مجرد ذكرى»، وربط ذلك بصون سيادة ليبيا وتقديم المصلحة
الوطنية على النزاعات.
أنقرة ورسالة “ليبيا الواحدة”
بالنسبة إلى تركيا، قد تكون الرسالة الأهم
من زيارة فيدان أن أنقرة تريد أن تظهر أمام الليبيين بأنها لا تتعامل مع ليبيا من
منظور جغرافي ضيق.
ففي مرحلة سابقة كان حضور تركيا مرتبطاً
بصورة شبه كاملة بطرابلس، وهو ما جعل خصومها في الشرق ينظرون إليها بوصفها طرفاً
في الصراع.
أما اليوم، فتبدو أنقرة أكثر حرصاً على بناء
قنوات اتصال مع الشرق، مع استمرار علاقاتها الوثيقة بالغرب.
ويمكن وضع لقاء فيدان بصدام حفتر في هذا
السياق، إلى جانب المشاركة التركية في نقاشات إقليمية ودولية بشأن ليبيا. كما أن
تصريحات فيدان الأخيرة تؤكد أن الملف الليبي أصبح جزءاً من رؤية تركية أوسع
للتعامل مع شمال أفريقيا والبحر المتوسط وأفريقيا عموماً.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الطريق إلى تفاهم
تركي شامل مع شرق ليبيا أصبح مفتوحاً بلا عقبات؛ فملفات الأمن والوجود العسكري
والاتفاقات السابقة والمصالح البحرية والطاقة لا تزال حاضرة بقوة.
لكن مجرد انتقال أنقرة من سياسة التواصل
المحدود إلى سياسة الانفتاح على مختلف القوى الليبية يمثل تحولاً مهماً في
مقاربتها.
ضريح يتحول إلى عنوان سياسي
في النهاية، قد تبدو صورة وزير الخارجية
التركي واقفاً أمام قبر عمر المختار مجرد لحظة رمزية، لكنها تختصر كثيراً من
التحولات التي طرأت على المشهد الليبي.
فعمر المختار الذي أعدمه الاحتلال الإيطالي
في محاولة لإنهاء المقاومة، تحول بعد عقود إلى رمز وطني تتنافس القوى السياسية على
استحضار إرثه.
والقوى الأجنبية التي تدخل ليبيا اليوم تدرك
بدورها أن الحديث إلى الليبيين لا يكون فقط عبر الاتفاقات السياسية والعسكرية، بل
أيضاً عبر مخاطبة ذاكرتهم الوطنية.
ومن هذه الزاوية، تبدو زيارة فيدان ذات مغزى
مزدوج: تكريم لشخصية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الليبية، ورسالة سياسية إلى شرق
ليبيا بأن تركيا تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها جزءاً أساسياً من مستقبل البلاد.
وبينما يواصل عمر المختار إلهام “الأجيال
بعده”، كما قال فيدان، يبقى التحدي الحقيقي أمام الليبيين والقوى المتدخلة في
بلدهم هو الانتقال من استحضار رموز الوحدة إلى بناء دولة موحدة بالفعل؛ دولة لا
تكون فيها سيرة المختار مجرد مادة للاحتفاء، وإنما مرجعية لمعنى السيادة
والاستقلال ورفض تحويل ليبيا إلى ساحة صراع بين القوى الخارجية.
اقرأ أيضا: إيران تجدّد تأكيدها السيطرة على مضيق هرمز وسط تحركات باكستانية للتهدئة
