من البنوك إلى شركات السياحة.. من يمول التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لا يبدو أن وتيرة التصعيد الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة تعرف توقفا، فبينما لا تزال آثار حرق مسجد قرية قصرة لم تجف بعد، تتوالى فصول جديدة من المواجهة اليومية بين المستوطنين والسكان الفلسطينيين في البلدة نفسها، في نموذج مصغر لما يجري عبر عشرات القرى الفلسطينية المحاصرة بالبنية التحتية الاستيطانية المتوسعة باستمرار.

اقرأ أيضا: «النـواب» يُقر 5 قوانين مـن أصـل 6 مُـدرجـة عـلـى « الاستـثـنـائـيـة »

وبحسب ما رصدته “عربي21″، يواصل مستوطنون متطرفون، بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي، حصار عدد من المنازل الفلسطينية في منطقة جبل رأس العين ببلدة قصرة، جنوب نابلس، لليوم الرابع على التوالي، في تصعيد يقول أهالي البلدة إنه يهدف إلى دفع السكان إلى مغادرة منازلهم وأراضيهم.

ونصب المستوطنون خيمة قرب المنازل، وفرضوا وجودا متواصلا في المنطقة، فيما أغلقوا الطريق المؤدي إلى البيوت بالحجارة والصخور، ومنعوا السكان من الدخول والخروج، وسط قيود فرضتها قوات الاحتلال على الوصول إلى المنطقة.

ولا ينفصل ما يجري اليوم في قصرة عن سياق أوسع بكثير، فحذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في بيان صدر في الأسابيع الماضية، من أن هجمات المستوطنين وإقامة المستوطنات والبؤر الاستيطانية الجديدة “بلغت أعلى مستوى لها على الإطلاق”، مسجلة استشهاد 18 فلسطينيا منذ مطلع العام حتى 20 تموز/ يوليو 2026 في هجمات تورط فيها مستوطنون.

اظهار أخبار متعلقة

وكانت قد وافقت حكومة الاحتلال، في 21 كانون الأول/ ديسمبر 2025، على إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وهو ما رفع العدد الإجمالي للمستوطنات التي أُقيمت خلال السنوات الأخيرة إلى 69 مستوطنة جديدة، بحسب ما ذكرته وكالة “أسوشيتد برس” نقلا عن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش.

وخلف كل مستوطنة جديدة تُبنى على وقع هذا التصعيد المتواصل، تقف شبكة معقدة من البنوك وشركات التأمين والعقارات ومنصات الحجز الفندقي العالمية، يربط بينها جميعا خيطا واحدا من التمويل المباشر أو غير المباشر لبنية تحتية تصفها أعلى محكمة دولية في العالم بأنها “غير قانونية”.

وتستعرض السطور التالية أبرز هذه الشركات ووضعها القانوني الدولي، استنادا إلى تقارير سابقة وثّقت هذا الملف تحديداً خلال العام والنصف الماضيين.

من 112 إلى 158 شركة خلال خمس سنوات

كشف تقرير سابق لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بحسب ما ذكرته وكالة “رويترز”، أن أكثر من 150 شركة، من بينها “إير بي إن بي” و”بوكينغ.كوم” و”إكسبيديا” و”تريب أدفايزر”، تعمل داخل مستوطنات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية تعتبرها الأمم المتحدة غير قانونية.

والقائمة التي كانت قد حدثت آخر مرة عام 2023، أضافت 68 اسما جديدا لترفع الإجمالي إلى 158 شركة، من بينها شركة الأسمنت الألمانية الكبرى “هايدلبرغ ماتيريالز”، التي نفت استمرار نشاطها في الأراضي الفلسطينية المحتلة وطعنت في إدراجها على القائمة، حيث أن غالبية الشركات المضافة حديثا مقرها داخل دولة الاحتلال نفسها، فيما رُفعت سبع شركات كانت مدرجة سابقا من القائمة، من بينها شركتا “أوبودو” البريطانية و”إي دريمز أوديجيو” الإسبانية للسياحة الإلكترونية.

