لم تخلُ الساحة الثقافية المصرية فى أى وقت من منتدى أو منبر يفتح ذراعيه للكتاب، وبعض من هذا رسمى فى رحاب وزارة الثقافة ومؤسساتها، وبعضه غير ذلك، جادت به أحزاب سياسية أو هيئات للمجتمع المدنى أو أفراد عقدوا صالونات فى بيوتهم أو مكاتبهم، لكن أى من هذا كله لم تكن له استمرارية «ورشة الزيتون»، التى دخلت عامها السابع والأربعين، وهو زمن طويل جداً قياساً إلى منابر الثقافة المصرية قصيرة الأعمار، التى ما إن تتوهج حتى تنطفئ، مترنحة تحت ضربات تأتيها من جوانب عدة، أو تأكلها من مركزها، حتى تبيد.
اقرأ أيضا: إصابة 7 أشخاص في حادث ميني باص بنزلة كوبري عرابي بشبرا الخيمة
ومع أن «ورشة الزيتون» تندرج ضمن العطاء الثقافى لـ«حزب التجمع الوحدوى الاشتراكى» فإنها لم تتأثر، لا بتداعى الحزب، وتيبس الكثير من مفاصله، ولا بتراجع الاشتراكية نفسها فى العالم كله، لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتى فى أوائل تسعينات القرن العشرين، بل ظلت الورشة قائمة صامدة تُؤدى دورها فى رفد الحياة الثقافية بمناقشات جادة حول أعمال أدبية وفكرية تقذفها المطابع فى استمرار.
ورغم الحبل السرى الذى ربط الورشة فى البداية بالحزب السياسى، فإنها راحت ترققه مع مرور الأيام، نافضة عن نفسها عبء الأيديولوجيا وأثقالها، حين أتاحت لكتاب غير يساريين فرصاً لمناقشة أعمالهم، وجذبت إليها نقاداً من مدارس واتجاهات شتى، وأتاحت لهم جميعاً حرية مناسبة فى التفكير والتعبير، فصارت منبراً لافتاً يعكس تنوع حياتنا الثقافية وتعدّدها، سواء من حيث الفكر أو الجهة أو الجيل والذيوع والتحقّق والمكانة، أو حتى المسافات المتفاوتة من السلطات السياسية المتعاقبة.
ارتدت الورشة ثوباً ثقافياً تخفّف من حمولات الارتباط السياسى بالنشأة أو نقطة الانطلاق، ليسيح فى دروب عدة، ويفتح باباً لكل من أراد أن يضع كتابه، رواية أو مجموعة قصصية أو ديواناً شعرياً أو مسرحية أو كتاباً فكرياً كان أو علمياً، موضع الاختبار أمام أفهام الآخرين المختلفين فى التوجّه، لكنهم جميعاً مؤمنون بأهمية أن تبقى للثقافة منابرها، وأن تحافظ على استقلالها وتجدّدها.
اقرأ أيضا: إصابة 7 أشخاص في حادث ميني باص بنزلة كوبري عرابي بشر الخيمة – الأسبوع
ولدت فكرة الورشة فى ذهن المناضل والأديب والمترجم والمتخصص فى الجيولوجيا د. فخرى لبيب، الذى رأى أن الثقافة يجب أن يكون لها دورها فى الحياة العامة، وأن المعركة السياسية التى تخوضها المعارضة ضد نظام أنور السادات تحتاج إلى عمق فى الطرح والتناول، وهو ما يمكن للمثقفين أن ينهضوا به، لاسيما من أهل اليسار وقتها، ناصريين وماركسيين وقوميين ومؤمنين بالديمقراطية عموماً.
لكن لبيب لم يكن على معرفة أو صلة قوية بالأوساط الثقافية، لاسيما من جيل جديد وقتها، لذا اعتمد على الشاعر والكاتب شعبان يوسف، الذى راح يدعو مجموعة من المثقفين ليتحمّسوا لهذا المسار على رأسهم سلوى بكر، وجمال مقار، وفتحى إمبابى، وهدى توفيق خليل، ويوسف أبورية، ومحمود الشاذلى، وشوقى الكردى وغيرهم، من الذين أرادوا أن يضيفوا منبراً آخر مختلفاً للثقافة، إلى جانب ما تقوم به منابر أخرى، مثل أتيليه القاهرة، ودار الأدباء، ونادى القصة، واتحاد الكتاب، وصالون الدستور الثقافى، فضلاً عن ندوات الجماعات الأدبية التى يتوالى حضورها.
ظل لبيب «الأب الروحى» للورشة، ولعب دوراً مهماً فى حمايتها من تدخّل سياسيى الحزب، الذى بدا فى مستهل الأمر متذمراً من أن يكون الناشط الأول أو «الدينامو» للفعاليات الثقافية للورشة هو شعبان يوسف، الذى كان وقتها عضواً فى حزب العمال الشيوعى. ويُحسب للبيب أنه ترك المجموعة الثقافية تعمل فى حرية، ووفق تصور أو برنامج كان يضعه يوسف، ويحرص على تنفيذه دون انقطاع.
اقرأ أيضا: ألقوا الحجارة على الشرطة وأصابوا ضابطا.. القبض على صانعة محتوى ونجلتيها بالمقطم