كما نقلت “رويترز” عن البعثة الإسرائيلية في جنيف وصفها لقاعدة البيانات هذه بأنها “تهدف لأن تكون بمثابة قائمة سوداء ضد شركات لم ترتكب أي مخالفة، إذ لا يوجد حظر عام في القانون الدولي على النشاط التجاري في مناطق النزاع”.

في المقابل، نقلت الوكالة عن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قوله إن “هذا التقرير يؤكد على مسؤولية الشركات العاملة في سياقات النزاع في بذل العناية الواجبة لضمان ألا تسهم أنشطتها في انتهاكات حقوق الإنسان”.

البنوك الخمسة الكبرى: العمود الفقري للتمويل

من بين الشركات المدرجة على القائمة الأممية، تحتل خمسة بنوك إسرائيلية كبرى موقعا مركزيا في تمويل مشاريع البناء والبنية التحتية داخل المستوطنات، بحسب ما أظهرته “رويترز” في تغطيتها لتفاصيل القائمة، التي أبقت على بنكي “هبوعليم” و”لئومي” ضمن أسماء الشركات المدرجة إلى جانب شركة الاتصالات “بيزك” وسلاسل متاجر وشركات نقل إسرائيلية أخرى.

وشكلت هذه البنوك، إلى جانب شركتي تأمين وتمويل كبريين، جزءاً من موجة ضغط دولية متصاعدة على الشركات متعددة الجنسيات للنظر في علاقاتها المالية بالمستوطنات، في وقت تتزايد فيه أيضاً حالات مراجعة صناديق سيادية واستثمارية لمحافظها المرتبطة بإسرائيل.

ومن الأمثلة الموثقة على هذه المراجعات، أعلن وزير المالية الأيرلندي مايكل ماكغراث أن الصندوق الاستراتيجي الأيرلندي للاستثمار السيادي (ISIF)، البالغة قيمته 15 مليار يورو، سيسحب استثماراته من ست شركات إسرائيلية، من بينها بعض أكبر بنوك البلاد، بسبب أنشطتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بحسب ما ذكرته “رويترز”.

اظهار أخبار متعلقة

وأوضحت الوكالة أن الصندوق، الذي يستثمر محلياً لدعم النمو الاقتصادي الأيرلندي لكنه يحتفظ أيضاً بمحفظة من الأصول الدولية السائلة، جاء قراره عقب ضغوط من حزب المعارضة الرئيسي “شين فين” للتخلي عن هذه الأصول.

 كيف ألغت واشنطن عقوباتها على شركات الاستيطان؟

كانت قد فرضت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عقوبات على ثلاث شركات بناء إسرائيلية خاصة متورطة في تشييد المستوطنات داخل الضفة الغربية المحتلة، بحسب ما ذكرته منصة “أكسيوس” الأمريكية.

وأوضحت “أكسيوس” أن هذه الخطوة مثلت “توسعا كبيرا” في نطاق العقوبات الأمريكية على المستوطنين، إذ كانت المرة الأولى التي تُفرض فيها عقوبات على شركات بناء خاصة متورطة في توسيع المستوطنات تحديداً، لا على أفراد فقط كما جرت العادة سابقا.

وزارتي الخزانة والخارجية الأمريكيتين، أعلنتا عقوبات على شركة “أمانا”، التي وصفها المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر حينها بأنها “أكبر منظمة متورطة في تطوير المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية”، إلى جانب عقوبات على شركتي “بنياني بار أمينا” و”إيال حاري يهودا” لتورطهما في أنشطة استيطانية بالضفة الغربية، إضافة إلى عقوبات فردية طالت ثلاثة أشخاص.

ونقلت “أكسيوس” عن ميلر قوله إن الشركات الثلاث “شاركت مباشرة في نزع ملكية أراضٍ خاصة يملكها فلسطينيون دعماً للمستوطنين”.

اقرأ أيضا: الأخضر تحت 20 يواصل معسكره في قطر استعداداً لتصفيات كأس آسيا 2027

غير أن هذه العقوبات لم تدم طويلا، فقد ألغى الرئيس دونالد ترامب، في أول يوم له في المنصب بعد تنصيبه في 20 كانون الثاني/يناير 2025، الأمر التنفيذي الذي استندت إليه هذه العقوبات بالكامل، بحسب ما ذكرته “أكسيوس” في تقرير لاحق.

وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رسميا، في 24 كانون الثاني/يناير من العام الماضي، رفع جميع العقوبات المفروضة على المستوطنين الإسرائيليين المتورطين في هجمات عنيفة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وعلى المنظمات المتورطة في بناء البؤر الاستيطانية غير القانونية، مع الإفراج عن جميع الأصول المجمدة.

ووصفت “أكسيوس” إلغاء هذه العقوبات بأنه “انتصار لجماعات الضغط المؤيدة للاستيطان” في دولة الاحتلال والولايات المتحدة، التي كانت قد ضغطت من أجل هذه الخطوة منذ فوز ترامب في الانتخابات.

الوضع القانوني: ما الذي قررته محكمة العدل الدولية؟

يستند الجدل حول شرعية عمل هذه الشركات إلى رأي استشاري أصدرته محكمة العدل الدولية في 19 تموز/يوليو 2024، خلص فيه القضاة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة “غير قانوني”، بحسب النص الرسمي للرأي الاستشاري المنشور على الموقع الإلكتروني للمحكمة.

وألزم الرأي الاستشاري دولة الاحتلال بثلاثة التزامات رئيسية: إنهاء وجودها في الأرض الفلسطينية المحتلة “في أسرع وقت ممكن”، ووقف جميع أنشطة الاستيطان الجديدة فوراً، وتقديم “جبر كامل” للأضرار التي تسببت فيها للأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين المتضررين، بحسب نص المحكمة نفسه.

اظهار أخبار متعلقة

ودولة الاحتلال الإسرائيلي التي تستشهد بروابط توراتية وتاريخية مع الضفة الغربية، تعترض على قرار المحكمة الصادر عام 2024، بحجة أن الأرض ليست محتلة من الناحية القانونية لأنها “أرض متنازع عليها”، في حين أن غالبية المجتمع الدولي يتبنى الرأي الأممي القائل بأنها أرض محتلة.

وتجدر الإشارة إلى أن الآراء الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية، بحسب طبيعتها القانونية، غير ملزمة تقنيا كما هو الحال في القضايا الخلافية المباشرة بين الدول، لكنها تحمل وزنا قانونيا وسياسيا كبيرا ويمكن أن تشكل أساسا لعقوبات أو إجراءات أحادية من دول بعينها.

ضغط متصاعد بلا آلية إنفاذ على أرض الواقع

الشركات الداعمة للاستيطان، من البنوك الإسرائيلية الكبرى إلى منصات الحجز السياحي العالمية وشركات المقاولات والأسمنت متعددة الجنسيات، تواجه اليوم بيئة قانونية ورقابية دولية متشددة بشكل متزايد، تتمثل أبرز أدواتها في قاعدة بيانات الأمم المتحدة التي توسعت من 112 شركة عام 2020 إلى 158 شركة بحلول أيلول/سبتمبر 2025.

غير أن هذا الضغط يبدو أقرب إلى أداة “تعرية” أخلاقية وسياسية منه إلى آلية إنفاذ قانوني ملزم، فرأي محكمة العدل الدولية الاستشاري لعام 2024، رغم وضوحه القانوني في وصف الاستيطان بأنه غير شرعي، يبقى غير ملزم تنفيذيا، تاركا القرار الفعلي بالانسحاب أو الاستمرار في الاستثمار لكل شركة ودولة على حدة، كما ظهر في حالة الصندوق السيادي الأيرلندي الذي اختار الانسحاب طوعا من ست شركات إسرائيلية استجابة لضغط سياسي داخلي، لا بقوة إلزام قانوني دولي مباشر.

اقرأ أيضا: «كـرنـفـال إربـد 2026» فرصة لتسويق المنتجات

‫0 تعليق